الطود الذي لا تهزّه الرياح .. إشراقة النور المحمدي في وجه سخريات الظلام
16 نوفمبر، 2025
مدرسة النبوة

بقلم الدكتور : مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر الشريف
في مفتتح القول يلزم أن نقرر حقيقة لا غبار عليها، وهي أن الزَّبَد الطافي لا يصدّ التيار، وأن الطحالب العائمة لا تعوق السفن الماخرة في لجج البحار، فكذلك دعوة الحق لا يوقفها عارض، ولا يحجب نورها حجاب؛ فمنذ أن صدع سيِّد الخلق ﷺ بأمر ربه، وأعلن كلمة التوحيد جهارًا نهارًا، وأمواجُ السخرية والاستهزاء تتلاطم من حوله، لكنّها لم تستطع أن تزحزحه عن موضعه، ولم تفتّ في عضده، ولم تُثنه عن تبليغ النور الذي ملأ كيانه، وانبثق من أعماق روحه.
وما أصدق المثل في أولئك الجاحدين؛ فإنّ السفيه إذا اعترض طريقك، وأطلق لسانه في عرضك بحدّةٍ وقُبح، لم يكن في الحقيقة يقصدك أنت بعينك، ولكنه يستجيب لما في دمه من نوازع الجنون، ويترجم ما في طينته من دواعى الخبال، وكذلك أولئك المشركون الذين ناوأوا النبي ﷺ، فإنّ جفاءهم وإنكارهم ليس طعنًا في شخصه، ولا انتقاصًا من خلقه، وإنما هو انسياق مع طبائع الجحود المستحكمة في نفوسهم، كما قال الحق سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].
منذ اللحظة التي جهر فيها الرسول ﷺ بالدعوة إلى الله، وواجه قومه بضلال ما ورثوه عن آبائهم، جُنَّ جنون المشركين، وأجمعوا أمرهم على حرب الإسلام وأهله، فأذاقوا الداخلين في دين الله صنوف العذاب وألوان النكال، كما تشهد بذلك صفحات التاريخ التي لا تخفى على ذي بصر، ولم يقف الأمر عند حدود الإيذاء البدني، بل صاحبته حرب شعواء من السخرية والاستهزاء، غايتها أن توهن عزائم المسلمين وتخذلهم عن سبيلهم، فرموا النبي ﷺ وصحابته بأقذع الألفاظ وأوضع التهم، وجعلوا يصورونهم في أعين الناس بالسحر والكذب والجنون، وألَّفوا المجالس وجلسوا فيها للتندر عليهم، على نحو ما تصنع الصحافة المغرضة في زماننا حين تتناول خصومها بالنكات اللاذعة والرسوم الساخرة لتشويه صورتهم في عيون الجماهير.
الإيذاء في حياته ﷺ ودفاع الله عنه
إن حملات التشويه والاستهزاء بشخص النبي ﷺ ليست من بنات اليوم، وإنما هي قديمة قدم الدعوة نفسها، فما إن أعلن ﷺ نبوته حتى انقلبت عليه الفئة الضالة التي كانت بالأمس القريب تلقبه بالصادق الأمين، فإذا بها اليوم تنعته بالساحر والكاهن والمجنون والكذاب، وتتهمه بأنه يفرّق بين المرء وأخيه، وبين الابن وأبيه.
وكشرت قريش عن أنيابها للنبي ﷺ، غير أن الله سبحانه وتعالى كان قد ربّاه على أمر عظيم، وهو أن لا يلتفت إلى ما يقولون، ولا يضيّع وقته في الردّ على سفاهاتهم، بل يمضي في طريقه غير عابئ بسهامهم، فإن الدفاع عن رسوله شأنٌ تكفّل الله به، لأن الاستهزاء برسوله إنما هو استهزاء بمن أرسله، والسخرية من شخصه إنما هي طعن في الرسالة ذاتها، وقد وعده ربه بنصرته ودفع كيدهم عنه فقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 94-95]، وقال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: 15-16].
وكان دور النبي ﷺ في هذه المرحلة أن يصبر على الأذى، ويثبت على البلاء، ويسير في طريق الدعوة غير ملتفتٍ إلى الوراء، حتى يبلغ رسالات ربه.
وقد حفظ لنا التاريخ مشاهد جليلة لدفاع الله عن نبيه ﷺ وتثبيته له ولأتباعه:
أولًا: حين صعد جبل الصفا ونادى قبائل قريش: “يا بني فلان، يا بني فلان…” حتى اجتمعوا حوله، فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟» قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قط، فقال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فصاح أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا؟! فكان الجواب من السماء دفاعًا عن رسوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 1-5].
ثانيًا: وحين سخر الأخنس بن شريق من النبي ﷺ ووصفه بالجنون، جاء الدفاع من الله في أروع صورة:
1ـ نفى عنه الجنون وأقسم بالقلم، رمز العلم والهداية، فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: 1-3].
2ـ ثم رفع قدره ﷺ وأثبت له علو المقام الأخلاقي فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، فإن الله خرق هذه القاعدة في حق نبيه، فمَن وصفه بصفة واحدة لا تليق، ردّ الله عليه بعشر صفات فاضحة: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 10-13].
بل فضحه الله في عقر داره، وكشف ستره، فوصفه بـ﴿زَنِيمٍ﴾ أي ولد زنا، جزاءً له على تطاوله على مقام النبوة.
وهكذا تمضي دعوة محمد ﷺ شامخةً كالطود الأشم، لا تزعزعها ألسنة السفهاء، ولا تضعفها مكائد الحاسدين، لأنّ الذي بعثه هو الذي يدافع عنه، والذي أرسله هو الذي يتولى أمره، وما السخرية منه إلا دليل عجز، وما الاستهزاء به إلا اعتراف ضمني بعظمة ما جاء به، وسيظل صوت الحق يعلو وإن كره المشركون.
ثالثًا: وما اكتفَتْ ألسنةُ أهلِ الشرك بما أطلقت من سهام السخرية ووصف الجنون، حتى نالت من القرآن الذي جاء به النبي ﷺ، فرموه تارةً بالشِّعر، وأخرى بالكهانة، وزعموا أنّ وراءه شيطانًا يُلقِّنه كما كان العربُ يزعمون لكلِّ شاعرٍ شيطانًا يُوحِي إليه، ولكنَّ الله جلَّ جلاله تولّى الردَّ على هذه الفرية ففضحها، وكشف زيفها في أساليبَ من البيان تَهدُّ الجبالَ الرواسي.
قال سبحانه مُسجِّلًا مقالتهم: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 36-37]، وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: 30-31].
ثم جاء البيان الفصل في دحض هذا الافتراء فقال سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69]، وقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: 41-42].
وروى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النضر بن الحارث ـ وكان من ألدِّ أعداء النبي ﷺ ـ قال لقومه: “يا معشر قريش، لقد نزل بكم أمرٌ ما ابتُليتم بمثله، لقد كان محمدٌ فيكم غلامًا حدَثًا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثًا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه وجاءكم بما جاءكم، قلتم: ساحر! لا والله ما هو بساحر، ولا بكاهن، ولا بشاعر، وقد رأينا هؤلاء وسمعنا كلامهم، فانظروا في شأنكم”.
ولم يكن وصفهم النبي ﷺ بالجنون أقلَّ إفكًا من رميه بالشعر، فقد عرض القرآنُ هذا البهتان في مواضعَ عدّة، ثم فنَّده بأساليبَ مختلفة، قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]، وقال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: 14]، وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: 25].
وهل يُعقل ـ وقد كانت قريش تحتكم إليه في أعقد الخصومات، وتستشيره في أدقِّ الأمور، وترى فيه الرأي السديد والنصح الرشيد ـ أن يكون مجنونًا؟! وكيف يُتَّهَم بالجنون من كان هو الفاصل الحكيم في حادثة الحجر الأسود، حين تنازعت القبائلُ شرفَ وضعه، فجعلوه الحكم بينهم؟ وكيف يُتَّهَم بالجنون من كانت تُودَع عنده الأمانات لما عُرف به من صدقٍ وأمانة؟!
من أجل ذلك جاء الردُّ الإلهي قاطعًا: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: 22]، ثم قال سبحانه منبِّهًا لهم إلى ضرورة إعمال الفكر والعقل: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184]، وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌۚ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: 70].
رابعًا: ولمّا هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وأقام دولة الإسلام، لم تسكُت ألسنة الاستهزاء، وإن تبدَّلت الوجوه وتنوَّعت الألسنة وتغيَّرت الأزمنة، فإن عداوة الحق تظلُّ واحدةً لا تتبدّل، فما إن ترك الرسول ﷺ مشركي مكة حتى واجه في المدينة أشدَّ الناس عداوةً: اليهودَ والمنافقين.
غير أنّ السماء كانت لهؤلاء بالمرصاد كما كانت في مكة؛ تُحبِط كيدهم وتفضح سرائرهم؛ ولهذا كان المنافقون يعيشون في وجلٍ دائمٍ من أن ينكشف مكرهم، وقد كان الله يُخرِج ما يخفونه في صدورهم ويُبدي ما كانوا يحذرون، قال تعالى مهدِّدًا إياهم: ﴿قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 64].
ومن أشهر وقائعهم ما كان في غزوة تبوك، حين قال أحد المنافقين ـ ساخرًا بالنبي ﷺ وأصحابه ـ: “ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء!”، فقال له عوف بن مالك: “كذبتَ، ولكنك منافق، لأُخبرنَّ رسول الله”، فأخبر النبيَّ ﷺ بذلك، فأعلمه جبريل بخبرهم قبل أن يصل إليه عوف، فجاء المنافق يتعلّق بنسعة ناقة النبي والحجارة تنكبُّ رجليه، وهو يقول: “إنما كنا نخوض ونلعب”، والنبي ﷺ لا يلتفت إليه، يردُّ عليهم بآياتٍ تُزلزل القلوب: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 65-66].
وهكذا ظلَّت سهام الاستهزاء تتوالى على رسول الله ﷺ، غير أن الله تعالى تولَّى الدفاع عنه، وردَّ عنه كيد أعدائه في كل زمان ومكان، فبقي وجهه مشرقًا بالنور، وذكره مرفوعًا في العالمين.
وهكذا تمضي سيرة المصطفى ﷺ كالنهر العذب في مجراه، لا تعوقه الصخور، ولا توقفه السدود، يحمل في طيّاته سرَّ الوجود وعبق الرحمة، ويُفيض على الإنسانية من أنواره ما يبدِّد ظلمات الجهل والعناد، فما كان استهزاء المستهزئين إلا زَبَدًا يذهب جفاءً، وما كانت سخرية الساخِرين إلا صفيرَ ريحٍ في وادٍ عميق، سرعان ما تخبو وتضمحلّ أمام ثبات الحق وسموِّ الرسالة.
لقد أراد أعداء النبي ﷺ أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يُتمّ نوره ولو كره الكافرون، وأرادوا أن يطمسوا ذكره، فإذا بربِّه يرفعه فوق الذكر كله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
فليعلم من أراد اليوم أن يسير في ركاب أولئك الساخرين أن السخرية لا تُطفئ شمسًا، وأن الغبار لا يحجب سماءً، وأن ذكر محمد ﷺ سيبقى نبراسًا تهتدي به القلوب، ما تعاقب الليل والنهار، وسيظلُّ محياه الطاهر منارًا يُضيء للعالمين طريق الحق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.