اختطاف وطن


بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي
إمام وخطيب ومدرس بدرجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة

كانت سوريا يومًا ما قلب المشرق… وطنًا ممتدًّا برائحة الياسمين، وسماءٍ تحفظ ملامح التاريخ، وناسٍ يعرفون أن حضارتهم أقدم من كل الطغاة والعابرين. لكنها اليوم بلدٌ يئنّ من وجعه، وطنٌ تمزّق تحت أيادي كثيرة… بعضها جاء من الخارج، وبعضها خرج من بين ضلوعه ليطعنه في القلب بلا رحمة. لم تكن الحرب مجرد بنادق وصواريخ، بل كانت عملية اختطاف كاملة لوطن كامل… انتُزع من أهله، وبدل أن يُعاد إليهم، سُلِّم إلى أشدّ الجماعات تطرفًا، تلك التي تتغطى برايات مزيفة بينما تعمل تحت عباءة صهيونية أمريكية سوداء.

من بين هؤلاء الذين صعدوا على دماء السوريين كان أحمد حسين الشرع الملقّب بـ”أبو محمد الجولاني”، الرجل الذي بدأ رحلته بين تنظيمات العنف المسلح، متنقّلًا بين الجماعات الدموية، صاعدًا في السلم الأسود للوحشية حتى تحوّل إلى واحد من أبرز وجوه الإرهاب في المنطقة. ومع ذلك—وبكل مفارقات العصر—وجد هذا الرجل نفسه يومًا ما في موقع أشبه بـ”الرئيس الفعلي” لمناطق واسعة من سوريا، تحت رعاية وتفاهمات دولية وإقليمية، ليصبح مشهد البلاد أكثر وجعًا ممّا كان.

لقد تحولت سوريا إلى خريطة ممزقة. حدود محتلة، مدن تحت سيطرة ميليشيات، قرى اختفت تحت الركام، وملايين مشرّدين بين خيم البرد والغربة. وما كان من المفترض أن يكون ثورة ضد الظلم، تحوّل بفعل التدخلات الخارجية إلى حرب بالوكالة، يديرها اللاعبون الكبار بينما يدفع الشعب السوري وحده ثمن كل رصاصة.

لقد استغلّ الصهاينة والولايات المتحدة هذا التصدّع الكبير، فمدّوا أذرعهم في الشمال والشرق، ودعموا فصائل بعينها، وتركوا أخرى تتصارع، في لعبة قذرة عنوانها: “دَع الوطن ينهار… ودع الخريطة تُكتب بأيدينا”. وهكذا صار الجولاني وغيره أدواتٍ في يد مشروع أكبر منهم… مشروع لا يرى في سوريا شعبًا بل أرضًا يجب إعادة تشكيلها، وممرًا يجب السيطرة عليه، وورقة سياسية تُستخدم حين يريدون.

أصبحت سوريا أسيرة، كأنما تمّ اختطافها من التاريخ نفسه. صارت دمشق لا تشبه دمشق، وحلب تُبكي حتى الحجارة، والرقة وإدلب وحمص وحماة تحولت إلى أطلال تشهد على ما فعله من باعوا الوطن بدراهم معدودة أو بوعود فارغة من جهات لا تعرف الرحمة.

كم من طفلٍ كبر قبل أوانه؟
وكم من أمٍّ دفنت أبناءها وقد حُفر قلبها معها؟
وكم من أبٍ وقف عاجزًا أمام منزله المهدّم، يحمل مفتاحًا لا يفتح إلا الذاكرة؟
إنها مأساة وطنٍ بكامله… وطنٍ ليس مجرد جغرافيا، بل وجوه وأحلام ولهجة وصوت مؤذن كان يوقظ الصباح.

لقد كان أخطر ما حدث لسوريا ليس الحرب ذاتها، بل أن يتحول الإرهاب إلى سلطة، وأن تُدار أرضٌ عربية عريقة بقرارات تصنعها أجهزة استخبارات، وأن يُشرعن الخراب تحت غطاء تحالفات دخيلة. أصبح التطرف يُرفع شعارًا، والخيانة تُباع سياسة، والقتل يُمنح شرعية دولية طالما أنه يخدم مصالح القوى الكبرى.

وفي آخر هذا النفق الطويل الذي ابتلع سوريا، لا نجد سوى وجعٍ يمتدّ على امتداد الأرض، كأن ترابها نفسه صار يحفظ أسماء القتلى ويصرخ بها كل ليلة. إن ما حدث لم يكن مجرد حرب، بل كان عملية سلخٍ بطيئة لهوية وطنٍ عريق، وطنٍ كان ذات يوم مهد الحضارة، فإذا به اليوم يبحث عن نفسه بين الركام. تأمّل سوريا اليوم… ستجد أن كل حجر فيها يبكي، وكل شارع لم يعد يعرف المارة الذين كانوا يملأونه بالضحك، وكل مدينة تحولت إلى سجلٍّ كبير للغائبين. كأن البلاد فقدت صوتها، أصابها صمتٌ أقسى من الرصاص، وأشدّ وجعًا من الطعنات. حتى السماء السورية تغير لونها… كانت زرقاء تشبه قلوب ناسها، وصارت اليوم رمادية تختزن دخان سنوات طويلة من القصف والخيبة.

لقد عاش السوريون أعوامًا لا تحمل في أيامها إلا فاجعة جديدة. طفلٌ ينام في خيمة، يظن أن المطر موسيقى بينما هو ينخر عظام البرد. أمٌّ تنظر إلى صورة ابنها المفقود، تخاف أن تبكي كي لا ينهار ما تبقى فيها من قوة. أبٌ يحمل كسرة خبز، يعتذر لأولاده دون أن ينطق… فكل الكلمات خانته. عجوزٌ تجلس أمام بيتٍ لم يبق منه سوى بابٍ معلّق في الهواء، وتقول: “هنا كنا… وهنا ضاع كل شيء”.

ومع كل هذه الآلام، يبقى الجرح الأكبر هو هذا الشعور العميق بأن الوطن خُطف من بين أيدي أهله، وأن أرضه تُدار بأوامر غريبة، وأن من يتحدث باسم الشعب لا يشبه الشعب، ومن يرفع الرايات لا يعرف معنى الانتماء. الجولاني ومن قبله ومن بعده… مجرد وجوهٍ في سلسلة مرعبة من المتطرفين الذين جلسوا فوق آلام الناس، وتاجروا بالدين، وباعوا باحات المدن للصهاينة والأمريكان، ليكتبوا فصلًا جديدًا في قصة الخيانة.

يا سوريا… كم مرةٍ أردتِ أن تصرخي ولم يسمعك أحد؟ وكم مرةٍ حاول المخلصون إنقاذك، فوجدوا آلاف الأيدي تضغط على جرحك لتزيد نزفك؟ وكم مرةٍ وقف العالم يتفرج عليكِ وكأنك مجرد مشهدٍ في فيلمٍ لا يعنيه؟ ومع ذلك، ورغم كل شيء… ما زال فيكِ نبض. نبض خافت، لكنه موجود. نبض يأبى أن يموت.

فالأوطان الحقيقية لا تُمحى، ولا تُباع، ولا تُنسى، مهما تقدّم الخائنون، ومهما تعاظمت قوة المحتلين، ومهما سيطر المتطرفون على أجزاء منك. سيأتي يومٌ يعود فيه الضوء، وتستعيدين اسمك، وتنهض مدنك من تحت التراب مثل سنابل جديدة تخترق الأرض رغم الحجارة. سيأتي يومٌ يعود فيه السوري إلى منزله ولو كان مجرد حفرة، فيزرع أمامه وردة ويقول: “هذه لي… وهذه لبلدي الذي لم أتركه يومًا، حتى لو تركني العالم.”

وعندما يأتي ذلك اليوم—وهو آتٍ لا محالة—سوف تخجل كل الأيدي التي شاركت في اختطافك، وستسقط أقنعة كل الجماعات التي رفعت رايات سوداء بينما قلبها أسود منها. وسيهرب الجولاني وغيره، تمامًا كما يهرب الظلام حين تشرق شمس الحقيقة. سوريا اليوم تبكي… نعم. لكن دموعها ليست نهاية… بل بداية طريق طويل نحو الشفاء. طريق ربما يكون شاقًا، ربما يكون مليئًا بالثغرات، لكن نهايته واحدة: عودة الوطن إلى أهله. عودة الروح إلى الأرض. عودة سوريا… كما أرادها الله وكما أحبها أبناؤها: حرّة، شامخة، لا يحكمها مرتزقة ولا يطأها محتل، ولا يرفع عليها راية سوى راية أهلها الحقيقيين.