ذكرى مذبحة بئر العبد ( صرخة مسجد الروضة… وجعٌ لا يندمل ودمٌ لا يجف )


بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي
إمام وخطيب ومدرس بدرجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة

في ذلك اليوم الأسود، يوم الجمعة الرابعة والعشرين من نوفمبر، تجمّعت أرواح طاهرة في مسجد الروضة بقرية الروضة بمدينة بئر العبد بشمال سيناء، أرواح جاءت لتسجد لربها، ولترفع أكفّها بالدعاء، لا تحمل إلا الطهر والإيمان، ولا تجيد سوى صلاة خاشعة تبعث السكينة في المكان. فجأة، ومن حيث لا يتوقع بشر، تقدم خفافيش الظلام، أولئك الذين لا يعرفون دينًا ولا ضميرًا، ليحوّلوا بيتًا من بيوت الله إلى مجزرة دامية، وإلى صفحة سوداء جديدة في سجل الإرهاب الأسود.

لم يكن بين هؤلاء المصلين سوى الشيوخ الذين يعتمر الشيب رؤوسهم، والآباء الذين تحمّلوا أوجاع الحياة ليعولوا أبناءهم، والشباب الذين يحلمون بغد أفضل، والأطفال الذين لم يعرفوا من الدنيا سوى البراءة والضحكة البسيطة. سقط الجميع ما بين شهيد وجريح، وتلطخت سجاد المسجد بدماء لم تكن لتراق لولا أن قلوبًا قاسية أعمتها الفتنة، وصدورًا سوداء ملأها الحقد على كل ما هو نور وعبادة وسلام.

بين الشهداء أسماء نقشت جدران الذاكرة في سيناء، منهم الحاج سالم أبو جرير، الرجل المعروف بالخير والسيرة الحسنة بين أهالي الروضة، ومنهم الشاب أحمد العيشاوي الذي كان يحمل المصحف في جيبه دائمًا؛ ومنهم الصغير محمد رزيق ذو السبع سنوات الذي خرج مع أبيه لأول مرة لأداء صلاة الجمعة فارتقى معها إلى رحمة ربه. ومنهم الحاج خميس النجار، والحاج حسين أبو طاحون، والعشرات من الرجال الأخيار الذين كانوا أعمدة البيوت وزينة القرية. كل اسم من هؤلاء هو قصة، وكل قصة هي حياة كاملة انطفأت في لحظة وتجمد عندها الزمن.

لقد كان هجوم مسجد الروضة صدمة تجاوزت حدود القرية الصغيرة، وامتدت إلى قلب كل مصري، وإلى كل قلب يعرف معنى الإنسانية. لقد رأى العالم أجمع وجوه الأبرياء المسجّاة على الأرض، ورأى الأمهات اللواتي جفّ الدمع في أعينهن، ورأى القرية التي كانت تنبض بالحياة تتحول إلى مأتم مفتوح. كيف يمكن لنفس بشرية أن تفعل هذا؟ وكيف يمكن لقلوب أن تُقدِم على قتل مصلين في حضرة الله؟ أي ظلام ذلك الذي يسكن صدور المجرمين؟

وما زال أهل الروضة حتى اليوم يحملون وجعًا لا يُنسى؛ البيوت التي فقدت أربابها، الأطفال الذين كبروا على صوت الفقد، النساء اللواتي استيقظن على صدمة الرحيل، والقرية التي ما زالت تشتمّ رائحة الدم كلما مرّت أمام المسجد. حتى الهواء نفسه هناك صار يشهد على جريمة لم يعرف التاريخ لها مثيلًا في بشاعتها.

وأمام هذا الألم العظيم، لم يجد أهل سيناء إلا الصبر، ولم تجد مصر إلا أن تلتف حول أبنائها، وأن تتحول الجريمة إلى عهد جديد بأن هذه الدماء لن تذهب هدرًا، وأن هذا الوطن مهما حاولت خفافيش الظلام أن تجرّه نحو الخوف، فإنه سيظل أقوى، وسيظل يواجه الظلام بالنور، والجبن بالشجاعة، والخيانة بالثبات والإيمان.

وفي النهاية يبقى وجع الروضة وجعًا لا يندمل، وجعًا يعيد إلى كل قلب أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وأن حرمة الدم أعظم من أن تُستهان بها. وتبقى أرواح الشهداء ترفرف حولنا، تقول لنا إن الظلام مهما طال، فلن يصمد أمام نور الصلاة، وإن صوت الرصاص مهما علا، فلن يغلب صوت “الله أكبر” الذي ظل يتردد في سماء الروضة حتى اللحظة الأخيرة. رحم الله شهداء مسجد الروضة، وجعل قبورهم نورًا وضياءً، وجمعنا بهم في مستقر رحمته، وجعل دماءهم لعنة تطارد كل من تلطخت يداه بهذه الجريمة البشعة. اللهم آمين.