ارتباط الوهابية بالغرب الاستعمارى
9 أبريل، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

اعداد الاستاذ / سيد حسن
المقال الثامن عشر من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
تميز موقف الوهابية المكفرة للمسلمين في الشرق ، بالارتباط بالغرب ، ببريطانيا ثم بأمريكا ، وذلك منذ بدايات نشأتها حتى اليوم ، بحيث أنهم أضحوا ـ لا سيما في القرن الحالي ـ يعطون الأولوية لمصالح هاتين الدولتين ، ليس فقط على مصالح العرب والمسلمين، بل وحتى على مصالح المملكة نفسها كما سنرى.
وقد قاموا خدمة لهذه المصالح ، ليس فقط بإطلاق يد الأنكلو ساكسون (الانجليز والأمريكيين) في ثروات البلاد التي استولوا عليها بالقوة والقهر ووسط بحر من الدماء ، بل هم بلغت نشاطاتهم المناطق المجاورة في المرحلة الأولى أي العراق والأردن ، لتنطلق في ما بعد إلى المدى العالمي فتعمد إلى تمويل عمليات العدوان الأمريكية في القارة الجديدة وفي غيرها من بلدان العالم الثالث ، حتى بلغ بهم الأمر استضافة أكثر من مليون جندي حملتهم الولايات المتحدة إلى المملكة لتدك العراق وتدمر بنيته التحتية وتحتل أراضيه بالقوة تحت حجة إخراج جيش صدام حسين من الكويت، فكان ما ارتكبه الوهابيون ـ وهم الذين يتحملون وزر كل ما ارتكبته أمريكا ـ أفظع وأشنع بما لا يقاس مما ارتكبه صدام حسين .
على أن الارتباط الوهابي بالغرب ، إذا كان يعود ظاهراً إلى أواخر القرن الثامن عشر عندما بدأ قادة الحركة الجديدة يتماسون مع إمارات الخليج الخاضعة لحماية أو تهديد الأساطيل البريطانية ، فإن هذا الارتباط لا بد أن تكون سبقته عملیات تمهيد واستطلاع واستكشاف وتخطيط على يد عملاء المخابرات التابعين لوزارة المستعمرات .
وإذا كانت مذكرات المستر ( همفر ) تقدم لنا نموذجاً مما حصل فعلاً أو تصوراً لما يمكن أن يكون قد حصل فإننا نستطيع الترجيح أن نفاذ النشاط البريطاني إلى قلب الجزيرة العربية قد بدأ قبل النشاط الظاهر بفترة معقولة .
على أن ما بين أيدينا عن النشاط الإنكليزي لا يقتصر على المذكرات المشار إليها ، بل هو يتعداه ليرسم لنا حركة ذهاب وإياب قام بها الموظفون من «رينو» سنة ١٧٩٩ إلى «سادلر» سنة ۱۸۱۸ م ، وصولاً إلى الكابتن شكسبير فإلى الكولونيل (فيلبي) ، عدا عمن سبقهم أو عاصرهم من العملاء السريين الذين يمكن أن يكونوا دخلوا على شكل عبيد أرقاء ، أو تجار مسلمين أو تحت أي صفة أخرى ، لأن بريطانيا التي كانت تجوب أساطيلها التجارية والحربية الشواطيء العربية من الهند وإليها منذ ما قبل تأسيس شركة الهند الشرقية ومنذ سنة ١٦١٥ ، لم تكن لتترك الموانىء التي سيطرت عليها والتابعة لأمراء من رؤساء العشائر الضعاف نسبياً تحت رحمة تهديد الداخل وما يمكن أن يخبئه من مفاجآت .
الجهاد ضد الانجليز حرام شرعاً:
على أن ما يلفت النظر في الموقف الوهابي الذي يعتبر الجهاد ضد المسلمين واجباً دينياً ، أنه لا يرى الجهاد ضد الإنكليز كذلك لا مبدئياً ولا عملياً كما سنرى . فقد كان الوهابيون ، إذا تجرأوا مرة على شن الغارات على المسلمين الخاضعين لوصاية بريطانيا وحمايتها، والتي كانت سلطاتها في الهند تعتبرهم من رعاياها ، كانت قياداتهم حريصة على أن توضح للإنكليز أنها لا تكن لهم أي مشاعر عدائية ، بل على العكس فإن القادة الوهابيون ما انفكوا منذ أواسط القرن الماضي بشكل خاص يؤكدون الصداقة التي ربطت أجدادهم بالإنكليز دون أن تعوزهم الفتاوى المسوغة لذلك مما يصدره رجال دينهم الوهابيون.
وفيما يلي سنلقي نظرة على العلاقات الوهابية البريطانية منذ قيام الدولة السعودية الأولى ثم نحاول تسليط ضوء على العلاقات الوهابية الأميركية التي نشأت فيما بعد ، لافتين العناية إلى أننا لا نؤرخ لهذه الأمور بقدر ما نبرز منها ما يهمنا ويؤكد لنا حقيقة الموقف الوهابي على هذا الصعيد ، وبالشكل الذي يسمح لنا بتقديم الصورة البسيطة ولكن المتكاملة لحقيقة المذهب الذي حمله ابن عبد الوهاب لأبناء الجزيرة العربية خاصة، وللعرب والمسلمين عامة .
الاتصالات الرسمية البريطانية بالوهابيين في دولتهم الأولى :
في سنة ١٢٠٨هـ / ۱۷۹۳م وقع خلاف بين ممثلي و شركة الهند الشرقية وبين السلطات العثمانية في البصرة فنقلت الشركة ممثليها من تلك المدينة إلى الكويت . ومن أجل ضمان طريق بريدها ، أرسل مانتسي (Mantesy) وكيل الشركة هناك سنة ١٢١٣هـ / أوائل سنة ۱۷۹۹م مساعده رينو إلى الدرعية ليفاوض إمامها ويتعهد له بحسن المعاملة وكانت بريطانيا قد توصلت إلى عقد معاهدة. مع سلطنة مسقط قبل ذلك بأشهر قليلة ( في ١٢ تشرين الأول ۱۷۹۸م / أول جمادى الأولى ۱۲۱۳هـ ).
ولكن الإدارة البريطانية لم تكن غائبة في الفترة السابقة بدليل التقرير المفصل الوافي الذي أعده السير ستار فورد جونز وقدمه إلى الحكومة البريطانية في الهند سنة ۱۲۱۳ هـ والذي لابد أنه اعتمد على استقصاءات سبقت هذا التاريخ .
والتقرير هذا هو عبارة عن وثيقة تتناول سيرة محمد بن عبد الوهاب حتى رجوعه إلى الدرعية وزواجه من جوهرة بنت عبد الله بن معمر ، واتفاقه مع محمد بن سعود . ويتناول فلسفة الدعوة كما استمدها جونز من بعض المصادر المحلية، فيذكر : « أن الدين الذي يدعوان ( ابن عبد الوهاب وابن سعود ) إليه ، هو الدين الإسلامي وذلك اتباعاً لظاهر القرآن ، ثم يصف التقرير أن مبادىء الدعوة تقوم ( على التوحيد الذي يعني أن لا إله إلا الله لا شريك له ولا نظير ، وأن محمداً رسول الله وأن العباد لا يملكون للخلق نفعاً ولا ضراً وأن الاتجاه بالعبادة لغير الله كفر والتوسل بالأنبياء والصالحين شرك وأن المسلم الذي ينحرف عن جادة تعاليم القرآن يصبح مثله مثل النصارى واليهود ولهذا وجب جهاده … ، ثم يقول التقرير : ( لا يصح الحلف بغير الله . كما يشير جونز إلى أن الوهابيين قد هدموا الأضرحة في الأماكن التي آلت إليهم ، فخير القبور عندهم الدوارس ) .
والسؤال الذي يمكن أن يثور هنا هو : متى بدأ اهتمام جونز بالوهابية ؟ ومن هي الأوساط المحلية التي استقى منها ؟ .