فقهُ البدعة … حصنٌ منيعٌ في مواجهةِ التطرّفِ الفكريّ


بقلم الدكتورة : ميرنا يونس

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ…
فإن الفهم السليم للدين، هو السياج الحصين الذي يحمي الأمة من غوائل التطرف، ويوفّر عليها أعمارًا تُهدر في صراعاتٍ لا طائل منها،

فليس أخطر على الدين من عقلٍ ضيّقٍ يلبس ثوب الغيرة، فيُفسد من حيث يظن أنه يُصلح، ويُضيّق واسع الشريعة باسم الحماية لها،

إنّ التطرف الفكري حين يتسلل إلى فهم النصوص، لا يكتفي بتشويه المعاني، بل يزجّ بالدين وأهله في مهاوي الانحراف، فيُكفِّر المختلف، ويُبدِّع المجتهد، ويُقصي الرحمة التي بُعث بها النبي ﷺ…

إن الفقه الدقيق لمعاني البدعة، ليس ترفًا علميًا، بل ضرورة لحفظ الدين من عبث الغلو، وصيانته من تحريف الجاهلين، حتى لا تتحول ساحات العبادة إلى ميادين نزاع، ومسائل الاجتهاد إلى معارك اتهام، فوجب الوقوف على معناها، وضبطها بضوابطها الشرعية، وفي محاولة ذلك أقول في نقاط:

أولًا: تعريف البدعة (كما ورد في لسان العرب): من بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه، والبِدْعةُ: الحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّينِ بعد الإِكمال.

ثانيًا: الاختلاف في تحديد المراد بالبدعة المذمومة:

١– ذهب فريق من العلماء:
إلى أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، فمنها المحمود ومنها غير ذلك، ومنهم الإمام الشافعي، وابن حجر، والعز بن عبد السلام.

٢– وهناك فريق من العلماء:
منهم الإمام الشاطبي والعيني وابن رجب، يقصرونها على المذموم، وأنها كلها ضلالة سواء كان في العادات أو العبادات – وإن كان ذلك أبعد للواقع والدليل – لكنهم متفقون أن ما ثبت حسنه شرعًا فهو مقبول، فيكون الاختلاف في التسمية فقط.

ثالثًا: بعض الاستدلالات على أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وأنها غير مذمومة مطلقًا:

من الكتاب:

قال تعالى : {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
وجه الاستدلال: أن الله تعالى أمر المؤمنين بفعل الخير أمرًا مطلقا، فالظاهر الإذن في فعل كل ما يظهر خيره وتتحقق مصلحته إلا إذا كان مندرجًا تحت نص من نصوص النهي.

ومن السنة:

١ – قال رسول الله ﷺ: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) وأن المراد به المحداثات الباطلة والبدع المذمومة.

٢- عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ( دعوني ما تركتم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما اسـتطعتم)، وفي رواية (بكثرة سؤالهم)

وفي هذا الحديث دلالة قوية واضحة على أنه ليس كل مسكوت عنه محرما، لأنه قسم الواجب على المكلف إلى قسمين :

• الأول: يجب فعله على قدر الاستطاعة وهو المأمور به.

• والثاني: يجب اجتنابه وهو المنهي عنه.

ولو كان كل مسكوت عنه محرمًا لقال فإذا نهيتكم عن شئ أو لم أقل فيه شيئا فاجتنبوه، والنص صريح في المنهي عنه ولم يحتمل التأويل.

٤ ـ عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوهـا ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسـيان فلا تبحثوا عنها)

وهذا الحديث نص في أن الله تعالى سكت عن أشياء رحمة للأمة، ولعله كان من الحكمة أن لا يسأل الصحابة رسول الله ﷺ عنها لئلا ينزل فيها تحريم بسبب كثرة السؤال، فإذا انتقل رسول الله ﷺ فليبحث المجتهدون في إلحاقها بما يناسبها، فيكون للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد،

فيقع التفاوت في الأجر ، ولو سئل رسول الله ﷺ عنها وبين حكمها لوجب امتثال حكمه ولما وقع ذلك التفاوت، والله أعلم.

٥ ـ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم ( الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا) فقال رسول الله ﷺ: من القائل كلمة كذا وكذا ؟

قال رجل من القوم : أنا يا رسول الله، فقال ﷺ: ( عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء)

والظاهر من سياق الرواية أن ذلك الصحابي لم يكن قد سمع من النبي ﷺ شيئا في جعل هذا الذكر في استفتاح الصلاة، ولو كان ذلك عن أمره وتعليمه لما عجب لذلك، وإنما كان ذلك عن اجتهاد من الصحابي،

والشاهد أن النبي ﷺ أقره على ذلك الاجتهاد، ولو كان من المحظور على المرء المسلم أن يأتي بشيء في العبادة دون دليل خاص لأنكر عليه النبي ﷺ ، ولقال له كيف تفعل قبل أن آذن لك فيه ؟!

ومن الآثر:

حديث ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ القَارِيِّ أنَّهُ قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْلَةً فِي رمَضَانَ إلَى المَسْجِدِ فإذَا النَّاسُ أوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ ويُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ إنِّي أرَى لَوْ جَمَعْتُ هؤلاَءِ عَلَى قاريءٍ واحِدٍ لكَانَ أمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ قَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ.

رابعًا: فعل بعض الصحابة والسلف لعبادات مشروعة بأصلها لا بعينها:

١- فعل سيدنا بلال رضى الله عنه في سن الصلاة بعد الطهارة، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لبلال : يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يديّ في الجنة

قال: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كُتب لي أن أصلي”

– فالصلاة مشروعة بأصلها، لكن لم تكن معينة صلاة بعد الوضوء أو الطهارة بعينها، وقد أقر ذلك رسول الله ﷺ ،
والفكرة في أنه كيف تجرأ سيدنا بلال رضى الله عنه على إحداث شئ لم يفعله النبي ﷺ ؟!

٢- ما فعله سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه في سن آذان ثاني لصلاة الجمعة ، وكانت الجمعة مثل سائر الصلوات خلال عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إلا أنه للحاجة إليه وهي كثرة الناس قد زاد سيدنا عثمان رضى الله عنه الأذان الثاني يوم الجمعة.

– فالآذان من شعائر الأمة الإسلامية وهو مشروع بأصله ولا دليل مخصوص على فعل سيدنا عثمان ، فكيف تجرأ رضى الله عنه على إحداث شئ لم يفعله النبي ﷺ ؟!

٣- ذكر ابن القيم في مدارج السالكين عن شيخ الإسلام ابن تيمية : أنه كان إذا صلى الفجر مكث في مجلسه يقرأ الفاتحة ويرددها حتى طلوع الشمس أو ارتفاع النهار.

– فقرآة القرآن بأصلها مشروعة ، لكن بتلك الهيئة لم يفعلها النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة

فكيف تجرأ الإمام ابن تيمية على إحداث شئ لم يفعله النبي ﷺ وصحابته ؟!

فهؤلاء الصحابة والسلف رضوان الله عليهم ، لم يتجرؤا على الفعل والعبادة إلا لأصل في الشريعة الإسلامية ، وشرعهم وشرعنا في ذلك قوله ﷺ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» وقال في ضدِّه: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا».

خامسًا: من أقوال الأئمة التي يُستأنس بها:

١- قول الإمام الشافعي: المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثر أو إجماع، فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك – أي ماكان له أصل يدل عليه الشرع – فهذه محدثة غير مذمومة.

٢- قول الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله فقد جاءت عنه عدة أقوال في هذا المعنى، ومن ذلك:

ما ذكره ابن قدامة في المغني إذ قال: قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة ؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد،
وقال: أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث، وقال: الحسن وبكر ومحمد بن واسع كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة.
قال الإمام أحمد: لا بأس به ، إنما هو دعاء وذكر الله، فقيل له: تفعله أنت ؟ قال: أما أنا فلا !!

– فـانظر إلى دقة الإمام أحمد رحمه الله في الفقه، وقفْ عند قوله (لا بأس بـه إنمـا هو دعاء وذكر الله ) مع عدم فعله إياه،
فكأنه يرى أن لزوم المساجد عشية يوم عرفة بالأمصار لم يفعله رسول الله ﷺ ولا الخلفاء الراشدون ولا أحد من كبار الصحابة،
لكن فعله إثنان من صغار الصحابة وبعض التابعين، فهو أمر مستحدث، لكنه لا يعدو كونه دعاء وذكرًا لله تعالى، فهو لا بأس به عنده.

٣- قول العز ابن عبد السلام: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة،
وضرب أمثلة لكل نوع من أنواع الأحكام الخمسة، وجعل من البدع المحرمة مذاهب
القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة، وجعل الرد على هؤلاء من البدع الواجبة.

وعليه؛

فإن البدعة ليست حكمًا واحدًا يُلقى على كل محدث بإطلاق، بل هي بابٌ يحتاج إلى فقهٍ دقيقٍ وبصيرةٍ نافذة؛ فما كان له أصلٌ في الشريعة، واندراجٌ تحت مقاصدها العامة، فليس من الضلال في شيء، بل قد يكون محمودًا مأجورًا،

وقوله ﷺ: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» محمولٌ على العام المخصوص، أو أن المراد به المحدثات الباطلة التي لا أصل لها في الدين، جمعًا بين الأدلة، واتساقًا مع هدي الشريعة في اعتبار المصالح ورفع الحرج.

وما أحوجنا اليوم إلى عقولٍ واعية، تُدرك أن الدين أوسع من أن يُحصر في فهمٍ واحد، وأن الحق لا يُنال بالصوت العالي، بل بالبصيرة النافذة،

فإذا استقام الفهم، استقام العمل، وإذا اعتدل الميزان، سَلِمَت القلوب، واجتمعت الكلمة، وسار الناس على هدى، لا يضلهم غلوّ، ولا تزيغ بهم أهواء.