حرب المياه وبناء السدود
16 نوفمبر، 2025
أخبار العالم الإسلامى

إسرائيل وحلم إفريقيا الغالي (الجزء الرابع)
بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي
إمام وخطيب ومدرس على درجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة
في هذا الجزء الرابع من السلسلة نفتح ملفًّا من أخطر الملفات التي يستغل فيها الكيان الصهيوني ضعف بعض الدول الإفريقية وحاجتها إلى التطوير: ملف المياه والسدود، ذلك الباب الذي دخلت منه إسرائيل لتعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية في القارة، وتفرض نفسها لاعبًا رئيسيًا لا يُستغنى عنه، مستخدمةً المياه كسلاح استراتيجي يهدد استقرار شعوب بأكملها.
منذ عقود، أدركت إسرائيل أن القارة السمراء هي كنز المياه العذبة في العالم، وأن السيطرة على منابع الأنهار تعني السيطرة على مصير عشرات الدول، ولهذا تحركت بخطوات محسوبة، دعمًا هنا، وخبرات هناك، واتفاقيات في الظلام تُوقَّع دون أن يعلم عنها أحد. دخلت إلى دول حوض النيل، وتوغلت في شرق إفريقيا، وقدّمت نفسها كحليف تقني “منقذ”، بينما الهدف الحقيقي كان أبعد وأخطر: خلق نفوذ مائي يسمح لها بابتزاز الجميع، وإعادة رسم مسارات السياسة الإقليمية لصالحها.
قدمت تل أبيب خبراء في بناء السدود، وخططًا هندسية، وأنظمة مراقبة رقمية، ودعمًا ماليًا غير مباشر، وفتحت شركاتها مكاتبها في بعض دول المنبع، لتتحول شيئًا فشيئًا إلى طرف أساسي في أي نقاش يخص المياه. لم يكن اهتمامها بالتنمية، بل بإشعال صراعات جديدة، تُضعف دولًا وتُقوّي أخرى، وتبقي المنطقة مشدودة الأعصاب، حتى تبقى هي المستفيد الوحيد من هذا الارتباك.
لم تكتفِ إسرائيل بذلك، بل ربطت ملف المياه بملفات الطاقة، والريّ، والتخطيط الزراعي، وقدّمت مقترحات لخطوط كهرباء عابرة للحدود، ومشاريع كبرى يصعب على الدول الإفريقية تمويلها أو إدارتها دون الاعتماد الكامل على الشركات الصهيونية. وهكذا ترسخت فكرة أن أي مشروع مائي عملاق في إفريقيا لا بد أن يمر عبر البوابة الإسرائيلية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
لقد تحولت إسرائيل في إفريقيا من مجرد “شريك تقني” إلى لاعب استراتيجي يُحسب له ألف حساب، فما تقدمه من دعم ليس مجانيًا، وما تعرضه من خدمات ليس بريئًا، بل كل خطوة محسوبة على ميزان المصالح والهيمنة والضغط السياسي.
وهكذا، وبعد أن تكشّفت أمامنا ملامح هذا الوجه الجديد من التغلغل الصهيوني في إفريقيا، يتضح أن ما يجري ليس مجرد تعاون عابر أو دعم تقني يُقدَّم هنا أو هناك، بل هو صراع وجودي طويل الأمد يُعاد تشكيله بعيدًا عن الأنظار. لقد تحولت المياه والسدود، تلك التي كانت يومًا رمز الحياة والاستقرار، إلى أدوات سياسية خبيثة تستخدمها إسرائيل بحسابات دقيقة، تارة تحت شعار التنمية، وتارة تحت مسمى الخبرة الفنية، بينما الهدف الحقيقي هو الإمساك برقاب الشعوب الإفريقية من خلال الشريان الذي يمنحها الحياة.
إنّ هذا المشهد ليس وليد اللحظة ولا نتاج ظروف طارئة، بل هو جزء من سلسلة أوسع من المخططات الصهيونية التي تختار دائمًا المناطق الهشّة، فتتسلل إليها عبر ثغرات الحاجة الاقتصادية وضعف البنية التحتية وغياب التنسيق الإقليمي. وهكذا تصبح إفريقيا، رغم غناها الفادح بمواردها ومياهها، قارة يسهل التأثير على قرارها السياسي كلما احتاجت إلى قطرة ماء أو مشروع تنمية يحمل توقيعًا مشبوهًا.
تتسع دائرة الخطر يومًا بعد يوم، فالتغلغل لم يعد مقتصرًا على الأرض أو الزراعة أو الخبراء، بل بات يشمل مستقبل الأمن المائي والغذائي والطاقة في أكثر من نصف القارة. وحين ترتبط دول بأكملها بشبكات صهيونية تجعلها تعتمد على الخارج في أدوات الري، وأنظمة التحكم، وبناء السدود، وإدارة المياه، فإن هذا يعني أن القرار السيادي نفسه أصبح عرضة للابتزاز في أي وقت.
والمؤلم أن الكثير من هذه التحركات يجري بهدوء، بلا ضجيج إعلامي، وبلا إدراك حقيقي من الشعوب التي تدفع الثمن من حياتها اليومية. قرى تُغرق، وأراضٍ تجف، ومواسم زراعية تضيع، وخلافات تُفتعل بين الدول المتجاورة، بينما الأصابع التي حرّكت المشهد لا تظهر في الصورة، بل تكتفي بالوقوف في الخلف لترصد ارتباك الجميع وتحوّل هذا الارتباك إلى مكاسب سياسية واستراتيجية.
إنّ الصراع هنا لم يعد صراعًا على حدود أو قطعة أرض، بل أصبح صراعًا على موارد الوجود ذاته. ومن يملك الماء اليوم يملك الغد، ومن يتحكم في مصادر الحياة يتحكم في القرار والسياسة والاقتصاد والدفاع. وهذه هي المعادلة التي أدركتها إسرائيل مبكرًا، وبدأت تنسج خيوطها في قلب إفريقيا دون أن يلتفت العالم إلى ما يتم ترتيبه خلف الستار.
إنّ المستقبل سيشهد صراعًا أكبر إذا لم تستيقظ القارة الإفريقية وتفهم أن ما يخطط له الصهاينة اليوم لن يقف عند حدود مشروع أو سدّ أو خط مياه. بل سيمتدّ ليطال كل ما يتعلق بحياة الإنسان: زراعته، تجارته، أمنه القومي، وحتى قرارات حكوماته. وما لم تتوحد الجهود وتتكاتف الإرادات لحماية هذا المورد الاستراتيجي، فإنّ إفريقيا قد تجد نفسها يومًا أمام واقع أشد قسوة مما نراه الآن.
وستظل هذه السلسلة، جزءًا بعد الآخر، تكشف ما جرى وما يجري وما قد يجري، حتى تكتمل الصورة، ويعرف القارئ حجم هذا الخطر الذي يتحرك ببطء لكن بثبات، ويعيد رسم مستقبل القارة السمراء وفق أجندة لا تمت لأحلام شعوبها بصلة… إنها قصة صراع طويل، صراع بين من يريد نهضة إفريقيا، ومن يريد أن يختطف مستقبلها في غفلة من التاريخ.