ضرورة إعادة النظر في السن القانونية لتطبيق الأحكام وتخفيضها
8 أبريل، 2026
قضايا وأحكام

بقلم د/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر
لقد تكررت المآسي والجرائم التي يرتكبها بعض من يُسمَّون صغار السن أو غير البالغين، جرائم لا تمت للطفولة بصلة، بل هي أفعال وحوش كاسرة خرجت من غابات انعدام التربية والتفكك الأسري.. آخرها هذه الجريمة التي ذهب ضحيتها فتاة صغيرة لا ذنب لها، قتلها مجرمين بدم بارد وبطريقة لا يعرفها إلا القتلة المتمرسون والسفاحون الكبار… وقبلها وقعت مآسي أشد إجراما، كالتي فعلها سفاح الإسماعيلية وغيره.
ومع ذلك… لا يزال القانون يعامل هؤلاء المجرمين معاملة الأطفال، ويُنزل بهم عقوبات هزيلة لا تليق ببشاعة أفعالهم، بحجة أنهم دون سن البلوغ! فأي عدالة هذه؟ وأي عقل يقبل أن تُزهق الأرواح ثم نكتفي بعقوبات هزيلة؟!
إن هذه الوقائع المفزعة تحتم على فقهاء الشريعة، ورجال التشريع، وعلماء القانون المصري أن يقفوا وقفة صدق، وأن يعيدوا النظر في إعادة تقييم سن البلوغ، وتخفيضه بما يناسب طبيعة الواقع الذي نعيشه، فلا وجه للتمسُّك بتثبيت سنِّ البلوغ عند الثامنة عشرة، كأنها آية مُحكمة لا تقبل التغيير.
والفقه الإسلامي ـ بحمد الله ـ غني بنظريات متعددة حول سن البلوغ:
_ فهناك طائفة من الفقهاء جعلت البلوغ بالاحتلام،
وهم جمهور كبير من الفقهاء، حكى الإجماع على رأيهم ابن داود الظاهري وابن المنذر وابن قدامة، ورأوا أن الاحتلام أمارة البلوغ شرعًا، بلا نظرٍ إلى السن.
ويقينًا: الأولاد والفتيات اليوم يبلغون الاحتلام في الثالثة عشرة، وربما قبلها، بل الطب الحديث قادر على إثبات ذلك بدقة.
_ الطائفة الثانية من الفقهاء: حددت البلوغ بأربع عشرة أو خمس عشرة سنة،
وهو مذهب طائفة معتبرة من الفقهاء، ومنهم بعض الأحناف، ورجحه الصنعاني والشوكاني وغيرهم.
_ الطائفة الثالثة من الفقهاء: ربطت البلوغ بالعلامات الجسدية،
وأهمها إنبات شعر العانة، وهو ما فعله النبي ﷺ في أسرى بني قريظة المقاتلين؛ فمن أنبت عنده شعر العانة قُتِل لبلوغه، ومن لم يُنبت لم يُقتل، وهو مذهب المالكية والحنابلة وأبي يوسف من الأحناف وابن حزم.
_ الطائفة الرابعة من الفقهاء: جعلت البلوغ مناطه العقل والإدراك؛
لأن العقل هو أصل التكليف وروحه، فإذا كان الصبي عاقلًا، مدركًا لأفعاله، قادرًا على التمييز بين الخير والشر، فقد بلغ وإن لم يحتلم، وهذا رأي الإمام الكاساني وغيره، وهو في زماننا أقرب للواقع وأوفق للنظر.
وهذه القضية برمتها ـ تحديد سن البلوغ ـ قضية اجتهادية، مرنة، قابلة للتغيير، لا تتعارض مع مقاصد الشريعة، ويمكن تغييرها؛ لأنها تُبنى على المصلحة والواقع وظروف الزمان.
ويمكن القول:
((كل من يَعِي حقيقة الفعل الذي ارتكبه، ويُدرِك عواقبه ويدرك أنه جريمة محرمة قانونًا وشرعًا، فهو مستحق للعقوبة مهما كان سنه)).
فالصبي الذي تتحرك شهوته حتى يبلغ حد التحرش والفعل الجنسي ليس طفلًا بريئًا، بل بلغ من النضج النفسي حدًّا يجعله مسؤولًا عن فعله، ولو كان دون الثانية عشرة.
والصبي الذي يخطط للجريمة، ويتواصل مع منصات داعمة للعنف، ثم ينفذ بدقة بالغة لا يملكها كثير من البالغين؛ فهذا ليس قاصرًا، ولا ساذجًا، بل بالغ مميِّز، عاقل، مدرك، يعرف تمامًا معنى القتل والتمثيل بالجثث، ويعرف العاقبة، ومع ذلك يُقدم على جريمته، والصبية الذين يستدرجون فتاة ويقتلوها لسرقة هاتفها وذهبها ليسوا قصر، بل مجرمون سفاحون؛ فكيف ـ بالله عليكم ـ نُبرء هؤلاء من المسؤولية؟! بل كيف لا يُقام عليهم الحد والقصاص؟!
ومن هذا المنطلق، فإني أرفع صوتي عاليًا، وأوجه ندائي إلى:
الأزهر الشريف، والمجامع الفقهية، ودار الإفتاء المصرية
بأن يعيدوا بحث هذه القضية بعمقٍ ومسؤولية، وأن يعلنوا كلمة الحق التي تنتظرها الأمة. فإذا انتهوا إلى ما انتهيتُ إليه وهو ضرورة خفض السن القانونية لتطبيق الأحكام، فلابد أن تُرفع توصياتهم إلى الجهات التشريعية فورًا.
كما أناشد القانونيين والمشرعين أن يتخلصوا من أسر القوانين المستوردة، وأن يعيدوا النظر في مسألة تحديد السن الجنائي، وأن يناقشوا بشجاعة مسألة الاقتصاص من صغار السن الذين اكتمل إدراكهم ووعيهم، في زمنٍ يعرف فيه الطفل من الشرور ما لم يكن يعرفه كبار الأمس.