على مشارف الإشراق ميلاد روح جديدة

بقلم الكاتب والشاعر الإسلامى : بدرى البشيهي

 

المقدمة

بِاسْمِ اللهِ العَلِيمِ العَلَّامِ، المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الأَنَامِ، وَمِصْبَاحِ الظَّلَامِ، الشَّفِيعِ يَوْمَ الزِّحَامِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الكِرَامْ، وَصَحَابَتِهِ وَتَابِعِيهِ الأَعْلَامِ، وَمَنِ اقْـتَـفَى أَثَـرَهُمْ عَلَى مِلّةِ الإِسْلَامِ.

وَبَعْدُ:

يُقَدِّمُ العَبْدُ العَاصِي إِلَى رَبِّهِ تَوْبَتَهُ، وَيَغْسِلُ في الشِّعْرِ حَوْبَـتَـهُ، وَيَنْسجُ بِالتَّخَلِّي عَمَّنْ سِوَاهُ خِرْقَـتَـهُ، وَيُوَشِّي بِالتَّحَلِّي بِمَا يَرْضَاهُ بُرْدَتَهُ، وَيَلْبسُ بِمديح حَبِيبِهِ حُلَّتَهُ، وَيُهْدِي لِلأُمَّةِ المُفَرَّقَةِ لَأْمَتَهُ، وَيُخْبِرُ المَوَجُودَاتِ لَعَلَّهَا تُدْرِكُ نَظْرَتَهُ.

إِنَّ أَوَّلَ أَمْرِهِ نَظْرَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في نِهَايَةِ عام 2022م، نَظَمَ فِي ضَوْئِهَا القُدْسِيِّ، وَنُورِهَا المُحَمَّدِيِّ، وَفَجْرِهَا الأَحْمَدِيِّ، وَرَأْسِهَا الحُسَيْنِيّ -فَهِيَ مِنْهُ وَهُوَ مِنْهَا – مَلْحَمَةَ (دُرَّةِ الإِسْلَامِ فِي سِيرَةِ خَيْرِ الأَنَامِ) في أَرْبَعَةِ آلافٍ وَخَمْسَ مِائةِ بَيْتٍ عَلَى الكَامِلِ التَّامِّ، في خَمْسةِ أَشْهُرٍ على التَّمَامِ؛ ثُمَّ قَدَّمَ لِلْأُمَّةِ أَرْبَعَةَ دَوَاوِينَ أُخْرَى، وَلَدَيْهِ مِثْلُهَا أَوْ يَزِيدُ لَمْ يُنْشَرْ، وَفِي قَلْبِهِ وَعَقْلِهِ أَضْعَافُهَا لَمْ تُسْطَرْ؛ وَمَتَى يُرِدِ العَلِيُّ الأَعْلَى فَسَوْفَ تَظْهَرُ؛ لِيعْرِفَ الوُجُودُ سِرَّ النَّظْرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَالصَّرْخَةِ الصُّوفِيَّةِ ؛ نَظْرَةٌ وَمَدَدٌ، وَمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ لَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ العِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَالإِرَادَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَالمَشِيئَةِ الأَبَدِيَّةِ، بِسِرِّ الكَافِ النُّورَانِيَّةِ، وَنُونِ الأَسْرَارِ السَّرْمَدِيَّةِ، والأَلَفِ القُطْبِيَّةِ، وَبَاءِ الدَّائِرَةِ الأَوَلِيَّةِ، فَبِهِ وَمِنْهُ -جَلَّ جَلَّالُهُ- الفُتُوحَاتُ المَكِيَّةِ، وَالإِلْهَامَاتُ البَدْرِيَّةِ، والنَّفحَاتُ العَلَوِيَّةِ، وَالكَرَامَاتُ البَدَوِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ شَطحَات حَلَّاجِيَّةٍ؛ فَلا حُلُولَ وَلَا اتِّحَادَ، وَلَا فَسَادَ وَلَا إِفْسَادَ، إِنَّمَا التَّصَوُّفُ ذُلٌّ وَانْكِسَارٌ لِرَبِّ العِبَادِ، الوَاحِدِ الأَحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ المُنَزَّهِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالزَّوْجَةِ وَالوَلَدِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، وَخَوْفٌ وَرَجَاءُ، وَاتِّـبَاعٌ واقْـتِدَاءٌ، بِسُنَّةِ المُفْرَدِ الإِنْسِيِّ، وَالسيِّدِ الهَاشِمِيِّ، والفَارِسِ العَرَبِيِّ، والمُجَاهِدِ المُضَرِيِّ بِفَهْمِ شَاعِرٍ فَقِيهٍ مِصْرِيٍّ، وعَلَى دَرْبِ المَنْهَجِ الأَزْهَرِيِّ؛ فَإنَّهُ السَّبيلُ السَّوِيُّ، وَالسِّرَاجُ الفَاطِمِيُّ، وَالرَّأْسُ الحُسَيْنِيُّ، والمَشْهَدُ الزَّيْنَبِيُّ، والسَّيْفُ الخَيْبَرِيُّ، وَالجَيْشُ الغَرْبِيُّ؛ فإنَّهُ دِرْعُ الأَمنِ العَرَبِيِّ، وحِصْنُ السَّلَامِ الأَبِيِّ.

تَمُرُّ الأُمَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ بِمَرْحَلَةٍ مِنْ أَخْطَرِ مَرَاحِلِهَا، وحِقْبَةٍ مِنْ أَشَدِّ حِقَبِهَا؛ فَقَدْ أَمْسَى تُرَاثُنَا بَيْنَ شِقَّيِ الرَّحَى؛ فَشِقٌّ مُنْكِرٌ وَالشِّقُّ الآخَرُ مُزَوِّرٌ، وَبَاتَ العَقْلُ المُسْلِمُ رَهِينًا لِلْكَيْدِِ المَاسُونِيِّ، والتَّعَصُّبِ المَذْهَبِيِّ، والفِكْرِ المَادِيِّ الذِي قَيَّدَهُ فِي أَغْلَالِ التَّفْرِيطِ وَالإِفْرَاطِ، وَلَمْ يَبْقَ إلا الأَزْهَرُ الشَّريفُ بِوَسَطِيَّتِهِ السَّمْحَاءَ، وَمَحَجَّتِهِ البَيْضَاءِ وَحِنِيفِيَّتِهِ الغَرَّاءِ -حِصْنًا وَفِيهِ الرَّاسِخُونَ مِنَ العُلْمَاءِ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجُ العَارِفِينَ وَدُرَّةُ الأَوْلِيَاءِ، وَسَلِيلُ بَنِي الزَّهْرَاءِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- سَيِّدِي وَمَوْلَاي الشَّيخُ أَحْمَدُ الطَّيِّبُ-حَفِظَهُ اللهُ- بِفِكْرِهِ الرَّشِيدِ، وَرَأَيِهِ السَّدِيدِ، فَإِلَى الأزهر وَإِلَيْهِ أُوكِلَ صَلَاحُ مَا أَفْسَدَهُ الشَّيْطَانُ فِي ثَلَاثَةِ قُرُونٍ مَضَتْ، وَمِنْ قَبْلِهَا كُنَّا حُمَاةَ الدِّينِ -وَمَا زِلْنَا- لَوْلَا فِتْـنَـةُ النّفْطِ.

وَكَذَلِكَ التَّصَوُّفُ الذِي هُوَ مَرْتَـبَـةُ الإِحْسَانِ، وَسُنَّةُ العَدْنَانِ، وَلِوَاءُ العَابِدِينَ، وَمَنْــهَـجُ السَّالِكِـينَ، وَصِرَاطُ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ، وَسُيُوفُ المُجَاهِدِينَ، وَسَلْ عَنَّا المُخْتَارَ وَصَلاحَ الدَّينِ، وَبَدْرًا وَحِطِّينَ، وَالقَسَّامَ وَالغَزِّيِّينَ – يَمُرُّ بِمُنْعَطَفٍ خَطِيرِ، وَجُرحٍ كَبِيرٍ، وَجَــهْلٍ مَرِيرٍ، وَتِجَارَةٍ سَوْفَ تَبُورْ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ جُفَاءً، وَيَمْكُثُ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ، فَقَدْ أَكْبَرُوا مَا جَدَّ عَلَيْهِ -وَلَيْسَ فِيهِ- مِنْ مُجُونٍ وَاخْتِلَاطٍ، وَرَقْصٍ وَمَظْهَرٍ لَيْسَ جَوْهَرَهُ؛ فَجَوْهَرُهُ زُهْدٌ وَوَرَعٌ وتقى، وَعِلْمٌ وَادِّكَارٌ وَهُدًى، وَحِلْمٌ وَعَفَافٌُ وَغِنًى، وَنَظَرٌ وَاعْتِبَارْ، وَتَدَبُّرٌ وَأَذْكَارٌ، وَتَسْبِيحٌ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ، بِلا رَقْصٍ أَوْ مِزْمَارٍ، بِلا انْحِرَافٍ أَوْ أَوْزَارٍ، إِنَّمَا خُضُوعٌ وَخُشُوعٌ، وَسُهْدٌ وَدُمُوعٌ، وَسُجُودٌ وَرُكُوعٌ، وَتَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارْ.

وَقَدْ رُمِيَتْ عَلَيْنَا السِّهَامُ، وَتَكَالَبَ عَلَيْنَا اللِّئَامُ كَمَا تَتَكَالَبُ الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، وَتَرْمِي العَاهِرَةُ ذَنْبَهَا عَلَى جَارَتِهَا، فَحَصَرُوا رِسَالَةَ التَّوْحِيدِ التِي حَمَلَها مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ وَرَسُولٍ، وَكُلُّ قَبْرٍ سِوَى رَوْضِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- مَجْهُولٌ؛ فِي لِحْيَةٍ تَطُولُ، وَثَوْبٍ يُقَصَّرْ، وَلَئِيمٍ يُكَفِّرِ؛ بِزِيَارَةٍ عَلَيْهَا نُؤْجَرُ -بِإِذْنِ اللهِ-، وَفِعْلٍ سَنَّهُ النَّبِيُّ الأَزْهَرْ في جَوْفِ اللَّيْلِ البَهِيمِ، بِسَعْيِهِ غيرِ المُنْقَطِعِ حَتَّى أوَانِ انْقِطَاعِ أَبْهَرِهِ، بِيَوْمَي البَرِيئَةِ المُطَهَّرَةِ مِنْ إِفْكِ كُلِّ لَئِيمٍ إِلَى نَسِيمِ البَقِيعِ؛ فَأَظْهَرُوا لَنَا قِصَرَ ثِيَابِهِ، وَأَخْفوا عَنّا طُولَ لَأْمَتِهِ، وَنَشَروا لَنَا سَلَامَهُ، وَسَتَروا عَنَّا حَرْبَهُ، وَرَفَعُوا لَنَا عُهُودَهُ، وَبَدَّعُوا سُنَّتَهُ، وَكَفَّرُوا أَحِبَّتَهُ، وهَجَرُوا عِتْرَتَهُ، وَوَصَلُوا عَدُوَّهُ، وَخَفَضُوا لَنَا جِهَادَهُ ، وَجِهَادُنَا وَحُرُوبُنَا بِجُيُوشِنَا النِّظَامِيَّةِ وَلَيْسَ بِطَوَائِفَ مَارِقَةٍ وَشَرَاذِمَ مُرْتَزَقَةٍ؛ مَزَّقَتِ الأَوَاصِرَ، وَاغْتَصَبَتِ الحَرَائِرَ، حَتَّى بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَظَنُّوا فِينَا نَحْنُ -السَّائِرِينَ عَلَى هَدْيِهِ- الظُّنُونَ، وَارْتَابَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ، وَغَرَّهُمْ مِنَّا مَا يَجْهَلُونَ، فَارْتَدَيْتُ لَأْمَةَ التَّصَوُّفِ، وَامْتَطَيْتُ صَهْوَةَ الشِّعْرِ، وَقَدَّرْتُ فِي سَرْدِ الكَلِمَاتِ، وَسَبَّحَتُ بِالحُرُوفِ، فَأَوَّبَتْ خَلْفِي القَوَافِي، وَغَرَّدَتِ الطُّيُورُ بِلَحْنِ التَّصَافِي، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ المُجَافِي .

لَأْمَةُ التَّصَوُّفِ هِيَ تَجْرِبَتِي الصَّوفِيَّةُ، وَمِلَّتِي الإِبْرَاهِيمِيَّةُ، وَمَحَجَّتِي النَّقِيَّةُ، وَعَقِيدَتِي الصَّفِيَّةُ، وَأُصُولِي المُضَرِيَّةُ، وَمكَارِمِي الخَـزْرَجِـيَّـةُ، وَمَـنَـاقِـبِـي الأنْـصَـــارِيَّةُ، وَبَرَاءَتِي العَائِشِيَّةُ، وَعِفَّتِي اليُوسُفِيَّةُ، وَطَهَارَتِي المَرْيَمِيَّةُ، وَأَوْزَانِي الخَلِيلِيَّةُ، وَمَشَارِبِي الرِّفَاعِيَّةُ، وَسِيَاحَاتِي القُبُورِيَّةُ، وَرُؤَايَ المُحَمَّدِيَّةُ-فِيهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا رَآهُ عَقْلُ المُوَحِّدِ البَدْرِيِّ؛ وَدَلِيلُهُ مَنْهَجُ الأزْهَرِ الوَسَطِيُّ، بَعْدَ تَنْقِيبٍ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَسِيَاحَةٍ فِي مُتُونِ الحَدِيثِ، وَتَنَقُّلٍ فِي أَسْفَارِ الفِقْهِ، وَطَوَافٍ حَوْلَ بُيُوتِ العِلْمِ وَالوِلَايَةِ فِي مَسْقَطِ رَأْسِي (أَبْوَانَ) بِمُحَافَظَةِ المِنْيَا؛ كَبَيْتِ سَيّدي الشَّيخِ شَحَاتَةَ مُحمد شحَاتَةَ، وَبَيْتِ سَيِّدي الشَّريف سَيّدي خَالد سَيّد علِي، وَبَيْتِ سَيِّدي الشَّيخِ المُربّي رَجَب داعُوس -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، وَتَعَمُّقٍ فِي نَتَائِجِ العِلْمِ الحَدِيثَ، وَغَوْصٍ فِي أُمَّهَاتِ الكُتُبِ، وَلَيْسَ في كُتَـيِّـبَاتٍ تُزَيِّفُ التُّرَاثَ، وَتُغَيِّبُ العُقُولَ سُطِرَتْ مِنْ مِدَادِ الغَازِ وَالنّفْطِ، بِكَفٍّ مَاسُونِيَّةِ، وَأَفْكَارٍ صهيُونِيَّةٍ، وَقَوَاعِدَ غَرْبِيَّةٍ.

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ النَّهْرَ إِلَى مَجْرَاهُ، والحَقَّ إِلَى مَسْرَاهُ، والمَحَجَّةَ إِلّى أَوَّلِهَا، والأُمَّةَ إِلَى وِحْدَتِهَا، فَلْيَلْبسٍ لَأْمَتِي، ويَتَسَجَّ بِبُرْدَتِي، وَيَسْتَشْرِفْ بِنَظْرَتِي؛ فَالخَطْرُ قَادِمٌ، والعَدُوُّ مُتَرَبِّصٌ، وَالسُّدُودُ تُقَامُ، وَالنَّارُ تُحْدِقُ، واللَّيْلُ يَطُولُ، والفَجْرُ يَنْتَظِرُ، وَالشَّمْسُ لَمْ تَأْفلْ، وَالسَّفِينَةُ مَا زَالَتْ تُبْحِرُ، والمَوْجُ كَالجِبَالِ، وَالبَحْرُ لُجِيٌّ، والمَرْسَى أَزْهَرِيٌّ، وَالهَرَمُ جُودِيٌّ، والقَرَارُ مِصْرِيٌّ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ.