إيمان اللغة .. وإيمان الحقيقة


بقلم الأستاذ الدكتور : مجدي إبراهيم

أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف جامعة أسوان

ما دمنا نعتمد في بحثنا عن الحقيقة الإلهية على “الكلمات” باعتبارها “الأقوال” التي قيلت عن هذه “الحقيقة” لا الحقيقة ذاتها؛ فإنّ إيماننا بها لا يزيد على كونه إيمان “لغة” لا إيمان “حقيقة”، إيمان لفظي لا إيمان عيني .

ومن هنا؛ يخفق الذين يبحثون عن الله من خلال ما قيل عنه من أقوال، ويساورهم الشك دوماً في وجوده؛ لأنهم يعتمدون إيمان اللغة، وإيمان القول، وإيمان الكلمة مما توارثناه طيلة أجيال متعاقبة من تراث الفرق والمذاهب والنظريات والمباحث على اختلاف استخدامها؛ تعبيراً عن الحقيقة بالوجود اللفظي وكفى، وهو التعبير الذي لا يتسع لمطالب الحقيقة في ذاتها بمجرد المقول فقط، دون إصابة اللقاء المباشر والتحقق الفعلي .

وكل هذا كله؛ كلامٌ عائق يعزل الشعور عن الفكر، ولا يصوّر الحقيقة الإلهيّة ولا يمثلها ذوقاً في بؤرة الشعور. هو مجرد كلامٌ برَّانيٌّ عنها لكنه لا يمثلها ولا يحققها في نفس صاحبه .

نعم .. ربما يجريها لفظاً، ويصورها قولاً غير أنه لا يعمّقها في الباطن ولا يفعلها مطلقاً في قلوب المؤمنين. لكن إيمان الحقيقة شيء آخر يختلف عن إيمان اللغة، هو نفسه (أي إيمان الحقيقة) اللقاء المباشر بوجودها العيني والدخول فيها مباشرة بغير اعتماد فيها على قولٍ يُقال. ولم يكن الصمت عند أهل التزكية ركناً أساسياً من أركان القواطع إلا لاستقبال الحقيقة خالصة ومُجَرَّدة. وهذا هو إيمان الأولياء والعارفين : لقاءٌ مباشرٌ بالوجود العيني على التحقيق .