الاستعداد الصدري أقوى من الاستعداد السطري

بقلم الكاتب والباحث الدكتور عبد الكريم فتاح أمين

ربما ليس الاشتغال بتحصيل العلم وتحسين الكتابة والقراءة توصل الإنسان إلى ساحل الأمان والطمأنينة والاستقرار الروحي والقلبي، لأن التاريخ يدفعنا إلى أن نعثر على شخصيات عظيمة أصبحوا روادا وليس لهم العلم الظاهري والمعرفة بكيفية القراءة والكتابة، وعلمنا إلى أنهم زاهدون وعابدون ومخلصون لدين الله تعالى، تعلقوا بالله قلبا وقالبا إلى قطعوا مراتب الايمان والإحسان وكسروا شوكة النفس والشيطان، وصلوا إلى مرحلة قد يئس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء منهم ، وما وقفوا في الحالة بل صاروا إماما وشيخا ومرشدا روحياً وقلبيا لغيرهم 

بل ربما سلكوا على علماء أفاضل واكابر اللامة، على سبيل المثال أشير إلى الشيخ علي الخواص المصري رحمة الله عليه كان رجلاً اميا بكل المعنى من حيث الظاهر ولكن من حيث الباطن كان فوف كل المستويات المطلوبة ، إن هذا الكوكب المتلئلأ في سماء الولاية والفراسة عاش قرن التسعة الهجري، وبعض الكتاب قد حدد سنة وفاته بهذا التاريخ ( 949 هـ)

هو أحد أبرز أعلام التصوف الإسلامي في القرن العاشر الهجري، اشتهر بكونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولكنه يمتلك علماً لدنياً غزيراً. كان يعمل في صناعة المقاطف من الخوص بالقاهرة، وتتلمذ على يده الشيخ عبد الوهاب الشعراني الذي جمع أقواله في كتاب «درر الغوّاص في فتاوى سيدي علي الخواص»

فحضرة المرشد رحمة الله عليه تلقى الدروس المعنوية من الشيخ إبراهيم المتبولي بشكل أساسي وكذلك من الشيخ البركات رحمة الله عليه.

يكفي لفضله ان الإمام الشعراني تتلمذ على يديه، لأن الإمام الشعرانيا شهد على فضله الخاص والعام تتربى على يديه وتلقى العلوم المعنوية بطريقة كان محل إعجاب أهل اللب والمتنورين كما قد حكاه في كتاب ( الأنوار القدسية) بما يلي: (( وكانت مجاهدتي على يد شيخي كثيرة ومنوعة، منها أنه أمرني أول إجتماعي عليه ببيع جميع كتبي والتصدق بثمنها على الفقراء ففعلت ! وكانت كتباً نفيسة مما يساوي عادة ثمناً كثيراً فبعتها وتصدقت بثمنها، فصار عندي إلتفات إليها لكثرة تعبي فيها وكتابة الحواشي والتعليقات عليها، حتى صرت كأني سُلبت العلم، فقال لي : اعمل على قطع إلتفاتك إليها بكثرة ذكر الله عز وجل ، فإنهم قالوا : ملتفت لا يصل . فعملت على قطع الإلتفات إليها ، حتى خلصت بحمد الله من ذلك .

ثم أمرني بالعزلة عن الناس مدة حتى صفا وقتي ، وكنت أهرب من الناس وأرى نفسي خيراً منهم ، فقال لي: أعمل على قطع أنك خير منهم فجاهدت نفسي حتى صرت أرى أرذلهم خيرا مني .

ثم أمرني بالإختلاط بهم والصبر على أذاهم وعدم مقابلتهم بالمثل، فعملت على ذلك حتى قطعته، فرأتي نفسي حينئذ أنني صرت أفضل مقاماً منهم ، فقال لي : أعمل على قطع ذلك ، فعملت على قطعته.
ثم أمرنى بالإشتغال بذكر الله سراً وعلانية، والإنقطاع بالكلية إليه، وكل خاطر خطر لي مما سوى الله عز وجل صرفته عن خاطري فوراً ومكثت على ذلك عدة أشهر .

وله أقوال مفيدة ومؤثرة رحمة الله عليه سنشير إليها على سبيل الإختصار فيما بعيد:
١- إياك والفرار من حال أقامك الله فيه، فإن الخيرة فيما اختاره الله تعالى لك.
٢- النفس تنفر من الموت لأنه يلحقها بالعدم.
٣- إذا سُئل أحدكم عن شيخه فليقل كنت خادمه، ولا يقل كنت صاحبه، فإن مقام الصحبة عزيز.
وكذلك له كرامات عديدة وغزيرة فالمقام لا يسعنا إلى سرد معظمها ولذا نذكر واحدة منها، ولكن فهذه الكرامة تنوب منام كرامات عظيمة:

 إن الإمام الشيخ عبد الوهاب الشعرانى رحمة الله عليه كان دائم الجلوس مع الشيخ علي الخواص، وكان الفقيه المحدث ابن حجر رحمة الله عليه عالما كبيرا في هذا الوقت وكان كثيراً ما يمر على السيد عبد الوهاب الشعراني فيجده جالساً بجانب سيدي علي الخواص وكلما رأه كان يلومه ويعنفه بالكلام ويقول له :أنت يا شعراني عالم جليل فكيف تجلس بجانب هذا الدرويش الأمي ؟

وعندما كرر عليه هذا القول أكثر من مرة قال له الإمام الشعراني : يا مولانا إن الشيخ علي الخواص ولي من الأولياء وأفخر بأنني تلميذ له ولكن الامام ابن حجر لم يقتنع بحديثه وقال للشعرانى : إن هذا الرجل وأمثاله إنما يدعون الزهد ولا علم لهم فكيف يستطيعون إصلاح الناس؟

ومرت الأيام وبعث رجل بورقة إلى الإمام ابن حجر يستفتيه في أمر من أمور الدين ، وقد حار ابن حجر في إيجاد حل لهذه المسألة ولكن لم يجد جوابه في الكتب عاش معها سنين عديدة فهداه تفكيره إلى أن يذهب إلى الإمام الشعراني ليكون رسوله في حل هذه المسألة العويصة إلى الشيخ علي الخواص فقال في نفسه: إن كان ولياً من أولياء الله لم تعجزه مثل هذه المسألة .

وعندما التقى السيد المحدث ابن حجر(٢) بالسيد عبدالوهاب الشعراني رحمهما الله قال له : يا شعراني يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ولو اتخذه لعلمه )(١) فإن كان شيخك الخواص ولياً فإنه يكون عالماً ولذلك أريد منك أن تسأله بأن يفتيني بهذه المسألة وأعطاه الورقة التي بعث بها الرجل .

وعندما أخذها الإمام الشعراني قال في نفسه :كيف أتصرف وسيدي علي الخواص لا يعرف القراءة والكتابة ؟ ..
ثم هداه تفكيره إلى أن يذهب إلى دار الكتب ليطالع فيها الكتب التي تختص بهذه المسائل على أن يجد حلاً لهذه المسألة .

وأثناء ذهابه إلى دار الكتب إذا به يقابل سيدي علي الخواص فقال له إلى أين يا شعراني ؟
فقال له : إني ذاهب إلى مكان قريب من هنا ..
فقال له الخواص : هيا معي إلى البيت أولاً

وذهب معه الشعراني وبعد أن جلسا سويا فترة من الوقت أراد الإمام الشعرانى أن يستأذن منه ليذهب إلى دار الكتب قبل أن تغلق أبوابها التي عزم على أن ينسب حلها إلى سيده الخواص حتى لا يوقعه في حرج مع ابن حجر .

ولكن سيدي علي الخواص فاجأه بقوله : فالتعرض المسألة التي في جيبك في صباح الغد على أول من تقابله فلديه الفتوى الصحيحة .

فدهش الشعراني وشعر بالخجل ثم انصرف وقضى ليلته مفكراً فيمن سيقابله في الصباح ..
وفي الصباح مشي في حارة تسمى حارة اليهود فوجد رجلاً مبيضاً للنحاس ينادي قائلاً : نبيض النحاس نبيض النحاس فلم يطرأ على ذهنه أن هذا الشخص هو الذي سوف يفتيه في مسألته .. ومشي ولكنه لم يجد أحداً فقال لنفسه : لم لا أخذ بقول شيخي ؟..فرجع إلى مبيض النحاس فألقى عليه السلام ، وقال له : ما اسمك ؟

قال : كوهين .. فقال الشعرانى في نفسه يا لحيرتي .. وتردد في الأمر ولكن الرجل قاطع تردده بقوله : أين الورقة التي بها المسألة حتى أكتب لك فتواها هيا أسرع فإنني مشغول ..

فدهش الشعراني فأعطى له الورقة فكتب فيها الفتوى ثم كتب في النهاية (( ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ولو اتخذه لعلمه)) يا جحش زينب ..

فقرأ الشعرانى الورقة ولكنه لم يبد رأياً فأسرع ليعطيها للإمام ابن حجر وعندما أخذها ابن حجر ذهل وقال له : يا شعراني شيخك هذا ولي من أصحاب التنوير ولتكن أنت شفيعي لديه فسأله الشعرانى : ماذا في الأمر ؟..

قال له : أن زوجتي الأولى ماتت وتزوجت بفتاة من قريتنا واسمها زينب وقد أمرتها بألا تخرج خارج البيت وعندما رجعت من الأزهر وجدتها واقفة بجانب السلم تتألم فسألتها عن سبب ألمها فقالت أن قدمها قد عثرت ولا تقوى على السير عليها وطلبت مني أن أحملها على ظهري لأصعد بها السلم فحملتها على ظهري ، هذا كل ما حدث بالأمس ولم يعرف مخلوق ما دار بيني وبين زوجتي ..

فذهب الشعراني إلى سيدي الخواص واستسمحه في أمر ابن حجر 

فقال سيدي علي الخواص : يا شعراني اذهب لابن حجر واخبره بأنني لن أسامحه إلا إذا أتى إلي حافي القدمين حاسر الرأس ملقياً بجبينه ..

وعندما أخبر إبن حجر بذلك قبل وفطن إلى أن هذا الطلب إنما يراد به محو كبريائه وعظمته إذ العظمة لله وحده وليست بعلم أو جاه أو سلطان

فما كان منه إلا أن ذهب إليه كما طلب ثم قبل يديه فقبل سيدي علي الخواص منه وعفا عنه ثم كافأه بأن منحه من الإوراد ما جعله يكتب عن شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن يكتب كتاباً أخر عن أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم الباطنة ..

فاخذت الغيرة سيدي الشعراني وقال لسيدي علي الخواص : ألست أحق من ابن حجر بهذا العطاء ؟

ألست تلميذك منذ سنتين ؟

فقال له سيدي على الخواص : يا شعراني لقد ألفت أنت كتباً كثيرة وكتبك هذه هي التي تحجبك عنا ..

ونحن نريدك خالياً صافياً

وعندما تكون كذلك نملؤك بأنوارنا ..

فقال الشعراني : وما العمل إذن ؟

قال : له أن تذهب وتحرق هذه الكتب ..

فاستجاب له وأحرق الكتب إلا كتابين ..

وعندما رجع إليه قال له سيدي علي الخواص : هل أحرقت الكتب ؟

قال الشعراني : نعم إلا كتابين اجتهدت كثيراً في تأليفهما .. فقال : فلتذهب وتحرقها..

فاستجاب الإمام الشعرانى وقام بحرقها ثم أعطى سيدي الخواص إلى سيدى الشعراني أوراداً وقال له : اقرأها

وبعد قراءتها رأى في رؤياه أنه في بحر والرسول صلى الله عليه وسلم يسقيه بيده فاستيقظ من نومه فرحاً مسروراً وأسرع ليحكي رؤياه لشيخه الخواص

فوجده جالساً مع بعض المريدين فجلس بجانبهم لعل الفرصة تتاح له فيخبر الشيخ بخبر الرؤيا .. ولكن الشيخ عاجله وقال له أثناء حديثه مع المريدين : أسقوك يا شعراني ؟..

قال : نعم ..

قال له : إذن فاذهب واكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصالحين من أمته

فكتب كتابيه : الطبقات الكبرى والطبقات الصغرى يتحدث فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الأولياء من سيدنا أبي بكر إلى الأولياء في زمنه .

…………..

(١) صيغة باب التفعيل للتعدية

وقد بحثنا عما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعثرنا على ذلك المقال: يقول المحدث العجلوني رحمه الله تعالى في كشف الخفا: (( قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ليس بثابت ولكن معناه صحيح والمراد بقوله ولو اتخذه لعلمه لو أراد اتخاذه ولياً لعلّمه ثم اتخذه وليا.

وقال العلامة ابن حجر المكي رحمه الله تعالى في فتاواه معنى قولهم: إن الله تعالى يفيض على أوليائه الذين أتقنوا الأحكام الظاهرة والأعمال الخالصة من مواقع الإلهام والتوفيق والأحوال والتحقيق ما يفوقون به على من عداهم فمن ثبتت له الولاية ثبتت له تلك العلوم والمعارف

فما اتخذ الله وليا جاهلاً بذلك، ولو فرض أنه اتخذه أي أهّله إلى أن يصير من أوليائه لَعَلّمه. أي لألهمه من المعارف ما يلحقه به غيره.

(٢) تنبيه: إن الإمام إبن حجر العسقلاني – رحمة الله عليه – مات في عام (٨٥٢) الهجري ومن جانب آخر: مات الشيخ علي الخواص المصري في عام (٩٣٩) الهجري، وبهذا التقييم بين فوت المحدث والشيخ (٨١)عاما، ولهذا يصعب اللقاء بينهما بأن يستفيد أحدهما من الاخر بأن الشيخ علي الخواص مرشداً روحياً للامام إبن حجر العسقلاني رحمة الله عليهما ، ولكن يمكن اللقاء بين الشيخ علي الخواص وبين الفقيه ابن حجر الهيتمي، هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، (909 هـ – 973 هـ) لأنهما عاشا في زمن ومكان واحد، ولهذا البحث والتقييم يمكن حمل القصة التي أشرنا إليها من أعلى الصفحة على ابن حجر الهيتمي لا العسقلاني ، وبعض من اعلام أهل التصوف ذكروا القصة في كتبهم.