معجزة النوم وحاسة السمع

المقال التاسع والعشرون من سلسلة (الاعجاز الطبى في القرآن والسنة)

اعداد الاستاذ الدكتور/ عبد الحميد محمد صديق
استشارى الجراحة العامة

قال تعالى : ” وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظَا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ” .  الكهف : ۱۸ .

الروعة ما ورد في هذه السورة المباركة من معان كريمة ، والقرآن الكريم كله رائع – روى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوله الشريف: ” من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال “، وروى كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال”. رواه مسلم والنسائي وأبو داوود

من الدلالات العلمية للآية الكريمة:

أولاً: في قوله تعالى: ” وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظَا وَهُمْ رُقُود ” .. فقد أرقد الله تعالى أصحاب الكهف ثلاثمائة وتسعة من السنين القمرية ثم أيقظهم ليعلم الناس أن البعث حق وأن الساعة لا ريب فيها وأن الله تعالى على كل شيء قدير، ونحن نؤمن بهذه المعجزة لورودها في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولإيماننا بأن الله تعالى على كل شيء قدير، ولكن غير المسلمين الذين يقيسون قدرة الله تعالى بمقاييس البشر ينكرون المعجزات ويعتبرونها ضرباً من الخرافات، ولذلك أنكروا الواقعة بالكامل.

فعلى الرغم من وجود إشارات لها في كتبهم القديمة ولكن اكتشاف الكهف بالمواصفات نفسها التي حددها القرآن الكريم يثبت صحة الواقعة.

وإن كان الاستغراب من قبل الكفار والمشركين منطلقاً مـن نـوم الفتية لهذه المدة الطويلة من الزمن دون تحلل أجسادهم فإن العلماء قد تمكنوا مؤخراً من حفظ دماء الإنسان وأعداد من خلاياه وأعضاء جسده بواسطة عمليات التبريد لمدد طويلة ثم إعادتها إلى حالتها السليمة برفع درجة حرارتها تدريجياً دون أن يصيبها أي أذى وذلك في عملية تعرف باسم وقف الاستقلاب Metabolic Inhibition .

وفيها يتم وقف عمليات الهدم المدمرة للأنسجة وكذلك أمكن تبريد جسد إنسان كامل بالتدريج إلى حد التجمد فيصبح شبيها بالنائم أو الميت وبتدفئة هذا الجسد المتجمد بالتدريج أيضاً أمكن إعادته إلى حالته الطبيعية دون أدنى ضرر بخلاياه أو أنسجته أو بأعضاء جسمه.

وقد عاد إلى الحياة في زماننا عشرات من الآدميين الذين دفنوا تحت الجليد لعدة أيام وذلك بتدفئة أجسادهم تدفئة تدريجية وإذا كان هذا الأمر قد أصبح اليوم في مقدور الإنسان فهل يعجز رب العالمين عن تحقيقه بـ كن فيكون ؟!

ولو كان أهل الكهف قد ناموا نوماً طبيعياً لاحتاجوا إلى الماء والغذاء والى التخلص من فضلات ذلك، وإلى غيره من الأنشطة الحيوية ولكن الله تعالى قد أوقف جميع الوظائف الحيوية في أجسامهم بأمر منه وحفظ تلك الأجساد من التحلل على مدى ثلاثمائة من السنين الشمسية هو أمر معجز حقاً، وذلك لسلامة أجسادهم، وانفتاح أعينهم وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال فلا يشك الناظر إليهم في يقظتهم، ولذلك قال ربنا تبارك اسمه : ” وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظَا وَهُمْ رُقُود “.

ثانياً : وفي قوله تعالى: ” وَنُقَلِبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ” .

من الثابت علمياً أن الإنسان إذا لم يكن قادراً على تغيير وضعه في النوم أو في الجلوس، فإن ضغط وزن جسمه على التفرعات الدقيقة للأوعية الدموية التي تغذى الجلد بالدم وبما يحمله من المواد الغذائية والأكسجين يؤدى إلى إغلاق تلك الأوعية وإذا طالت الحال على ذلك فإن نسيج الجلد يموت وتتكون محله قرحة جلدية تسمى قرحة الفراش Bedsore أو قرحة الضغط  Pressure Ulcer.

وهذه القرح من الصعب اندمالها إذا أهمل علاجها والجروح التي تنتج عن تكوينها تصبح مؤلمة جداً في بعض الأحيان، وتؤدى إلى تدمير كل من الأنسجة والدهون والعضلات المحيطة بها، ويمكن أن تؤدى إلى وفاة المصاب إذا لم تتدارك بالعلاج في الحال، وذلك برفع الضغوط المسببة للقرحة وعودة دورة الدم إلى طبيعتها والتطهير المستمر للجروح الناتجة عن القرحة للحيلولة دون فرص التلوث وتكثر قرح الفراش فوق البروزات العظمية من مثل: العمود الفقري، والعصعص والحوض، والاكعاب والمرافق .. مما يضاعف من الضغوط المسببة لتهتك الأنسجة.

وتتركز خطورة قرح الفراش فى عمقها أكثر من اتساعها وتمر بالمراحل التي يمكن تلخيصها فيما يلى:

المرحلة الأولى :

وتبدو على هيئة حروق الشمس فيتلون الجلد باللون الأحمر أو البنفسجي ويبدو رقيقاً أو ملتهباً أو حساساً أكثر من اللازم، وقد يكون دافئاً اسفنجي الملمس أو جامداً وهذه الحروق سطحية وتشفى بمجرد إزالة الضغوط من عليها.

المرحلة الثانية :

وفيها يبدأ الجلد بالتمزق على هيئة التسلخات الجلدية المصاحبة بالورم والإفرازات المختلفة والقرحة هنا هي التهاب مفتوح لا يستغرق كل سمك طبقة الجلد، ولذلك يمكن تداركه بالعلاج السريع حتى يندمل.

المرحلة الثالثة:

وفيها تهترئ طبقة الجلد بالكامل وتدمر أنسجتها وتصبح القرحة عميقة ويصعب علاجها الذى قد يستغرق مدة طويلة لتحولها إلى مركز رئيسي للالتهابات المختلفة والتي قد تتسارع أخطارها إذا لم يتم تداركها في الحال لوقف الإصابة وانتشاها في الأنسجة المجاورة.

المرحلة الرابعة :

وفيها تخترق القرحة طبقة الجلد بالكاملة ليصل إلى كل من العضلات والأعضاء الموجودة أسفل منها والعظام والأربطة والمفاصل وقد تسود الأنسجة من حول هذه القرحة ولا يجدى فيها إلا الجراحة لإزالة الأنسجة المتحللة إن لم يكن قطع عضو من الأعضاء بالكامل.

وإذا لم يتم ذلك فإن الجرح الملتهب قد يهدد حياة المصاب بالموت إذا لم يعالج في الحال. وحتى بعد علاج قرح الفراش فإن أماكنها من الجلد لا تستعيد حيويتها بالكامل وتصبح نقاط ضعف قد يتكرر تكون القرح فيها إذا تعرضت لأسبابه

وفي هذه الحالة تكون المخاطر أكبر وإن ضغطاً على جسم الإنسان في حدود ٦٠ مم زئبق لفترة تتراوح بين ساعة وساعتين يمكن أن يؤدى إلى بداية تهتك الجلد وتكون قرحة الفراش، ويعين على تسارع تكون تلك القرح كل من عمليات التمزق والاحتكاك والرطوبة الزائدة والمهيجات الكيماوية .

ولذلك فإن تقلب النائم على جنبيه هو ضرورة لسلامته من قرح السرير وأقصى مدة لذلك يجب ألا تتعدى ساعتين من الزمن للراقد و ١٥ دقيقة للجالس المقعد في كرسيه.

من هنا جاءت ومضة الإعجاز في قول ربنا تبارك وتعالى: ” وَنُقَلِبُهُمْ ذَا الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ” . الكهف: ١٨ .

وذلك لحمايتهم من التقرحات الجلدية وآثارها، وللإيحاء إلى من ينظر إليهم بأنهم أحياء.

وهذه حقيقة لم تكن معروفة في زمن الوحى ولقرون طويلة من بعده ووردوها في كتاب الله الذى أنزل على نبي أمي .. في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل ألف وأربعمائة سنة بما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذى قطعه على ذاته العلية.