انتحال عبد الله بن سبأ للتأويل

المقال الثالث عشر من سلسلة ( انبياء الدجال )

بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم

الباحث فى التاريخ الإسلامى

وهو أخطر المبادئ التى انتحلتها السبئية وأورثتها غيرها من الفرق على الإطلاق ، وهو سبب الخلاف بين المسلمين الى ذلك الوقت ، وهو ما يعتنقه الوهابيون والسلفيون دون ضابط أو رابط ، فهم يتأولون بالأهواء فحسبما أهوائهم تميل يأولون حتى لو تصادم ذلك مع معلوم من الدين بالضرورة أو آيةٍ قرآنيةٍ بيِّنةٍ قطعيةِ الدلالة مجمع عليها ولا تحتمل التأويل ، أو حتى أحاديث نبوية صحيحة فى كل كتب الحديث بما فيها الصحيحين.

فلقد انهزم الفكر السبئى الدجالى الذى قالت به الفرق الغالية أو أذرعة الدجال ولم يبق منها أى فرقة قائمة عدا الضئيل النادر أو ما فُرض منها بحد السيف فى ظروف غامضة.

ولنلقى نظرة على التأويل وتعريفه :

 والتأويل فى اللغة الرجوع والتفسير ، وهو فى الاصطلاح هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر الى معنى آخر يحتمله لدليل.

والتأويل هو لازم المجاز ، والمجاز أكثر اللغة.

قال تعالى ” هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” آل عمران الاية 7 .

فالقرآن الكريم قطع بأن آيات القرآن الكريم نوعان :

الأولى : هى آيات محكمات ذات معنى صريح ظاهر دال قاطع لا تقبل التأويل ولا تلتبس على أى عقل وسماها الله تعالى آيات مُحكمة وأسبغ عليها سبحانه وصف (أم الكتاب) يعنى أنها يحتكم اليها عند الخلاف.

الثانية : سماها الله سبحانه وتعالى (آيات متشابهات) وهذه الآيات المتشابهات تتفاوت فيها العقول تفاوت ما بين السماء والأرض ، فالقرآن الكريم هو خطاب الله سبحانه وتعالى لجميع عباده كلٌ منهم يفهم منه على قدره ما صفت النوايا وسلمت القلوب ، وفهم هذه الآيات هو ما يتفاضل فيه الخلق ، ولقد أشار القرآن الكريم الى هؤلاء المضلين الذين يتتبعون هذه الآيات ويتأولونها على نحو يضرب القرآن بعضه ببعض فقال سبحانه (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ).

ولقد جعل الله سبحانه وتعالى لهؤلاء المُضْلّون علامة هى أم العلامات وهى تميزهم عن غيرهم أيما تمييز بقوله (ابتغاء الفتنة) فاعلم أنه ما ارتفع سيف بناء على تفسير آية إلا وقع هؤلاء تحت حكم هذه الآية ويصنفون على وجه التأكيد بانهم المرادون وأنهم هم الذين فى قلوبهم زيغ ، وأعلم أن التكفير هو أشد من القتل بحكم القرآن الكريم فلقد قال سبحانه وتعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) البقرة الآية 191 ، وقوله تعالى ” أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ” البقرة 217 ، فكأنما المراد بالفتنة هو التكفير وإخراج المسلم من حظيرة الإسلام دون وجه حق بما يكون لازمه استحلال ماله وعرضه ودمه.

ولقد أشار بعض المفسرين الى بعض هؤلاء الفتَّانون ، فذكر البغوى فى تفسير هذه الآية (قال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وقالوا له: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: “بلى” قالوا: حسبنا، فأنزل الله هذه الآية .

وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجمَّل. وقال ابن جريج: هم المنافقون وقال الحسن: هم الخوارج، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية ” فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ْزَيْغٌ ” قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم، وقيل: هم جميع المبتدعة).

ولكن تركتنا الآية الكريمة فى معضلة آلا وهى من هم الراسخون فى العلم الذين يعلمون تأويل هذه الآيات المتشابهات ؟ فالعلماء كُثر فهل جميعهم هم الراسخون فى العلم ، بالطبع لا فالعلماء مختلفون أكثرهم متشككون ، حتى وإن كانوا متأكدين من مذهبهم واجتهادهم إلا أن بعض المتلقى منهم لا يزال فى تشككه.

ولما سبق لم يتركنا الله سبحانه وتعالى فى حيرة فى أمر أولئك الراسخون فى العلم ، فلقد وصفهم الله سبحانه وتعالى فى الآية التالية بقوله سبحانه وتعالى (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) البقرة الآية 8 .

فما وجه ذلك؟

ذكرت هذه الآية أمرين إن تحققا صار ذلك الرجل من الراسخون فى العلم:

الأول : الهداية.

الثانى : الرحمة.

واعلم ان هذاين الأمرين ما توفرا فى عالم إلا صار من العلماء الربَّانيين الراسخون فى العلم ، وهما بيد الله فقط يورثهما من يشاء من عباده.

وعلى وجه العموم فان الراسخون فى العلم هم العارفون بالله سبحانه وتعالى ، فهم أشد عباد الله سبحانه عبودية له وخشية منه ورهبة له ومحبة له وتعلقاً به ، أولئك الذين يراقبون أنفاسهم خشية الغفلة عن الله ، أولئك الذين يعيشون بالله ويأكلون ويشربون بالله ويتكلمون لله ويتخذون زوجاتهم وأبنائهم وباقى الخلق وسيلة لرضاه ، الذين هم فى غفلة من انفسهم ومن الخلق ، مجذوبون لله ، لا يخلو منهم زمان ، بعضهم يظهر كعالم وآخرون مختفون بين ظهرانى الناس.

واعلم ان هاتان الخُلّتان المذكورتين فى الآية الكريمة ( الهداية ، والرحمة) هما عطاء مجرد من الله سبحانه وتعالى ، يعطيهما الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده بطلب أو بدون طلب.

ولكن ازددنا حيرة من هولاء الاشخاص بين العلماء أو بين أولياءه.

ولذلك وبناء على تطاول الزمان ، واختبار التجارب والأحداث ، فان لهؤلاء علامة شيدية الدقة ، هى ان هؤلاء الاشخاص هم من سكنت على ايديهم الفتن ، واطمئنت القلوب ، وثابت الناس الى رشدها وعقولها ، ورجعت الناس معهم عن غيها وزيغها ولو تتبعناهم تاريخياً لعرفناهم.

ولعرفنا أن كلامهم ربانياً تسكن اليه القلوب وتقتنع به العقول وتطمئن إليه الجنان.

وأبرزهم على سبيل المثال :

ـ الإمام احمد حنبل الذى سكنت به فتنة المعتزلة وخلق القرآن والخوض فى الصفات الإلهية.

ـ وسيدى عبد القادر الجيلانى الذى أعاد السكينة الى سكان الشرق الاسلامى بعد فعل الحركات الباطنية ، وأسس مدارس نجحت فى تخريج مجاهدين لم يقتتلوا على المُلك كعادة المسلمين فى ذلك الزمان وما سبقه من أزمان ضعف فيها المسلمين ، فكان من جملة تلاميذ مدارسه عماد الدين زنكى ونور الدين محمود استاذ صلاح الدين الأيوبى.

ـ وسيدى احمد البدوى الذى نثر تلاميذه فى أرجاء الأرض فأحيوا سنة النبى صلى الله عليه وسلم وسنة خلفاءه المهديين بعد دولة الفاطميين الباطنية التى امتلكت الحرمين الشريفين وغرب العالم الاسلامى بلاد الحجاز والشام ومصر وافريقية وبلاد المغرب ، وبعد الغزو المغولى والهجمات التترية وبعد الحملات الصليبية التى استهدفت بلاد الشام وفلسطين ومصر.

ـ سيدى ابو الحسن الشاذلى الذى سكنت على يديه فتنة الفاطميين فى بلاد المغرب ومصر أيضاً وأحيا سنة النبى صلى الله عليه وسلم فى ربوع شمال أفريقيا.

ـ العز بن عبد السلام تلميذ سيدى المرسى ابو العباس وسيدى ابو الحسن الشاذلى الذى أيَّد الله به حاكم مصر السلطان قطز ، وهُدى به أمراء المماليك الى الحق ، فأمكنوا الحق من أنفسهم فانصاعوا له ببركة العز بن عبد السلام وأستاذيه ، فنصرهم الله سبحانه وتعالى.

 الأولياء من علماء الأزهر الشريف الذين كانت تُرد على أيديهم المظالم ويهابهم السلاطين والأمراء ومنهم الكُثر كالشيخ الخراشى والدردير وآخر هولاء البقية هو الشيخ الشعراوى رضى الله عنهم وأرضاهم.