حديث حنظلة بين مراتب اليقين وتقلبات القلب
28 نوفمبر، 2025
بستان الصحابة وآل البيت

بقلم الدكتور : بدر الفيومي
دكتوراه في الفلسفة الإسلامية والفكر العربي والإسلامي المعاصر
روى مسلم من حديث أبي عُثمَان النَّهْدي عَنْ حنظله الأسَيِّدي أنه قال: (لقِينِي أَبو بكْرٍ الصديق فَقَال: كَيفَ أَنْت يا حَنْظَلةُ؟ قُلت: نَافَقَ حنظله. قَال سُبحَانَ الله مَا تقُول؟ قُلت: نَافَقَ حَنْظَلةُ يا أبا بكر. نَكُونُ عِنْد رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكِّرُنَا بالنَّارِ وَالجَنَّةِ حتى كَأَنَّا رَأْي عَينٍ، فَإِذا خَرَجْنَا مِنْ عِنْد رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاد وَالضَّيعَات، فَنَسِينَا كَثيرًا. قَال أَبو بكْرٍ: فَوَالله إِنَّا لنَلقَي مِثل هَذا. فَانْطَلقْت أَنَا وَأَبو بكْرٍ حتى دخَلنَا على رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم-. قُلت: نَافَقَ حَنْظَلةُ يا رَسُول الله. فَقَال رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم-: وَمَا ذاكَ؟ قُلت: يا رَسُول الله نَكُونُ عِنْدكَ تذكِّرُنَا بالنَّارِ وَالجَنَّةِ حتى كَأَنَّا رَأْي عَينٍ، فَإِذا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاد وَالضَّيعَات نَسِينَا كَثيرًا. فَقَال رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم-: وَالذي نَفْسِي بيدهِ لوْ تدومُونَ على مَا تكُونُونَ عِنْدي وَفِي الذكْرِ، لصَافَحَتكُمُ المَلائِكَةُ على فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلكِنْ يا حَنْظَلةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، وَلكِنْ يا حَنْظَلةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، وَلكِنْ يا حَنْظَلةُ سَاعَةً وَسَاعَة).
يُعَدّ هذا الحديث -حديث حنظلة الأسيدي- من النصوص العميقة التي تكشف بدقة طبيعة الإيمان في قلب الإنسان، وكيف يتقلب بين الارتفاع والهبوط، حتى ليبلغ الحالُ بالمرء أن يظنّ بنفسه النفاق بسبب ما يراه من فتورٍ بعد نشاط، وضعفٍ بعد قوة. فقد خشي حنظلة أن يكون تغيّر حال قلبه من خشوعٍ وصفاءٍ ورقّةٍ تغمره حين يسمع الذكر بين يدي النبي ﷺ، إلى حالةٍ أقل حضورًا وانشغالًا عند عودته إلى أهله وشؤونه اليومية علامةً على النفاق.
ولم يكن هذا الشعور خاصًا به؛ فقد بادره أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالموافقة على ذات الإحساس، وهو من هو في قوة الإيمان وصدقه. وهذا بحد ذاته يشير إلى حقيقة مهمّة: أن تقلب القلب سُنّة جارية على كل بني آدم، وأن ثبات الإيمان على درجة واحدة أمر لا يطيقه البشر. فالقلب بطبعه متغير، وما يشعر به المؤمن من تفاوت في حاله ليس نفاقًا، بل طبيعة إنسانية يدركها أهل الصدق أكثر من غيرهم.
فما يكون عليه حنظلة والصديق عند النبي صلى الله عليه وسلم من حالة (رأي العين) ذلك لِما يجتمع في مجلسه من قوة النبوة وشهود الوحي وتأثير المعاني الإيمانية التي تهزّ القلوب. وهذه الحالة الرفيعة لا تدوم لبشر؛ لأنها ليست من طبيعة الإنسان، خصوصًا فيما يتعلق بقضايا الغيب.
وإذا ما انتقلنا إلى بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم (لو تدومون على ما تكونون عليه عندي، لصافحتكم الملائكة على فروشكم وفي طرقكم)، ظهر لنا أن تلك الحال الروحية العالية التي يعيشها الصحابة عند مجالس الذكر، والتي تكاد تُشبه مشاهدة الغيب عيانًا، لو استقرت في القلب دائمًا لارتفع الإنسان إلى منزلة تقترب من حال الملائكة. غير أن هذا أمر لا تستقيم به طبيعة البشر؛ فالمَلَك مخلوق مطبوع على الطاعة لا يزيغ عنها، قائم بما أُمِر به، كما قال تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
أمّا الإنسان فقد خُلق في دار ابتلاء وتكليف، يتقلب بين دواعي الخير ودواعي النفس، يتعرض للفتنة، ويجاهد هواه، ويعيش في صراع دائم بين الإقبال والفتور. وهذا التفاوت هو جوهر الامتحان ولبّ الحكمة في خلق الإنسان؛ إذ لا معنى للتكليف مع ثباتٍ لا يتغير، ولا ابتلاء مع حال لا تتبدل. ولهذا جاء جواب النبي صلى الله عليه وسلم موجزًا جامعًا) ساعة وساعة)؛ أي ساعةً يكون فيها القلب مقبلًا متوهجًا، وساعةً يعود فيها إلى طبيعته البشرية وضرورات الحياة، دون أن يكون ذلك نفاقًا أو نقصًا مذمومًا، بل هو سنّة الله في عباده.
ومن هنا كان تصنيف اليقين في القلب على ثلاث درجات؛ (علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين)،
فالأول كعلمك بوجود العسل مثلا، وعين اليقين كرؤيتك له، وحق اليقين كشربك منه. إذ علم اليقين هو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حقائق الأمور بنفي الوهم والشك والظن، فلا يماري في صحتها، ولا يرتاب في ثبوتها، كعلم اليقين بالجنة والنار، وتيقنه أن الجنة دار المتقين، وفيها خلود المؤمنين، وأن النار دار المكذبين، وأن الرسل أخبروا عنها بلاغا عن ربهم، وأنهم بينوا للناس أمرها، فهذه درجة علم اليقين.
أما عين اليقين فهي درجة تعادل عبودية الإنسان لربه كأنه يراه وكذلك يقينه بما أخبر الله كأنه يراه، كما قال تعالى (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ ٱليَقِينِ). وبين هذه الدرجة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة، فاليقين للسمع، وعين اليقين للبصر، وليس الخبر كالمعاينة. وتلك الحالة هي التي كانت تحدث لحنظلة وأبي بكر إذا ذكرهم النبي بالجنة أو النار.
وإذا ما نظرنا إلى ما يشير إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم- (ساعة وساعة) أيضا من معنى نجد أنه يعبر عن تنقل المؤمن بين منازل اليقين؛ فتارة يكون في علم اليقين يتعامل مع دنياه ومعايشه، وتارة يرتقي إلى عين اليقين حين يتأمل ملكوت السماوات ويعتبر بآيات الله، وتارة يذوق في الذكر والصلاة لذة القرب والمناجاة. وأما حق اليقين فهو ذروة مراتب السابقين المقرّبين، ومنه ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم(يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا…)، وهو مقام لا يدوم لأحد ولا يطيقه البشر وسيتحقق لا محالة عند موت الإنسان وملاقاة مصيره بجنة أو نار . وليس بعد مرتبة حق اليقين إلا الخشوع التام وتسبيح الموحدين الموقنين كما قال تعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
فقوله صلى الله عليه وسلم (إنما هي ساعة وساعة ) أي ساعة يكون فيها الإنسان في أعلى درجات الإيمان التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تعبد الله كأنك تراه، وساعة ضعف ونقص الإيمان عند الانشغال بما تتطلبه الحياة من السعي للرزق وشئون الزوج والأولاد.
هذه الزيادة والنقصان للإيمان هي أصلٍ عظيم من أصول عقيدة أهل السنة والحديث؛ إذ يزيد الإيمان بالطاعة والذكر واليقين، وينقص بالغفلة والذنوب واشتغال القلب بالشواغل. ومما يدل على زياد الإيمان ونقصانه في قلب الإنسان ما ورد في قوله تعالى: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وقوله سبحانه)فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) فالزيادة هنا ليست مجرد التصديق، بل ما تورثه الآيات من رغبة في الطاعة وانتهاء عن المعصية، وهذا ما لا ينتبه له من يُقصر الإيمان على المعرفة الذهنية وحدها. فمن يعي هذه الحقيقة يدرك أن التذبذب بين القوة والفتور ليس نقصًا مذمومًا في ذاته، بل هو وصف لازم لطبيعة الإنسان، وأما المذموم فهو ترك المجاهدة، أو قلب سنة الله في القلوب إلى حجة للآثام والمعاصي.
ومن هنا كان خطأ العبارة الدارجة على ألسنة الناس (ساعة لقلبك وساعة لربك)، لأنها تجعل (الساعة) التي للنفس بابًا للشهوة وفعل المنكرات، بينما حديث النبي يتحدث عن اختلاف حال القلب بين حضور الذكر ومخالطة الدنيا، لا عن الترخص في المعاصي المهلكات.
وهنا تظهر دقة التربية النبوية؛ فلم يطلب الله من بني الإنسان ثباتًا على حال الملائكة، ولا يفتح لهم باب التسيب، بل يرشدهم إلى طبيعتهم ويبيّن أن المطلوب دوام المجاهدة وربط القلب بالله، وتقوية لحظات اليقين حتى تغلب لحظات الغفلة. ولهذا يبقى المؤمن في تنقل دائم بين (ساعة) يقوى فيها قلبه، و(ساعة) يضعف فيها لكنه لا ينقطع ولا يتذرع بضعفه ليغرق في الهوى.
وهذا الفهم لحديث حنظلة يرفع من همة المؤمن، ولا يجعل من الفتور حجة يتكئ عليها، بل يكشف له دقائق السير في طريق الإيمان، ويدله على كيفية التعامل مع تقلبات القلب دون إفراط ولا تفريط.