أَسْرَارُ القَبُولِ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ: كَيْفَ تَكُونُ مَحْبُوبًا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟

بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشْنِيِّ

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي غَمَرَ قُلُوبَ عِبَادِهِ بِمَحَبَّتِهِ، وَجَعَلَ لِأَوْلِيَائِهِ قَبُولًا فِي أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المُنْعِمُ بِتَوْفِيقِهِ عَلَى مَنْ أَحَبَّ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المَحْبُوبِينَ وَإِمَامِ المُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَصَحَابَتِهِ المَيَامِينِ، وَبَعْدُ؛

أَيُّهَا السَّادَةُ الكِرَامُ.. هَلْ تَأَمَّلْتُمْ يَوْمًا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ اسْمُكَ مَذْكُورًا فِي السَّمَاءِ؟ لَيْسَ فِي سِجِلَّاتِ البَشَرِ الفَانِيَةِ، بَلْ فِي مَحْفِلِ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. إِنَّ أَعْظَمَ جَائِزَةٍ يَنَالُهَا المَرْءُ فِي رِحْلَتِهِ هِيَ “الوِدُّ” الإِلَهِيُّ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ لِيَسْتَقِرَّ فِي قُلُوبِ الخَلْقِ.

المِيزَانُ النَّبَوِيُّ لِمَحَبَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ :

يَضَعُ لَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ المَشْهَدَ المَهِيْبَ لِهَذِهِ المَحَبَّةِ فَيَقُولُ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ».

كَيْفَ يُحِبُّكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ؟

إِنَّ مَحَبَّةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَتْ أَمَانِيَّ تُنَالُ بِالتَّمَنِّي، بَلْ هِيَ مَسْلَكٌ وَحَالٌ. وَالطَّرِيقُ إِلَيْهَا يَمُرُّ عَبْرَ:

١. اتِّبَاعِ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ: فَلَا مَحَبَّةَ دُونَ إِتِّبَاعِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}.

٢. خَبِيئَةِ الصَّالِحَاتِ: أَنْ تَسْتُرَ عَمَلَكَ عَنِ البَشَرِ لِيُظْهِرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَحَبَّتَكَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ.

 ٣. تَقْدِيمِ أَمْرِ اللهِ: أَنْ تُؤْثِرَ رِضَا اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى هَوَاكَ فِي لَحَظَاتِ الِاخْتِبَارِ.

وَكَيْفَ تَعْلَمُ هَذَا الحُبَّ؟

إِنَّ لِحُبِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَى العَبْدِ، مِنْهَا:

١. تَيْسِيرُ الطَّاعَةِ: أَنْ تَجِدَ نَفْسَكَ مَسُوقًا لِلخَيْرِ بِدُونِ عَنَاءٍ.

٢. القَبُولُ فِي الأَرْضِ: حِينَ تَجِدُ مَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الصَّالِحِينَ لَكَ دُونَ سَابِقِ مَعْرِفَةٍ، فَهَذَا صَدَى نِدَاءِ سَيِّدِنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

٣. الِابْتِلَاءُ بِالرِّضَا: فَمَنْ أَحَبَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ صَفَّاهُ وَهَذَّبَهُ بِالمِحَنِ لِيَرْفَعَ دَرَجَتَهُ.

قِصَصٌ مِنَ الوَاقِعِ وَالتَّارِيخِ عَنْ “سِرِّ القَبُولِ”

  1. قِصَّةُ سَيِّدِنَا أُوَيْسٍ القَرَنِيِّ (مَلِكُ السَّمَاءِ):

يُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ يَبْحَثُ فِي وُفُودِ اليَمَنِ عَنْ رَجُلٍ صِفَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَلَمَّا وَجَدَهُ قَالَ لَهُ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَانَ بِكَ بَرَصٌ فَطِبْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ أَنْتَ بِهَا بَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ: سَمِعْتُ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ… لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ». لَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا أُوَيْسٌ مَجْهُولًا فِي الأَرْضِ، لَكِنَّهُ كَانَ نَجْمًا سَاطِعًا فِي السَّمَاءِ بِسَبَبِ بِرِّهِ وَخَفَاءِ حَالِهِ مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

  1. قِصَّةُ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (جِرَابُ الدَّقِيقِ):

كَانَ سَيِّدُنَا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ -زَيْنُ العَابِدِينَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، يَحْمِلُ جِرَابَ الخُبْزِ عَلَى ظَهْرِهِ بِاللَّيْلِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ. فَلَمَّا مَاتَ وَغَسَّلُوهُ، جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى آثَارٍ سَوْدَاءَ بِظَهْرِهِ مِنْ طُولِ حَمْلِ الأَثْقَالِ لِلْفُقَرَاءِ. لَقَدْ عَاشَ لِلَّهِ بِالخَفَاءِ، فَأَظْهَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالنُّورِ وَالبَهَاءِ بَعْدَ رَحِيلِهِ.

  1. قِصَّةُ “الحِيلَةِ الذَّكِيَّةِ” لِحِفْظِ الكَرَامَةِ:

يُرْوَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ أَرَادَ مُسَاعَدَةَ أَرْمَلَةٍ تَعِفُّ عَنِ السُّؤَالِ. فَطَرَقَ بَابَهَا وَقَالَ: “يَا سَيِّدَتِي، لَقَدْ مَرَّ بِي رَجُلٌ كَانَ مَدْيُونًا لِزَوْجِكِ الرَّاحِلِ بِمَبْلَغٍ كَبِيرٍ، وَقَدْ تَابَ وَأَعْطَانِي المَالَ لِأُوصِلَهُ لَكِ”. فَبَكَتِ المَرْأَةُ وَقَبِلَتِ المَالَ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا المُحْسِنَ “اخْتَرَعَ” هَذِهِ القِصَّةَ لِيَحْمِيَ كِبْرِيَاءَهَا. هَذَا هُوَ “الرَّجُلُ الَّذِي تُخْفِي شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ”، وَهَذَا هُوَ مَنْ يُنَادِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ جِبْرِيلَ بِمَحَبَّتِهِ.

خِتَامًا:

يَا مُرِيدَ الوُصُولِ، اجْعَلْ هَمَّكَ أَنْ يَعْرِفَكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ يَجْهَلَكَ مَنْ فِي الأَرْضِ. فَالحَيَاةُ الحَقِيقِيَّةُ تَبْدَأُ حِينَ يُنَادِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِاسْمِكَ: “إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا”.

وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ، وَبِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ