النونية المزعومة : وهمٌ تاريخي وحجّة ساقطة على الأشاعرة


بقلم : د. مصطفى القليوبي الشافعي

أستاذ الفقه وأصوله
وعضو مجمع فقهاء الشريعة بعمان ..
وعضو الاتحاد العالمي للفقه الشافعي بالهند

رد على خصوم الأشاعرة:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعدُ:

فإنّ أكثر من طعن في مذهب الأشاعرة من العلماء الأفاضل – مع جلالة قدرهم وسموِّ مكانتهم – إنما فعلوا ذلك عن غير درايةٍ بحقائق هذا المذهب، ولا إحاطةٍ بأصوله المحكمة. وحُسنُ الظنّ بهم يحفزنا إلى القول: إنهم إمّا مقلِّدون نَقَلوا ما سمعوا دون بحثٍ وتمحيص، أو أنهم لم يتصوروا حقيقة ما يقرره الأشاعرة في أبواب الاعتقاد. وأغلب الظنّ عندي أنّ الأول أرجح، إذ طالما نُسب إلى الأشاعرة ما هم منه براء، حتى اتفق الخصوم معهم في أصل المسألة ثم افترقوا في ألفاظ لا تغيّر الحكم!

وأحسب أنّ هؤلاء الطاعنين يلتقطون الشبهات من هنا وهناك، دون انتسابٍ واضح إلى مذهبٍ معتبر.

ومما استدلّوا به على الطعن في الأشاعرة «النونية» المنسوبة إلى القحطاني. والمتأمل فيها يشكّ في صحة نسبتها إليه؛ فمن المواضع التي تستدعي وقفةً وتأمّلًا هجاؤه لأبي العلاء المعرّي.

فمن هو أبو العلاء؟
ومتى ولد ومتى مات؟

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخي المعري، الشاعر الفيلسوف، المولود سنة 363هـ والمتوفى سنة 449هـ.

بينما القحطاني الأندلسي توفي سنة 373هـ. ومعنى هذا – إن صحت نسبتهم لنونيته – أنّ القحطاني كتب قصيدتين في الرد على أبي العلاء حين لم يكن الأخير قد تجاوز العاشرة من عمره على المشهور، أو الخامسة عشرة على رواية، أو العشرين على أبعد تقدير! وهذا ما لا يقبله عقل، ولا يقرّه تأريخ.

ثم إن كلامه في متقدّمي الأشاعرة غريب، إذ لم يكن تأويل الصفات شائعًا ولا معروفًا في عصرهم، وإنما الذي اشتهر عنهم هو التفويض.
فالإمام أبو الحسن الأشعري وُلد سنة 260هـ وتوفي سنة 324هـ، والقحطاني توفي – على أبعد الأقوال – سنة 383هـ، أي بعد وفاة الإمام الأشعري بتسعٍ وخمسين سنة فقط.

فهل كان هجاؤه موجَّهًا إلى الأشاعرة المفوِّضة؟

وهل يعقل أن يهجو التفويض عند الأشاعرة ولا يعترض على من فوض من الحنابلة؟!

ولِمَ لم يهاجم المفوِّضة على العموم؟

ولِمَ لم يتعرض للإمام أحمد بن حنبل – وقد ثبت عنه التفويض في رواية صحيحة – إذ قال:

> «نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى…»

وهذه رواية ثابتة، وقد نقلها الخلّال في «السنّة»، وصار عليها جمعٌ من الحنابلة كابن قدامة وغيره.

فالظاهر – بل الأقرب للتحقيق – أن النونية منسوبةٌ للقحطاني، وليست من نظمه، ولا عجب؛ فلم يُعثَر لأحدٍ على مخطوطةٍ تثبت نسبتها له، ولا ذكرٌ لها في تراجم القحطاني، ولا في دواوينه.

وقد قال علي الحلبي في تحقيقه لـ«الكافية الشافية» عند قول ابن القيم (شاعرنا):
في هامش الأصل: «هو القحطاني».

قال الحلبي: يريد صاحب النونية المشهورة، وقد بحثت له عن ترجمة فلم أجد!

فدلّ ذلك على أنها مجهولة الهوية، لا أصل لها في كتب التراث.

وقال الشيخ محمد صالح المنجد في «الإسلام سؤال وجواب» – بعد ذكر طبعاتها –:
إن جميع الطبعات خلت من أي ذكر لمخطوطاتٍ معتمدة، أو توثيقٍ علميّ يثبت نسبتها إلى ناظمها المزعوم، فهي قصيدة مجهولة النسب.

ومما يؤكد ضعف نسبتها للقحطاني أن القصيدة نفسها تقرر في غير موضعٍ مذهبَ الأشاعرة، وتنصره نصرةً صريحة، وإليك بعض ذلك:

 أولًا: نفيه الجسمية والتركيب عن الله تعالى

قال:
سبحان ربي عن صفات عباده
أو أن يكون مركَّبًا جسماني

وهذا نصٌّ صريح في نفي الجسمية، وهو قول الأشاعرة.

 ثانيًا: نفيه المكان عن الله

قال: لا تحصرُ الأوهامُ مبلغَ ذاتِه
ولا يحويه قُطرُ مكان

وهذا هو عين قول الأشاعرة، القائلين: لا يُقال «الله في مكان»، بل يُنزَّه عن ذلك.

 ثالثًا: نفيه الحركة والانتقال في مجيء الله وإتيانه

قال:

وهو المحيطُ بكلِّ شيءٍ علمُه
من غيرِ انتقالٍ ولا نسيان
والله يومئذٍ يجيءُ لعرضِنا
مع أنه في كلِّ وقتٍ دان
والله في القرآنِ أخبر أنه
يأتي من غيرِ تنقُّلٍ ولا تَدان

وهذا موافق لقول الأشاعرة بأن إتيانه تعالى ليس انتقالًا من حالٍ إلى حال.

 رابعًا: قوله بقدم القرآن، ونفي حدوثه

قال:

وكلامُه صفةٌ له وجلالُه
منه بلا أمدٍ ولا حَدَثان

وهذا هو قول الأشاعرة في أن كلام الله قديم غير مخلوق.

وبهذا يتبيّن — لمن أنصف وتجرّد — أن النونية المنسوبة إلى القحطاني لا تثبت سندًا ولا عقلًا، وأن ما فيها من نصوصٍ موافقة لمذهب الأشاعرة هو أقوى دليلٍ على بطلان نسبتها إليه، وأن الطعن في الأشاعرة بها طعنٌ بما لا يصح، ولا يقوم به حجة.

والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.