الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي الجزء الثانى

الانحراف عن منهج الوسطية وأثر الحاقدين والمنافقين في ظهور الفرق الإسلامية

بقلم الدكتور/ بدر الفيومي.

 إذا ما حاولنا أن نصل ما قررناه في المقال السابق بما نحن بصدده الآن، نجد أن الحديث عن الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم لم يكن مقصودًا لذاته، ولم يكن استدعاءً لأحداث التاريخ على طريقة المجترئين، ولا فتحًا لباب التجديف الذي طالما ولغ فيه المجدفون من المشككين والمجتزئين، وإنما كان المقصود أن نكشف كيف يتسرّب الخلل إلى نسق الأمة، وكيف تبدأ الشروخ صغيرة في الوعي الجمعي، ثم لا تلبث أن تتسع مع الزمن، حتى تتحول إلى نهوج متفرقة، ومسارات متباينة، وفرق لها أفكارها ومقولاتها وولاءاتها الخاصة.

وحديثنا هنا ليس منفصلًا عما قبله، بل هو امتداد له؛ لأن الفتنة – الكبرى بين الصحابة – لم تكن حادثة عابرة في تاريخ الأمة، وإنما كانت ثغرة دخل منها المتأولون، واشتغل عليها الحاقدون والمنافقون، ثم وجدت فيها الأغيار مادة صالحة للعبث، حتى صار ما وقع في بعض مراحله بابًا من أبواب الافتراق، وممرًّا عبرت منه الفرق إلى جسم الأمة ووعيها الجمعي.

ومن هنا يثور السؤال: كيف بدأت الفرق؟، ومتى تحول الخلاف إلى فرقة؟، وجدور بالذكر هنا أن نبين أن الفرقة لا تبدأ كفرقة كاملة تستحق هذا الاسم من أول خاطر يلوح، أو شبهة تطرأ، أو رأي فردي يقال في لحظة من اللحظات؛ لأن الفرقة في تشكلها لا تنشأ دفعة واحدة، وإنما تبدأ فكرة صغيرة، قد تكون فردية، وقد تكون جماعية، ثم تنمو شيئًا فشيئًا، حتى تصير مذهبًا له معالمه، ومنهجًا له نسقه، ورؤية لها نسقيتها الخاصة، ثم يكون لها بعد ذلك استقلالها الفكري، وربما صار لها بعد حين وجود اجتماعي أو سياسي يحميها ويذود عنها.

الأمر الذي يقودنا إلى نتيجة مهمة، وهي أن قيام الفرق لا يكون -في الغالب- بتخطيط مباشر ظاهر، وإنما هو في كثير من صوره نبتة شيطانية، تتغذى على الهوى، وتكبر بالشبهات، وتجد في الوقت المعيش ظروفًا تساعدها على الانتشار والاستقلال. ولهذا قد تقصر مدة تخلق الفرقة، وقد تطول، بحسب ما تجد من عوامل مساعدة، وما يحيط بها من أحوال سياسية أو اجتماعية أو نفسية.

ولذلك حري بنا أن نفرق بين ظهور الفرقة بوصفها فكرة أولى، وبين ظهورها بوصفها فرقة مستقلة لها أصولها ورؤيتها ومقالاتها المعلومة. والصعوبة الحقيقية ليست دائمًا في معرفة اكتمالها كفرقة؛ لأن هذا قد تكلم فيه علماء المقالات والفرق، وإنما الصعوبة في التقاط بداياتها الأولى حين تكون مجرد نزعة، أو شبهة، أو تأويلًا شاذًا، أو اعتراضًا عابرًا، ثم لا يلبث هذا كله أن يتحول مع الأيام إلى بناء متماسك، يلوذ به أصحابه، ويوالون عليه، ويعادون من أجله.

وإذا ما حاولنا أن ننظر في كلام علماء الفرق، نجد أنهم لم يسيروا على قانون واحد في عدّ الفرق الإسلامية، بل اختلفت مناهجهم، وتفاوتت طرائقهم، ولم يكن عندهم ضابط مطرد جامع مانع في كل موضع. وهذا الأمر يبدوا واضحًا عند التأمل في كلام الشهرستاني وغيره، حين أشاروا إلى أن أصحاب المقالات لم يتفقوا على نهج واحد في التعديد، وأنهم كثيرًا ما كانوا يوردون الأقوال كما وجدوها، لا على قانون ثابت، ولا على أصل مستمر.

وهذا يقودنا إلى أمر آخر، وهو أن ليس كل خلاف يوجب أن نعد أصحابه فرقة، وإلا لاتسع الباب ، وخرج عن حد الحصر والعد. فكم من مسألة وقع فيها اختلاف، ولم يكن ذلك موجبًا لولادة فرقة، وكم من رأي ظهر ثم مات، ولم يجد من يحمله، وكم من تأويل شذ ثم انطفأ قبل أن يصير مذهبًا قائمًا. الأمر الذي يجعلنا أكثر احتياطًا عند الحديث عن البدايات، وأدق نظرًا عند رصد لحظات التشكل الأولى.

وإذا ما انتقلنا إلى السؤال الأهم في هذا الموضع، وهو كيف ظهر الخلاف والتفرق بين أبناء الأمة الإسلامية؟، حيث نجد أن الخلاف في عصر النبوة كان إذا وقع، انتهى فورًا حين يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه المرجع الحاكم، والقول الفاصل، والبيان الذي تنقطع عنده الخصومات. وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كان الخلاف ينتهي عند العلم بكلامه، أو عند التذكير بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله.

وحتى أواخر عصر الخلفاء الراشدين، ظل المسلمون على منهج واحد في أصول الدين وفروعه، وإن وُجدت بعض المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، إلا أنهم قضوا عليها بقوة الإيمان، وصدق النية، وتوفيق الله لهم، فلم تتحول تلك الخلافات إلى مذاهب مستقلة، ولا إلى شروخ دائمة في جسد الأمة. فمن ذلك ما أصاب بعض الصحابة رضي الله عنهم من الدهشة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم؛ هل مات رسول الله كما يموت سائر الناس؟ أم أن الأمر غير ذلك؟ حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من شدة هول الفاجعة: من قال إن رسول الله مات ضربته بالسيف. ولم يكن هذا خلافًا عقديًّا بالمعنى المعروف، وإنما كان أثرًا من آثار الصدمة، وحالة طارئة مرّت بالمسلمين في لحظة عظيمة من لحظات الفقد.

فلما جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله سبحانه وتعالى يقول: إنك ميت وإنهم ميتون. حتى فرغ من الآية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم… حتى فرغ من الآية فمن كان يعبد الله سبحانه وتعالى فإن الله حي ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، وذكّرهم بما غاب عن بعضهم من شدة المصيبة، فرجع الجميع إلى الحق، وأقروا بموت النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا نجد بوضوح أن الخلاف لم يُترك ليتضخم، ولم يتحول إلى مادة للجدل، وإنما أطفأه الوحي، وحسمه الدليل، وعاد الناس إلى السكينة.

ومن ذلك أيضًا اختلافهم في موضع دفنه صلى الله عليه وسلم؛ فأراد بعضهم أن يرد إلى مكة، وأراد آخرون دفنه بالمدينة، وقال غيرهم بنقله إلى بيت المقدس، ولكل فريق وجهة نظر فيما رأى. لكن أبا بكر رضي الله عنه أنهى الخلاف ببيان ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون، فانقطع النزاع، واستقر الأمر، وزال الخلاف قبل أن يستفحل.

ومن ذلك اختلافهم في إنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه؛ هل يبقى بالمدينة لحاجتهم إليه في ذلك الظرف المضطرب، كما رأى عمر رضي الله عنه وغيره؟ أم يخرج إلى الوجهة التي وجهه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه؟ ثم شرح الله صدورهم لما رآه الصديق، فاجتمعوا عليه، وكان في ذلك خير عظيم، ودلالة ظاهرة على أن الصحابة كانوا يردون الأمر إلى الأصل، ولا يجعلون اختلاف النظر بابًا للتمزق.