
خطبة بعنوان «التعدي على الجار»
إعداد الشيخ/ أحمد عزت حسن
خطبة الجمعة من جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ الموافق ٢١ من نوفمبر ٢٠٢٥م
الموضوع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا”، وبعد.
سوف نتحدث عن حقٍ عظيمٍ من الحقوق التي ضاعت -مثل كثيرٍ من غيرها من الحقوق في زحمة الحياة المعاصرة- ألا وهو حق الجار، فالجار أقرب الناس نجْدهً لجاره، وأسرعهم إجابةً لندائه.
وقد عظم الله حق المسلم على المسلم، وحق الجار على جاره، وهذا الجار له من الحقوق الكثيرة والتي عرَّفها لنا الإسلام، وجهِلها كثير من الناس، وسيكون الحديث إن شاء الله حول
معنى الجار
أنواع الجيران
حقوق الجار.
فنقول وبالله التوفيق:
معنى الجار وحده:
الجار أو الجيران هم أقرب الناس سَكَنًا، وقد اختلف الفقهاء في حد الجوار، ومن هو الجار الذي له حق الجوار؟ إلى عِدَّة أقوال على النحو الآتي:
* ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ حد الجوار أربعون جارًا في كل اتجاه، واستدلوا بما رُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام قال: (حَقُّ الجارِ أربعونَ دَارًا هَكَذا وَهكَذا وَهكَذا وَهكَذا يَمينًا وشِمالًا وقُدَّامًا وخَلْفًا)
* وذهب المالكية إلى أن الجار: هو الجار المُلاصق من أي جهة من الجهات، أو هو الجار المُقابل له بحيث يكون بينهما شارعٌ ضيِّقٌ، على ألا يفصل بين الجوار فاصلٌ كبيرٌ،
* وذهب أبو حنيفة وزُفر إلى أنَّ الجار هو الجار المُلاصق في السكن، وحُجَّتهم في ذلك أنّ المُجاورة هي المُلاصقة الحقيقية.
* وبعضهم قال: إن العرف هو الذي يضبط قضية الجوار، وحملوا حديث الأربعين على التكرمة والاحترام، ككف الأذى، ودفع الضرر، والبشر في الوجه، والإهداء، ولا شك أن الملاصق أولى الناس بأن يطلق عليه اسم الجار.
أنواع الجيران:
لقد بين لنا القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ….} النساء:٣٦، فجمع سبحانه بين الأمر بعبادته والأمر بالإحسان إلى الجار مسلمًا كان أم كافرًا، قريبًا أم غريبًا، … {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} أي: الذي بينك وبينه قرابة،
والجار الجنب أي الغريب الذي لا قرابة بينك وبينه، وهذا قول أكثر المفسرين.
يقول الحافظ ابن حجر: “واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها، ثم أكثرها، وهلم جرًا”. فتح الباري ١٠ /٤٤١
فالجار الذي بينك وبينه قرابة حقه آكد من حق الجار الأجنبي، وحق الجار المسلم آكد من حق الجار الكافر، والملاصق حقه مقدم على حق البعيد،
وقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “قلت: “يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟” قال: «إلى أقربهما منك بابًا “.
أنواع الجيران
وقد دلت النصوص الشرعية على أن الجيران ليسوا على درجة واحدة بل هم ثلاثة أنواع:
* جار له حق واحد، وهو الجار الكافرله حق الجوار. وهو أقل الجيران حقوقًا.
* جار له حقان، وهو الجار المسلم. له حق الجوار، وحق الإسلام،
* جار له ثلاثة حقوق، وهو الجار المسلم القريب، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة. وهو أعظمهم حقًّا
فضل الإحسان إلى الجار:
للإحسان إلى الجار فضلٌ عظيمٌ في الشّريعة الإسلامية،
فقد أمر الإسلام بمُراعاة حقوق الجار بالإحسانِ إليه وعدم إيذائه، بل وجعله سببًا في دخولك الجنة
* قرَنَ الله تعالى الإحسان إلى الجار في القرآن الكريم بالأمر بعِبادة الله سبحانه وتعالى، وبالإحسان إلى الوالدين، كما في آية النساء
وقد حفلت السنة النبوية بنصوص كثيرة توصي بالجار، وتؤكد حقه، وتأمر بإكرامه والإحسان إليه، وتتوعد على إيذائه وعقوقه. والأحاديث في ذلك كثيرة ومنها:
١* وصية جبريل للرسول ﷺ بالجار، فقد كان جبريل -عليه السلام – يوصي النبي ﷺ بالجار؛ فيقول ﷺ:
“ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” متفق عليه.
وأخرج الإمام أحمد عن رجلٍ من الأنصار، قال: “خرجت مع أهلي أريد النبي -ﷺ- وإذا به قائم، وإذا رجل مقبل عليه، فظننت أن له حاجةً، فو الله لقد قام رسول الله -ﷺ- حتى جعلت أَرْثِي له من طول القيام، ثم انصرف، فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أَرْثِي لك من طول القيام،
قال: أتدري من هذا؟، قال: لا، قال: جبريل، ما زال يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه، أما إنك لو سلمت عليه، لرد عليك السلام” صحيح الترغيب والترهيب.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه ذبح شاة، فقال: “هل أهديتم منها لجارنا اليهودي”، ثلاث مرات، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» رواه أبو داود والترمذي، وحسنه،
ومعنى: يوصيني به، يعني بالاعتناء به، والاحتفاء بشأنه،
“حتى ظننت” يعني من شدة الإيصاء “أنه سيورثه”
فكاد أن يكون أسباب الميراث الورى أربعة: نكاح، وولاء، ونسب، وجوار،
٢* ونهى النبيُّ ﷺ عن إيذاء الجار وجعله من الأفعال التي تُعدُّ نقصًا في إيمان المسلم، فقال -عليه الصلاة والسلام: “واللَّه لا يؤمِنُ، واللَّه لا يؤمنُ، واللَّه لا يؤمنُ. قيلَ: ومن يا رسولَ اللَّه؟ قالَ: الَّذي لا يأمنُ جارُه بوائقَه”
وعن أبي شُريح العدوي -رضي الله عنه- أنّه قال: (سمِعَتْ أُذُنايَ، وأبصَرَتْ عَينايَ، حين تَكَلَّمَ النبيُّ ﷺ فقال: “مَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلْيُكرِمْ جارَهُ”
٣* وبيّن عليه الصلاة والسلام أن كمال الإيمان الواجب لا يتم إلا بأن يحب المسلم لجاره ما يحب لنفسه من الخير، وهو يستلزم كذلك أن يكره له ما يكره لنفسه من الشر. فقال ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه» رواه مسلم
ويقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» وفي رواية: «فليحسن إلى جاره» رواه البخاري ومسلم،
وهذا يدل على أن إكرام الجار، وطيب المعاملة له من شعب الإيمان، وسمات المؤمنين، وأن من لم يكرم جاره لم يتم إيمانه،
٤* بل جعل النبي -ﷺ- شهادة جارك هي الميزان أو المؤشر، الذي من خلاله تستطيع أن تعرف حقيقة نفسك، وهل أنت محسِن أم لا؟
وأيضًا من أراد أن يدخل الجنة، فليحسن إلى جاره:
فقد أخرج البيهقي “في شُعب الإيمان” من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: “أن رجلاً قال: يا رسول الله دُلَّني على عمل إذا عمِلت به، دخلت الجنة،
فقال: كن محسنًا، فقال: يا رسول الله، كيف أعلم أني محسن؟
قال: سل جيرانك، فإن قالوا: إنك محسن، فأنت محسن، أو قالوا: إنك مسيء، فأنت مسيء.
وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه – بسند صحيح – عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: “قال رجل للنبي – ﷺ-: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ قال: (إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت، فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: أسأت، فقد أسأت)؛
٥- الجار الصالح من أسباب سعادة المرء:
ولأجل ذلك، فإن من أسباب سعادة العبد أن يوفق بجار صالح يرعى له حرمته، ويعرف له حقه، ويراقب الله تعالى فيه. يقول النبي ﷺ: «ثلاث خصال من سعادة المرء: الجار الصالح، والمركب الهنيء، والمسكن الواسع» رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي
٦ – بل بين ﷺ أن خير الناس وأفضلهم هو خيرهم لجاره وصاحبه، فقال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (رواه الترمذي، وأحمد، والبخاري في “الأدب المفرد”)
وهذا الحديث المبارك ميزان نبوي عظيم يبين مقياس التفاضل بين الناس عند الله، وأن من كان خيِّرًا في معاملته لجيرانه وأصحابه وزملائه فهو دليل خيريته عند الله، وتوفيقه له، ومحبته إياه، بل هو دليل على أنه خير الناس عند الله، وذلك بشهادة رسول الله ﷺ
٧- وبين رسول الله -ﷺ- أن الإحسان إلى الجار دليل على صدق الإيمان، وشعبة من شعبه، وسبب من أسباب زيادته وقوته.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّم من يعمل بهن؟» فقال أبو هريرة: فقلت: “أنا يا رسول الله”. فأخذ بيدي فعد خمسًا، وقال: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس،
وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي)
٨- وقال ﷺ موصيًا أبا ذر: يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك” رواه مسلم،
وهذه الوصية من النبي ﷺ لأبي ذرٍ رضي الله عنه في مسألة طبخ المرقة، ما فيه لحم، ونحوه، المرق قد يحوي لحمًا، وقد يحوي أشياء أخرى، فالنبي ﷺ أوصى أبا ذر أن يكثر المرق إذا طبخ شيئًا بإدام، أو بشيء بمرقة، أن يكثر، ويرسل إلى جاره.
وتعاهد جيرانك وهذا الأمر للندب، وأكد عليه، أي: بالإحسان إليهم، وفعل البر معهم، بإشراكهم في الطعام الذي طبخته.
وقد جاء عند ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: إذا طبختم لحمًا؛ فأكثروا المرق؛ فإنه أوسع وأبلغ للجيران” رواه أحمد،
فهذا حث على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها.
وقد يتأذى الجار بقتار قدر جاره. وقتار القدر، ريح الطبخ، فقد يتأذى الجيران منه، فلا أقل من أن يعطوا مما شموا رائحته، أو تأذوا منه، أو وصل إليهم دخانه
وقال العلماء: “لما قال عليه السلام: «فأكثر ماءها» نبه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيهًا لطيفًا، وجعل الزيادة فيما ليس له ثمن وهو الماء، ولذلك لم يقل إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها؛ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد”
٩* وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يطبقون ذلك عمليًا، فكان جيرانه عليه الصلاة والسلام يهدون إليه،
١٠* وما أكرم جاره من بات شبعانًا تاخمًا، وبات جاره جائعًا طاويًا، وفي الحديث الصحيح: «ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع إلى جنبه»
وفي رواية: «ما آمن بي من بات شبعانًا، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به» رواه البخاري في الأدب المفرد،
ومعنى: لا يدخل الجنة يعني لا يدخل الجنة ناجيًا، يعني إلا يصيبه شيء من العذاب، أو لا يكون أول الداخلين، فهذا المسيء إلى جاره لا تتوقع أن يكون أول الداخلين، أو من أوائل الداخلين، أو أنه يدخل دون حساب ولا عذاب، فلا بد أن يصيبه شيء من جراء ما آذى جيرانه.
١١* ونظرًا لأن النساء كثيرات المكث في المنزل أكثر من الرجال، واحتكاك الجارة بجارتها أكثر من احتكاك الجار بجاره؛ حيث أن الرجال خروجهم من البيت أكثر من النساء، كان لا بد من وصية خاصة إلى الجارات ببعضهن البعض، وهذا حديث النبي -ﷺ-: “لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة” متفق عليه.
قال ابن حجر (فتح الباري ٥ /١٩٨. وذكر نحوه القرطبي في تفسيره: ٥ /١٨٦): “وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله لا إلى حقيقة الفرسن، لأنه لم تجر العادة بإهدائه، أي لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر وإن كان قليلًا فهو خير من العدم، وذكر الفرسن على سبيل المبالغة. “وهو كناية عن التحابب والتوادد، فكأنه قال: لتوادد الجارة جارتها بهدية ولو حقرت، فيتساوى في ذلك الغني والفقير، وخص النهي بالنساء، لأنهن موارد المودة والبغضاء، ولأنهن أسرع انفعالاً في كل منهما”.
١٢* أذية الجار من أسباب دخول النار كذلك فإنه -ﷺ- قد أخبر عن امرأةٍ: أنها من أهل النار، مع صلاتها وصدقتها وصيامها، لماذا؟ لأنها كانت تؤذي جيرانها، والحديث رواه أحمد والبزار وابن حبان والحاكم، وقال: “صحيح الإسناد”، ورواه ابن أبي شيبة، قال رجل: “يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها” باللسان قال: هي في النار قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط” الأثوار هي قطع، والأقط هو اللبن المجفف، وهو من الشيء الزهيد “ولا تؤذي جيرانها؟ قال: هي في الجنة [رواه أحمد: ، وابن ماجه ، والحاكم
فما نفع تلك كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها؛ لأنها تؤذي جيرانها، وهذه نفعها الإحسان، وعدم إيذاء الجار، فأخبر ﷺ أنها في الجنة. فهذه من الأدلة على خطورة هذا الموضوع، وأنه لا بد من الاهتمام به.
١٣* وقد أمر ﷺ بالاستعاذة من شره فقال: «استعيذوا بالله من شر جار المقام، فإن جار المسافر إذا شاء أن يزايل زايل» رواه النسائي وأحمد والبيهقي في السنن الكبرى، والحاكم،
قال أحدهم:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي
ولم يعلموا جارًا هناك ينغِّصُ
فقلت لهم كفوا الملام، فإنما
بجيرانها تغلو الديار وترخص
بهجة المجالس: ١ /٢٩١، والآداب الشرعية: ٢ /١٦
وقال بعضهم: “كدر العيش في ثلاث: الجار السوء، والولد العاق، والمرأة السيئة الخلق”،
وقد كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول» الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
حق ىالجار على الجار
للجار على جاره حقوقٌ كثيرةٌ، ومن هذه الحقوق ما يأتي ما جاء في الحديث الشريف الجامع لهذه الحقوق
“إذا استعانك فأعنه، وإذا استقرضك فأقرضه، وإذا افتقر عد إليه، وإذا مرض فعده، وإذا أصابه خير فهنئه، وإذا أصابته مصيبة فعزه، وإذا مات فاتبع جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرًا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده،.
أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط، ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان.
فقد قال تعالى ولم يزل قائلا عليما وآمرا حكيمًا تشريفًا لقدر المصطفى ﷺ وتعظيمًا “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”، فاللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين … وبعد:
أيها الإخوة المؤمنين،
١- احتمال أذى الجار:
وكذلك من حقوق الجار: ليس كف الأذى، وإنما احتمال الأذى، وأن تبتدئ معه بالخير، وأن تحذر من إتباع النظر إليه فيما يحمله إلى داره، وتحذر من الاستماع إلى كلامه ،
٢- عدم إزعاج الجار بالأصوات العالية وكذلك الحذر من إزعاجه بالأصوات.
٣* دعوة الجار إلى الخير: وكذلك فإن من حقوق الجار أيضًا: أن الإنسان يدعوه إلى الخير،
٤* تَفقُّد الجار وإطعامه إن جاع، فقد جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-أن رسول الله ﷺ-قال: (ما آمن بي من بات شبعانَ وجارُه جائعٌ إلى جنبِه وهو يعلم به
المُحافظة على عِرض الجار وعدم خيانته،
* مُشاركة الجار مناسباته، فيواسيه في المصيبة، ويُشاركه ويفرح معه في مناسباته السعيدة.
٥* حل مشاكل الجار وقضاء حوائجه إحسان الظن بالجار.
٦* كف الأذى عن الجار، فقد رُوي عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أنَّه قال: (لا يدخُلُ الجنَّةَ مَن لا يأمَنُ جارُه بوائِقَه)
وهناك نماذج أخرى من الإيذاء: كإلقاء القمامة والكناسة حول داره وأمام بابه. أو التضييق عليه عند الدخول أو الخروج .
٧ – نداء إلى الجار الذي يؤذي جاره:
ها قد علِمت الوعيد والتهديد لمن يؤذي جيرانه، كما أن الجنة محرمة على من يؤذي جيرانه، فتب إلى الله، ولتبدأ من جديد مع جيرانك، واستغفر الله على هذا الإثم العظيم والذنب الكبير، وأكثر من الصلاة والصوم والصدقة، فهذا تكفير لما سلف؛ فقد أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة، قال: قال رسول الله – ﷺ-: (فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تُكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي)، الحديث.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف