حصاد المعركة
11 أبريل، 2026
بستان النبوة

المقال الثانى عشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
كان لنصر الله سبحانه وتعالى آثاراً عظيمة منها :
1- حقق الله النصر العظيم الباهر للقلة المؤمنة على الكثرة الكافرة المستكبرة، وقتل في هذه المعركة صناديد قريش.
2 – كان حصاد قتلى المشركين سبعين رجلاً، وأسر منهم سبعون أسيرًا.
3 – واستشهد من المسلمين فيها أربعةَ عشَرَ رجلاً: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.
4 – وفر مَن فرَّ من المشركين مذعورين خائفين؛ حيث وجدوا مفرًّا، لا يلوون على شيء، واتجهوا شطر مكة خزايا أذلاء.
5- واجتمعت للمسلمين من عدوهم غنائم وأسلاب كثيرة.
6- وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بنقل قتلى المشركين في مصارعهم، ودفن جيفهم، ومواراة أجسادهم في باطن الأرض، بعد أن وقف على القتلى، وقال: (بئس العشيرة كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتمُوني وآواني الناس).
أخذ جسَد عتبة بن ربيعة ليقذف في القَلِيب الذي قذفت فيه أجساد طائفة من قتلى المشركين، فنظر الرسول صلى الله عليه وسلم في وجه ابنه أبي حذيفة، فإذا فيه حزن وكآبة، فقال له: (يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء)؟ فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا مصرعه، ولكنني كنت أعرف في أبي رأيًا وحلمًا وفضلاً، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له خيرًا.
وروى البخاري عن أبي طلحة: “أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طويٍّ [البئر التي طويت] من أطواء بدر، خبيثٍ مخبثٍ. وكان إذا ظهَر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتَّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي [البئر] فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا)؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلِّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم). وعند أحمد ومسلم من طريق ثابت عن أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم نادى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف وأبا جهل بن هشام، فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ ويقول الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80]، فقال: (والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يجيبوا).
وعن عائشة قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القَلِيب طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل [أي تفرق لحمه وتمزق] لحمه فأقروه، والقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.
وصول الأنباء إلى المدينة ومكة:
أولاً – البشائر: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن رواحة، وزيد بن حارثة، بشيرين يبشران أهل المدينة بنصر المسلمين على جيش قريش. وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فلما رأى أحد المنافقين زيد بن حارثة راكبًا ناقة رسول الله القصواء، قال: قتل محمَّد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلاًّ “أي: منهزمًا”.
وبلَّغ الرسولان نبأ النصر المبين، والظفر العظيم، فأحاط بهما المسلمون، يسمعون منهما أنباء النصر، وعمَّت الفرحة، واهتزت أرجاء المدينة تهليلاً وتكبيرًا، وانطلق ملأ منهم إلى طريق لاستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم والغازين معه، وتهنئتهم بما أكرمهم الله به من نصر على عدوهم. وسار الرسول صلى الله عليه وسلم بجيشه قافلاً إلى المدينة، ومعه الأسرى، وحين وصل إلى الصفراء أمر بقتل “النضر بن الحارث”، وكان حامل لواء المشركين يوم بدر، ومن عتاة مجرميهم، فضرب عنقَه علي بن أبي طالب. وحين وصل إلى عرق الظبية أمر بقتل “عقبة بن أبي مَعِيط”، وهو من عتاة مشركي قريش ومجرميها، وكان قد تولَّى بنفسه إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فألقى سلا الجزور على رأسه وهو في الصلاة، وحاول خنقه بردائه، وكاد يقتله، وذكره النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منه حين اعترض على قتله دون الأسرى من قريش، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (لست من قريش، هل أنت إلا يهودي من أهل صفورية)؟ فقتله عاصم بن ثابت الأنصاري، وقيل: علي بن أبي طالب.
ولما وصل إلى الروحاء تلقاهم المستقبلون من المسلمين بالتهنئة والفرحة، فقال سلمة بن سلامة من البدريين: ما الذي تهنؤوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبُدْن. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (يا ابن أخي، أولئك الملأ). وقال أُسَيد بن حُضَير: يا رسول الله، الحمد الله الذي أظفرك، وأقر عينك، والله يا رسول الله، ما كان تخلُّفي عن بدر، وأنا أظن أنك تلقى عدوًّا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظنَنْت أنه عدو ما تخلَّفت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدَقْت.
ودخل الرسول المدينة مظفرًا عزيزًا، وهابه كل عدو له في المدينة وما حولها، فأسلم بَشَر كثير من أهل المدينة، ويومئذ دخل عبدالله بن أبيِّ بن سلول وأصحابه في الإسلام منافقين.
ثانيًا- وَقْع نبأ الهزيمة على أهل مكة:
كان أوَّل من أخبر أهل مكة بمصاب قريش في بدر “الحيسمان بن عبدالله الخزاعي”؛ وذلك أنَّه لما وصل إلى مكة فارًّا قالوا له: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، في رجال من زعماء قريش سماهم، وأخذ يعد أشراف قريش.
فقال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله، إن يعقل هذا، “أي: قد فقد عقله” فاسألوه عني. فقالوا له: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هاهو ذا جالس في الحجر، وقد، والله، رأيت أباه وأخاه حين قتلا. وقال أبو رافع: وكان أبو لهب قد تخلَّف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله وأخزاه. وكنت غلامًا للعبَّاس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت “أي: أهل بيت العباس”، فأسلم العباس وكتم إسلامه، وأسلمَت أم الفضل، وأسلمْتُ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزًّا، وكنت رجلاً ضعيفًا أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم. فوالله، إني لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشَرٍّ، حتى جلس على طَنَب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم. فقال أبو لهب: هلم إليَّ، فعندك لعمري الخبر. قال: فجلس إليه والناس قيام عليه.
فقال أبو لهب: يا ابن أخي، أخبرني: كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلاَّ أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقودوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وأيم الله، مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضًا على خيل بُلْق بين السماء والأرض، والله ما تليق “ما تبقى” شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طَنَب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك، والله الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة، وثاورتُه “أي: ثبتُّ له” فاحتملني، فضرب بي الأرض، ثم برك عليَّ يَضرِبني، وكُنْت رجلاً ضعيفًا. فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلعت “أي: شقت” في رأسه شجَّةً منكرة، وقالت: أسْتَضْعَفْتَهُ أنْ غابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ؟ فقام موليًا ذليلاً، فوالله، ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة، “وهي قرحة قاتلة كالطاعون” فقتلته. وناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشمتوا بكم.