علموا أبناءكم وأحفادكم هذه الأخلاق والآداب

 بقلم الشيخ: حمدى على الجهينى مسؤل إدارات المساجد بمديرية أوقاف القاهره
وكبير أئمة بإدارة السيدة زينب

توطئة: 
إن للأسرة في الاسلام شأن عظيم، فهي الأساس الذي بقدر ما يكون راسخاً متيناً يكون صرح المجتمع وبناؤه شامخا منيعا، لما يختزنه من عوامل القوة والحيوية والنماء، ومن ثم كانت عناية الاسلام بمؤسسة الاسرة عناية بالغة وفي غاية الدقة والشمول، فالتربية الدينية الصحيحة من الأسرة تُعد خط الدفاع الأول والحصن المتين أمام كل مظاهر انحراف الابناء في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، وأولادنا الأن يحتاجون الى من يعينهم على مواجهة عوامل الانحراف ويشعر بهم ويشاركهم همومهم وآمالهم وآلامهم، واذا لم ننتبه الى ذلك فإننا نهدر حقوقهم ونضيع الامانة التي علقها الله في أعناقنا،

فقد قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6) التحريم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:« أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،….. وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ،.. » متفق عليه. ولا تستهن أيها الأب أو الأم أو الجد بأُثر النصيحة لأولادك، فكم من كلمة غيرت أو كان لها أثر كبير فى تغيير سلوك الأبناء

كما فى حديث عمر بن أبي سَلمَة رضي الله عنهما عندما قال:” كنتُ غلامًا في حجْر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصَّحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يا غلام، سَمِّ الله، وَكُلْ بيمينك، وَكُلْ مما يَليك )؛قال:فما زالتْ تلك طِعْمتي بعدُ ” رواه الشيخان.

وفي صحيح مسلم وأحمد والترمذي والطبراني؛عن أبي مسعود البدري رضِي الله عنه قال:” كنتُ أضرِب غلامًا لي بالسَّوط، فسمعتُ صوتًا من خلفي:( إعلم أبا مسعود، إعلم أبا مسعود، إعلم أبا مسعود)،فلم أفهم الصوت من الغضب، فلمَّا دنا مِنِّي إذا هو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فسقط السَّوْطُ من يدي من هَيْبَتِه، فقال:(إعلم أبا مسعود أنَّ اللهَ أقدَرُ عليك منك على هذا الغلام)، فقلت: يارسول الله، هو حُرٌّ لوجه الله، فقال صلى الله عليه وسلم:( أمَا لو لم تفعل للفحتْك النارُ، أو لمسَّتْك النار)،فقلت: والذي بعثك بالحقِّ، لا أضرب عبدًا بعده أبدًا، فما ضربت مملوكًا لي بعد ذلك اليوم” ففي هذين الموقفين كانت كلمة من النبي صلى الله عليه وسلم ومرة واحدة كافية لكل واحد منهما أن يغير سلوكه ذلك طوال عمره .

الأخلاق والآداب التى ينبغى أن يتعلمها الأبناء:
قبل أن أشرع في بيان هذه الأخلاق والآداب أقول أولا للآباء والأجداد إن أعظم دعوة إلى السلوك الحسن والخلق الكريم؛ هي أن تكون أنت قدوة فيه، لأن الفعل أبلغ من القول، فالدعوة باللسان قد تؤثر في الآذان، ولكن الدعوة بالقدوة تُحدث الأثر في القلوب، وتبقى بصمتها في النفوس فالقدوة الحسنة تبني الثقة والمصداقية، حيث يرى الأبناء في سلوكك مثالاً حياً للقيم التي تدعو إليها، مما يؤثر فيهم أكثر من الخطب والمواعظ المجردة. هذه الدعوة تكون صامتة، وفعالة، وتستند إلى اقتران القول بالعمل والثبات على المبادئ. وأعظم ما يُنفر الناس من الحق هو التناقض بين القول والعمل، وأشدّ ما يُحببهم فيه أن يروا فينا صدق التطبيق، فالإسلام لم ينتشر بالسيوف ولا بالشعارات، بل بأخلاق أتباعه حين كانوا يعيشون قيمه في بيوتهم وأسواقهم وسفرهم وإقامتهم ..والأن نشرع في تفصيل تلك الآداب والأخلاق المهمة التى قاربت على الأندثار في عصرنا الحالى :

علم إبنك يحترم أهلك، واغرس في وجدانه أن احترامهم من احترامك:

فاحترام الأعمام والأخوال والأجداد وأبناءهم من احترام الأب والأم، وقد تربينا في صغرنا على مقولة الوالد لنا: إذهب ونادى أبوك فلان يقصد العم أو الخال، وأكدّ على ذلك مراراً، فقد انتشرت في هذه الأيام بين الشباب ثقافة النديّة بينه وبين عمه أو خاله واعتبار ذلك من الرجولة وقوة الشخصية، وما هي إلا انحطاط أخلاقي وسوء تربية، فالعم والخال بمنزلة الأب حتى ولو لم أنتفع منهم بشئ بل ولو بينى وبينهم خصومة لسبب ما، العم عم والخال خال، لا ندية بينهم وبين أبناء أخوتهم، هذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان عمه حمزة مساو له في السن وأخوه من الرضاعة، ومع ذلك كان يحترمه ويجله لعمومته، ولما استشهد في غزوة أحد أقسم أن يثأر له بقتل سبعين من قريش عندما يمكنه الله من ذلك ولولا أن الله نهاه عن ذلك لفعل، حبا واحتراما لعمه، وقد علمنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن للعم والخال حق البر كالوالدين، فعن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال:(قلتُ يا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أبرُّ، قال أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ أباك ثمَّ الأقربَ فالأقربَ) أخرجه أبوداود(5139) والترمذي (1897)،وأحمد(20028). وعن طارق بن عبدالله المحاربي قال: قدِمتُ المدينةَ، فإذا رسولُ اللَّهِ، قائمٌ علَى المنبرِ يخطبُ النَّاسَ، وَهوَ يقولُ:(يدُ المعطى العُليا، وابدأ بمن تعولُ: أمَّكَ وأباكَ، فأختَكَ وأخاكَ، ثمَّ أدناكَ أدناك).

ثم علمه الاحترام للجميع خاصة كبار السن: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم( ليسَ منَّا من لَم يَرحَمْ صغيرَنا ، و يعرِفْ حَقَّ كَبيرِنا) أخرجه أبو داود(4943)، والترمذي(1920)، وأحمد(6733) واللفظ له. ولقوله صلى الله عليه وسلم:(ما أَكْرمَ شابٌّ شيخًا لسنِّهِ إلَّا قيَّضَ اللَّهُ لهُ مَن يُكْرمُهُ عندَ سنِّهِ) أخرجه الترمذي(2022).

علمه أن الشياكة في الملبس النظيف المنمق ولو كان رخيص الثمن:

فالعبرة ليست بارتفاع القيمة المالية للملبس، بقدر ماهى القيمة الملموسة من لياقة وحشمة ونظافة، فقد صارت الشياكة الآن فى ملابس كانت للفقراء قديما من ثياب مقطعة ممزقة، أوضيقة وملتصقة، أوقصيرة ، حتى صارت الماركات نصب واحتيال أكثر منها شياكة وجودة. لكن اللباس فى الإسلام وسيلة تصون كرامة الإنسان، فتستر عورته، ويتجمل بها؛ وإلى هذا أشارت الآية الكريمة:﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا…﴾ وهو تلبية لحاجة طبيعية، من حيث الوقاية من الحر والبرد، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة:﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ…﴾ فيلبس المؤمن اللباس العادي الجميل النظيف، فالطهارة والنظافة أمران لا يعذر فيهما أحد من الناس سواء أكان غنياً أم فقيراً.

فعن جابر رضي الله عنه قال:”أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم زائراً، فرأى رجلاً عليه ثياب وسخة، فقال: ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه”رواه أحمد والنسائي. وأما الزينة فأمرها تابع إلى قدرة الإنسان المالية، فإذا كان ذا غنى فمن السنة أن يتخذ الجيد والجميل من الثياب. روى أبو الأحوص عن أبيه قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي ثوب دون، فقال لي: ألك مال؟. قلت: نعم. قال: من أي المال؟. قلت: من كل المال قد أعطاني الله، من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالاً، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته”. يلبس اللباس المعتاد الذي ليس فيه إظهار للشهرة أو التكبر،ففى الحديث عن عبدالله بن مسعود،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْر،ٍ فقالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ) مسلم.

علمه العفة والخوف من الله:

فقد أصبح الشباب يتفاخرون بالزنا والتحرش والانحراف، وهو ما حذر منه رسول الله ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا كذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه). وأخرج الحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى، وليتب إلى الله تعالى، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله).

وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أن من صفات المؤمنين العفة عن الخوض في الحرام، فقال:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}المؤمنون:5،6. وليتذكر الشباب أن أغلى هدية تقدم للزفاف: عفة تسبق الزواج وترافقه، وإخلاص للشريك بعده، ويسايره. وكن أيها الأب نموذجاً في العفة لأولادك، ولا تنسَ أن تبين لهم أن في العفة وعداً بالسعادة لكل الذين حفظوا نقاوتهم، وضبطوا أنفسهم إلى أن وصلوا إلى الزواج. فزمام العفة ليس موجوداً من أجل القضاء على حرية الإنسان أو تدميرها كما يزعم أهل الهوى، وإنما هو أداة لحسن الانتفاع بها وتوجيهها في صالح البشر، وبغير زمام العفة فإن من الجائز في كل لحظة أن تنطلق الغريزة الثاوية في أعماق الإنسان إلى حيث تهلكه وتهلك معه.

علمه الوفاء بالعهد تلك العملة النادرة في هذه الأيام: وذكر أولادك دوماً بالمبدأ القرآني:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}الإسراء:34. وصدق الوعد محمود من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخلف مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد فقال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا(54) مريم. واختلف في ذلك؛ فقيل: إن إسماعيل لم يعد شيئا إلا وفىّ به.

وقيل: لإنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فُدي. وقيل: وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر يومه وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء ؛ فقال له: ما زلت هاهنا في انتظارك منذ أمس. وقيل: انتظره ثلاثة أيام. وفعل مثله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثه؛ فقد أخرج الترمذي وغيره عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام، فجئت فإذا هو في مكانه ؛ فقال: يا فتى لقد شققت علي أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك لفظ أبي داود.

علمه حِرفة أو موهبة من صغره وحسب إمكانياته  فى أثناء الأجازة من دراسته ولا تنتظر حتى يكبر :

دعه يفهم الدنيا باكرا حتى يتحمل المسؤولية ولا تعطى له أموالا كتيرة، بل علمه قيمتها جيدًا، وعلمه أن على الإنسان أن يعمل ويجد في عمله، وأن يتحرى الحلال الطيب، ويبتعد عن أكل الحرام بكل طاقته؛ فالله تعالى يقول:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}التوبة:105. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(ما أكل أحد طعاماً قط، خيراً من أن يأكل من عمل يده). وأن على الأولاد أن يعملوا بجد ونشاط في دراستهم كي يستطيعوا الاعتماد على أنفسهم عند الكبر فيأكلوا من عمل أيديهم. قال سفيان بن عيينة رحمه الله: من كان له مال، فليصلحه أولًا، فليكتسب، فإنكم في زمان من احتاج فيه الناس، كان أول ما يبذل لهم دينه. وقال سفيان الثوري رحمه الله لمن عاتبه في تقليب الدنانير: دعنا عنك، فإنه لولا هذه لتمندل بنا الناس تمندُلًا؛ أي: جعلوه في حكم المنديل الذي يمسحون به أوساخهم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا معشر القراء استبقوا الخيرات، وابتغوا من فضل الله، ولا تكونوا عيالًا على الناس. وقيل لعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سبب يسارك؟ قال: ثلاث: ما رَددت ربحًا قط، ولا طلب مني حيوان فأخرت بيعه، ولا بعت بنسيئة.

يُحكى أنَّ رجلاً ميسورًا، كان له ولد وحيد، بالغت أمُّهُ في تدليله والخوف عليه، حتى كبر، وأصبح شابَّاً، لا يتقن أيَّ عمل، فيقضي أيامه بالتسكع في الطرقات واللهو، معتمدًا على المال الذي تمنحه إيَّاه أمُّه. وذات صباح، نادى الأب ابنه، وقال له: لقد كبرت يابني وصرتَ شابًّا قويًّا الآن بإمكانك الاعتماد على نفسكَ، وتحصيل قوتِكَ بِكَدِّكَ وعرق جبينك.

قال الابن محتجًّا: ولكنني لم أقم بأي عملٍ من قبل يا أبت! قال الأب: يمكنك أن تتعلَّم،عليكَ أن تذهب الآن إلى المدينة وتعمل، أريدك أن تعود ومعك ليرةٌ ذهبيةٌ تحضرها إلي.(من عملات أهل الشام،وزنها 8 جرامات من عيار21، تساوي وزن الجنيه الذهب المصري) امتثل الابن لأمر والده، ولكن ما إن تجاوز الباب، حتى لحقت به أمُّه، وأعطته ليرة ذهبية، وطلبت منه أن يذهب إلى المدينة، ويعود منها في المساء، ليقدِّم الليرة إلى والده.

وفعل الابن ما طلبت منه والدته، وعاد مساءً يحمل الليرة الذهبية، وقدَّمها لوالده قائلاً: لقد عملت طويلاً، وتعبتُ كثيرًا حتى حصلت على هذه الليرة. تفضل يا أبي! تناول الأب الليرة، وتأملها جيِّدًا ثم ألقاها في موقد النارالمشتعلة،وقال:إنَّهاليست الليرة التي طلبتها منك. عليكَ أن تذهب غدًا إلى المدينة، وتحضر ليرةً أخرى غيرها! فسكتَ الولد ولم يتكلم أويحتج على تصرُّف والده.

وفي صباح اليوم الثاني،خرج الولد ليذهب إلى المدينة،وما إن تجاوز الباب، حتى لحقت به أمه، وأعطته ليرة ثانية، وقالت له: لا تعد سريعًا. امكث في المدينة يومين أوثلاثة، ثم أحضر الليرة وقدِّمها لوالدك. تابع الابن سيره، حتى وصل إلى المدينة، وأمضى فيها ثلاثة أيام، ثم عاد، وقدَّم الليرة الذهبية لوالده قائلاً: عانيتُ وتعذَّبتُ كثيرًا حتى حصلتُ على هذه الليرة. تفضَّل يا أبي. تناول الأب الليرة، ثم ألقى بها بين جمر الموقد قائلاً: إنَّها ليست الليرة التي طلبت منك أن تحضرها،عليكَ أن تحضر غيرها يا بني. تفاجأ الولد، ولكن لم ينبس ببنت شفة.

وفي صباح اليوم الثالث، وقبل أن تستيقظ الأمُّ من نومها، تسلل الابنُ من البيت، وقصد المدينة. وغاب هناك شهرًا بأكمله، يعمل بجهد. ثمَّ عاد يحمل ليرة ذهبية، وقد أطبق عليها يده بحرص كبير، فقد تعب حقًّا في تحصيلها، وبذل من أجلها الكثير من العرق والجهد. قدَّم الليرة إلى أبيه وهو يبتسم قائلاً: أقسم لكَ يا أبي أن هذه الليرة من كدِّ يميني وعَرَقِ جبيني وقد عانيت الكثير في تحصيلها! أمسك الأب الليرة الذهبية، وهمَّ أن يُلقي بها في النار، فهجم عليه الابنُ وأمسكَ بيده، ومنعه من إلقائها. فضحك الأب وعانق ولده، وقال:الآن صِرتَ رجلاً، ويمكنك الاعتماد على نفسكَ يابني! فهذه الليرة هي حقًّا ثمرة تعبكَ وجهدك، لأنَّكَ خفتَ من ضياعها. بينما سَكَتَّ على ضياع الليرتين السابقتين”فَمَنْ جاءهُ المال بغير جهد، هان عليه ضياعه”.

وأخيرا أختم بما بدأت به وهو: أن أعظم دعوة إلى السلوك الحسن والخلق الكريم؛ أن تكون أنت قدوة فيه، لأن الفعل أبلغ من القول، فالدعوة باللسان قد تؤثر في الآذان، ولكن الدعوة بالقدوة تُحدث الأثر في القلوب، وتبقى بصمتها في النفوس فالقدوة الحسنة تبني الثقة والمصداقية، حيث يرى الأبناء والأحفاد في سلوكك مثالاً حياً للقيم التي تدعو إليها، مما يؤثر فيهم أكثر من الخطب والمواعظ المجردة، فإن أعظم ما يُنفر الناس من الحق هو التناقض بين القول والعمل، وأشدّ ما يُحببهم فيه أن يروا فينا صدق التطبيق .