الطرق التدريسية الحديثة في ضوء السنة النبوية 1

بقلم : أ . د : السيد أحمد أحمد سحلول
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية أصول الدين والدعوة في المنصورة
وعضو لجنة المحكمين لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين

اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم  طرقًا تدريسية  لكي يُعَلِّم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ سنته قد أينعت ثمارها في شتى بقاع الأرض ، ووصلت رسالته للعالمين  ، لذا كان حَرِيًّا بكل مُعَلِّم أن يطبقه في مسيرته التعليمية ، ويضعه نصب عينيه وهو يعلم تلامذته ، حتى تصل رسالته إليهم ، مما يجد بنا أن نطبقها في واقعنا المعاصر للنهوض بالتعليم في كافة المجالات ، وهذه الطرق الحديثة التي يستخدمها المدرسون أصلها من سنته صلى الله عليه وسلم . ومن تلك الطرق :

1ـ اختيار الأوقات الملائمة للتعليم :

كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار لأصحابه أوقاتًا معينة لكي يحدثهم فيها ، ولم يكن يعظهم في جميع الأوقات مخافة الملل والسآمة فيفوت عليهم مقصود ما يرجو من الموعظة .

فعَنْ عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ رضى الله عنه قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا([1])

 

2ـ تكرار الكلمة حتى يتمكن السامع من الفهم والحفظ : 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الكلمة ثلاث مرات حتى يتسنى للصحابة فهم وحفظ ما يقوله .

فعَنْ أَنَسٍ بن مالك رضى الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا ([2]).

وكان كلامه صلى الله عليه وسلم يخرج منه واضحًا لا غموض فيه ، وكان يفصل بين أجزاء الكلام لكي يفهمه كل من سمعه . فعَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ : كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ ([3]).

3ـ التمهل والطمأنينة في الإلقاء :

كان  صلى الله عليه وسلم لا يتكلم بكثرة وتتابع واستعجال بل كان يتكلم كلامًا قليلًا بتمهل وروية لكي يعيه الصحابة ويفهموه حتى يتسنى لهم تطبيقه .

فعَنْ هِشَامٍ بن عروة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ : اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ ، اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّي فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ : أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا وَمَقَالَتِهِ آنِفًا إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلميُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ  .

وعَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلميُسْمِعُنِي ذَلِكَ ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي ، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلملَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ([4])

4ـ طرح السؤال ليستخرج ما عند السامعين من علم :

كان صلى الله عليه وسلم  يطرح المسألة على الصحابة لكي يختبر ما عندهم من العلم ، ولكي يرغبهم في الفكر وهو ما يعرف الآن بطريقة العصف الذهني .

فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ـ رضي الله عنهما ـ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  : ” إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ ؟ ” ،  فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ . ثُمَّ قَالُوا : حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ :  فَقَالَ : ” هِيَ النَّخْلَةُ ”  ، قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ ،  قَالَ : لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَ :هِيَ النَّخْلَةُ

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا([5])

قال الإمام النووي : في هذا الحديث فوائد : منها استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ؛ ليختبر أفهامهم ، وَيُرَغِّبهُمْ في الْفِكْر والاعتناء ([6])

5ـ الإنصات عند تلقي العلم :

فقد كان صلى الله عليه وسلم يطلب من الحاضرين لتلقي العلم الإنصات التام حتى يسمعواْ ما يقوله ويفهموه .

فعن جَرِيرٍ بن عبد الله البَجَلي tقَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : “استنصت النَّاسَ ”  ثُمَّ قَالَ : ” لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ” ([7])

وللحديث بقية ….

([1])أخرجه البخاري في الصحيح كِتَاب الْعِلْمِ بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا // وباب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة  1 / 62 ح( 68 ، 70) واللفظ له من الباب الأول،  وأخرجه مسلم في الصحيح كِتَاب صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ بَاب الِاقْتِصَادِ فِي الْمَوْعِظَةِ 17 / 297 ح(2821) {82 ، 83}
([2])ـ أخرجه البخاري في الصحيح كِتَاب الْعِلْمِ  بَاب مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ 1 / 69 ح(94 ، 95)
([3])أخرجه أبو داود في السنن كتاب الأدب باب الهدي في الكلام 3 / 266 ح(4839) بسند حسن .
([4])أخرجه البخاري في الصحيح كتاب المناقب باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 2 / 405 ح(3567) ، وأخرجه مسلم في الصحيح كِتَاب الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ بَاب التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ وَحُكْمِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ 18 / 419 ح(2493){71} .
2ـ أخرجه البخاري في الصحيح كتاب المناقب باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم2 / 406 ح(3567) ، وأخرجه مسلم في الصحيحِ كِتَاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ 16 / 44 ح(2493){160}
يَسْرُدُ الْحَدِيث :أَيْ يُكْثِرُهُ وَيُتَابِعُه ( شرح النووي على صحيح مسلم 16 / 45).
([5])أخرجه البخاري في الصحيح كِتَاب الْعِلْمِ  باب قول المُحَدِّث : حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا  // و باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم 1 / 59 ح(61 ، 62) // وباب الفهم في العلم 1 / 63 ح(72) // وباب الحياء في العلم 1 / 78 ، 79 ح(131) ، وأخرجه مسلم في الصحيح كِتَاب صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ بَاب مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ  17 / 289 : 291 ح(2811) {63 ، 64} .
([6])شرح النووي على صحيح مسلم 17 / 290
([7])أخرجه البخاري في الصحيح كتاب العلم بَاب الْإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ 1 / 75 ح(121) // وفي كتاب المغازي باب حجة الوداع 3 / 116 ح(4405) // وفي كتاب الديات باب قول الله تعالى : (ومن أحياها ) 4 / 283 ح(6869) // وفي كتاب الفتن باب قَوْلِ النَّبِيِّصلى الله عليه وسلم  :   ” لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ” 4 / 339 ح(7080) ، وأخرجه مسلم في الصحيحِ كتاب الإيمان بَاب بَيَانِ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّصلى الله عليه وسلم : ” لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ” 2 / 242 ح(65){118}