خطبة بعنوان ( كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلًا ) للدكتور محمد حسن داود


خطبة بعنوان ( كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلًا )

للدكتور محمد حسن داود
إمام وخطــيب ومدرس (دكتوراة في الفقه المقارن )

(30 جمادى الأولى 1447هـ – 21 نوفمبر2025م)

 العناصـــــر :

♦️ الإسلام والجمال.
♦️ من صور الجمال.
♦️ الاختلاف سنة إلهية وآية كونية.
♦️ من آداب الاختلاف.
♦️ أثر الالتزام بآداب الاختلاف وعواقب تجاوزها.
♦️ الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

🔷 الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأسبغ على عباده نعمه ظاهرة وباطنة، سبحانه، زين الكون بنور قدرته، وزين القلوب بنور هدايته، له الحمد كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أكمل الخلق خَلقا وخُلقا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

🔴 فإن الإسلام دين الجمال، يهذب النفوس فيظهر جمالها في عمل الجوارح، ويغرس في القلب معانى الحسن فتظهر على الملامح، اهتم بجمال القول والعمل، وجمال الظاهر والباطن، وإذا نظرت في القرآن الكريم، تجده وقد حكَى عن الجمال، ودعا إلى الجمال، ففي حديثه عن خلق الله (عز وجل)، يقول تعالى: (مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ) (الملك: 3)، فتأملوا السماء، وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) (الملك: 5)، وتأملوا الأرض، وقد قال جل وعلا: (حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) (يونس: 24)، وقال عز وجل: (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) (النمل: 60)، وتأملوا النبات والثمار، وقد قال عز وجل: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) (ق: 10)، وقال تعالى: (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) (الأنعام: 99)، وهو يشمل النظرين: نظر الاعتبار، والنظر إلى البهاء والجمال. بل تأملوا الأنعام والخيل والبغال، وقد قال تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل: 5- 6)، وقال سبحانه: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ) النحل .

بل تعالوا نتأمل الإنسان وقد قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: 4).

وما أعظم ما قاله سيدنا هِنْد بْن أَبِي هَالَة التَّمِيمِيّ في جمال سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسَلم)، إذ يقول: “كانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): “فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ”، فلقد جمع الله (سبحانه وتعالى) للحبيب النبي (صَلى الله عليه وسلم)، صفات الجمال والكمال البشري، ورضي الله عن سيدنا حسان بن ثابت، إذ يقول:

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني 🔹 🔹وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُـــــلِّ عَيبٍ 🔹 🔹كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشــاء

وعن صاحب البردة إذ يقول:

فَاقَ النَبِيّينَ فيِ خَلْقٍ وَفيِ خُلُقٍ 🔹 🔹وَلَمْ يُدَانُوهُ فــــــــــيِ عِلْمٍ وَلاَ كَرَمِ

وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُــــولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ 🔹 🔹غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ

🔷 🔷غير أن الناظر في العبادات يجد أنها تدعونا إلى الجمال بكل معانيه، ففي الصلاة يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: 45)

ويقول النبي (صلى الله عليه وسلمَ): “أَرأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِباب أَحَدِكم يغْتَسِلُ مِنْه كُلَّ يَوْمٍ خَمْس مرَّاتٍ، هلْ يبْقى مِنْ دَرَنِهِ شَيءٌ؟ قالُوا: لا يبْقَى مِنْ درنِهِ شَيْء، قَال: فذلكَ مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، يمْحُو اللَّه بهِنَّ الخطَايا” (متفقٌ عَلَيْهِ)،

وفي الزكاة تطهير النفوس من الرذائل وتنقيتها من الآفات؛ كالشُّح والبخل، وكذلك فوزها بالفضائل ومكارم الأخلاق، فقد قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: 103)، وفي الصيام يقول صلى الله عليه وسلمَ: “لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ” (رواه ابن خزيمة) وكذلك في الحج؛ حيث قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة: 197). وكفى في الجمال أن تتأمل قول الحبيب النبي صلى الله عليه وسلمَ: “إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ” (رواه مسلم).

🔴 إن من صور الجمال التي يجب أن يتحلى بها العبد في كل زمان ومكان:

جمال الظاهر: ومنه نظافة البدن، والملبس، والمسكن، والطرقات، وغير ذلك، فقد قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، وقال سبحانه: (وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ) (المدثر:4)، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (رضي الله عنه) عَنْ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ”.

جمال الباطن: ومنه الأعمال القلبية الزاكية؛ كالمحبة والرجاء والخوف والتوكل، كما أن من جمال القلوب طهارتها من الأمراض والأسقام؛ كالحقد والحسد والبغض، وغير ذلك، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ): “لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” (رواه البخاري) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (رضي الله عنهما)، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ”، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ، قَالَ:”هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ”(ابن ماجه).

جمال العقل: ذلك الجمال الذي لا يُرى بالعين، لكنه يرى في سلوك الإنسان وفكره وقراراته وأقواله وأفعاله، فيظهر في رجاحة الفكر، واستقامة الرأي، وحسن التدبير، وقد حدثنا سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عن أثر العقل وفضله على الأعمال فقال: “لَقَدْ سَبَقَ إِلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ أَقْوَامٌ مَا كَانُوا بِأَكْثَرِ النَّاسِ صَلَاةً وَلَا صِيَامَا وَلَا حَجَّا وَلَا اعْتِمَارَا، وَلَكِنَّهُمْ عَقَلُوا عَنِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) مَوَاعِظَهُ، فَوَجِلَتْ مِنْهُ قُلُوبُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ نفُوسُهم، وَخَشِعَتْ له ْجَوَارِحُهم” ولله در من قال:

وَأَفضَلُ قَسْمِ الله لِلمَرءِ عَقلُهُ 🔹 🔹 فَلَيسَ مِن الخَيراتِ شِيءٌ يُقارِبُه

إن من الجمال أيضا: أن يبتعد المرء عن الحرام والآثام ؛ فإن الحرام والآثام والمعاصي والذنوب تُفقِد المرء جماله وزينته وحُسنه، بينما في الحلال والحسنات الجمال والحسن والسعادة والسكينة، وقد قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) ( طه: 123- 124).

 جمال المعاملة: بالاحترام ومنه احترام الجوار؛ فذلك من القيم النبيلة الراقية، والأخلاق الكريمة الطيبة التي دعا إليها الإسلام وحث عليها، فالاحترام صفة أخلاقية حميدة وقيمة إنسانية نبيلة، وهو أساس التواصل والتعامل بين الناس، كما أنه دليل على الرقي والتحضر، يتصف به كبار الهمم، وعالي القمم، فالمرء لن يسع الناس بماله وأملاكه، وإنما يسعهم باحترامه لهم وأخلاقه، إذ يرفع مقامه بينهم ويعلي شأنه ويحبونه ويوقرونه لاحترامه لهم.

 جمال الأخلاق: ذلك الجمال الذي يظهر في أفعال المرء وتصرفاته، وفي تعامله مع الناس، وفي التزامه بالصدق والوفاء، والرحمة واللطف، وحسن الأدب مع الكبير والصغير، مع القريب والبعيد، فالأخلاق الحسنة ليست مجرد شعار يٌرفع وإنما هي انعكاس حقيقي لصفاء القلب وسمو النفس، وجمال الروح، فانظر ترى أمر الحق (سبحانه وتعالى) بالصبر الجميل، حيث قال: (فَاصْبِرْ صَبْرًا ‌جَمِيلًا) (المعارج: 5)، وأمره بالصفح الجميل، حيث قال: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ ‌الْجَمِيلَ) (الحجر: 85)، حتى في الهجر ذكر فيه الجمال، فقال: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا ‌جَمِيلًا) (المزمل: 10)، مما يدعونا إلى تحقيق الجمال في كل قول وعمل، وقد بيّن لنا حضرة النبي (صَلى الله عليه وسلم) مكانة الأخلاق الطيبة وفضلها، فقال: “إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا” (الترمذي).

جمال اللسان: ذلك الجمال الذي يظهر في كلام الإنسان، وفي حسن تعبيره، وفي صدقه، ولطفه، وحسن اختيار ألفاظه مع الناس، فاللسان الجميل يفتح القلوب قبل الأبواب، ويزرع المحبة، ويزيل الحقد، ويقوي أواصر الأخوة بين الناس، ومن ذلك أمرنا الله (عز وجل) بجمال الكلام، فقد قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: 83).

🔴 ولا شك أن جمال القلب، والأخلاق، واللسان يظهر عند الاختلاف، فقد قال يحيى بن معاذ (رحمه الله): “القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك بما في قلبه، حلو وحامض، وعذب وأجاج”، إذ اقتضت حكمة الله (سبحانه وتعالى) أن يخلق الناس مختلفين في الأشكال والألوان والألسنة، مختلفين في الطبائع والأفكار والفهم والمعرفة والبيان والاستدلال على حسب زوايا الرؤية ووجهات النظر، ولا شك أن هذا الاختلاف يترتب عليه لا محالة اختلافا في الحكم علي الأشياء والمواقف، لكن الشرع الحكيم جاء بضوابط وقواعد تضبط أمر هذا الاختلاف، فلا يتحول إلى تنازع، ولا يتبدل إلى عداوة، بل يكون وسيلة للتعاون والتماسك والترابط والنجاح.

🔺 إن من الاختلاف ما هو محمود وما هو مذموم؛ أما المذموم، فهو الاختلاف الذي يقود إلى الفرقة والتنازع، وتمزيق الوحدة، وعدم الاجتماع، وقد نهانا الله (عز وجل) عنه فقال: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: ٤٦)، أما المحمود، وهو اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، إذ تتعدد فيه الأقوال، وتتنوع فيه الآراء، ثم تلتقي في معين واحد، وتصب في نهر جار إلى غاية سامية، اختلاف يفتح أبواب النجاح، ويثمر ثمار التعاون والفلاح، لا يفسد للود قضية، ولا يقطع حبل الأخوة، بل تحفظ فيه الحقوق، وتصان فيه الأعراض، ولذلك لما صنف رجل كتابا فسماه “الاختلاف”، قال له الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه) لا تسمه “الاختلاف”، ولكن سمه “السعة”.

🔺ولا يخفى على الجميع اختلاف العلماء في مسائل كثيرة في فروع الدين، مع احترام متبادل فيما بينهم، وحب وتآلف، وود؛ لأن قلوبهم سليمة، ونفوسهم طاهرة، فلما صلى الإمام الشافعي (رضي الله عنه) الصبح في الكوفة بجوار قبر سيدنا الإمام أبي حنيفة (رضي الله عنه) لم يقنت، مع أنه يرى القنوت في صلاة الصبح، وبعدما سلم، قالوا له: أنسيت يا إمام؟! فقال: لا، ولكني احترمت قبر أبي حنيفة، كل الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.

🔴 إذن فللاختلاف آداب يجب أن تراعى، من أهمها:

👈 الكلمة الطيبة: فهي صالحة مثمرة نافعة بإذن الله، تؤلف بين القلوب وتقرب بين الناس وتنشر المودة والمحبة، لذا حث القرآن الكريم على التحلي بها، قال تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء: 53).

👈 طلب الحق، لا الانتصار للرأي: وانظر في ذلك إلى الإمام الشافعي (رضي الله عنه) حين يقول: “ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدًا إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه” (حلية الأولياء).

👈 إحسان الظن بالمخالف: فالأصل أن نظن ببعضنا خيرا، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات:١٢) وما أجمل قول الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه (رحمهما الله): “لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا”.

👈 عدم لمز الغير أو تحقيره والسخرية منه، أو الكذب عليه والتقول عليه بما لم يقله، فالنبي (صلى الله عليه وسلمَ) يقول: “بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ”. ولقد قيل: “إن المؤمن لسانه من وراء قلبه، إن تكلم بكلمة مرت على قلبه، فإن أنكرها؛ تورع عنها، وإن أقرها؛ تكلم بها، والمنافق عكس ذلك يسعى بالسوء ويحب الإساءة”، وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رضي الله عنهما)، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: “مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ” (رواه أبو داود،).

👈 الإنصاف من النفس، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: ٨)أي: لا يحملنكم الخلاف والعداوة التي بينكم وبين غيركم على ألا تعدلوا.

👈 التواضع: فقد قال حبيبنا (صَلى الله عليه وسلم): “وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ، إِلا رَفَعَهُ” (رواه مسلم).

👈 كظم الغيظ: فقد قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤)، وعَنْ مُعَاذٍ بن جبل (رضي الله عنه)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْتَصِرَ، دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي حُورِ الْعِينِ أَيَّتَهُنَّ شَاءَ” (أحمد).

👈 ومن آداب الاختلاف أيضا البعد عن كثرة المراء والجدال الذي لا طائل تحته ولا فائدة من ورائه: فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ، وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ”.

🔴 إن في الالتزام ومراعاة آداب الاختلاف وحدة الصف، ودوام الأخوة والمحبة والألفة، وصفاء القلوب، وحب الناس والفوز بمكانة القدوة الحسنة، وبجنة الرحمن (سبحانه وتعالى) فقد قال سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): “أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا”. بينما تجاوز آداب الاختلاف يصل بالناس إلى إيغار الصدور وزرع الخصومات، وتمزيقِ الكلمةِ، ومن ذلك يقول تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (الإسراء: ٥٣)، ويقول (عز وجل): (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: 34).

🔴 ولعل من أرقى ما قيل في أدب الاختلاف والتعامل الإنساني تلك العبارة المشهورة بين الناس: “الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”، الكثير لا يعلم من صاغ هذه العبارة، ولا كيف انتشرت لتصبح واحدة من أهم العبارات وأشهرها، لكن يكفي أن نعلم أنها تختزل معنى عظيما، إذ تدعو إلى سمو الأخلاق، واتساع الصدر لتقبل اختلاف وجهات النظر، دون أن يتحول التباين الفكري إلى سبب للعداوة أو القطيعة، فإن كانت الحكمة تقتضي أن يبقى الود والاحترام قائمين بين الناس رغم ما بينهم من اختلاف في الرأي، فإن هذا ما حثنا عليه الشرع الحكيم، وأمرنا به، وقد ضرب لنا الصحابة الكرام وسلفنا الصالح أروع الأمثلة في ذلك، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ” فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: “يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ” ثَلاَثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لاَ، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي” مَرَّتَيْنِ، فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا (رواه البخاري).. وكان الإمام أحمد (رضي الله عنه) يرى أن خروج الدم ينقض الوضوء، فقيل له أتصلى خلف رجل احتجم ولم يتوضأ؟، قال سبحان الله، كيف لا أصلي خلف مالك بن أنس وسعيد بن المسيب؟!.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، واصرف عنا سيئها، واحفظ مصر من كل مكروه وسوء، واجعلها اللهم أمنا أمانا سخاء رخاء يا رب العالمين