خطبة الجمعة  ( النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل ) للدكتور : أيمن حمدى الحداد


خطبة الجمعة  ( النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل )

للدكتور : أيمن حمدى الحداد

نص الخطبة
الحمد لله رب العالمين خلق الإنسان فى أحسن تقويم، ووهبه العقل وأرشده وهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد فى سبيل الحق حتى أتاه اليقين، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه حق قدره، ومقداره العظيم، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: لقد أعلى ديننا الحنيف من قيمة العقل،

فدعا إلى استثارته ليؤدي دوره المنوط به لذلك نجد عبارات؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿ولِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾،﴿ولِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، ونحوها تتكرر عشرات المرات في القرآن الكريم لتؤكد على احترام العقل ووجوب إعماله وتنميته، ولقد جعل الله عز وجل العقل مناطاً للتكليف؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾(النساء: ٣٣)، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ قال رسول الله ﷺ: «رُفِع القلمُ عنْ ثلاثةٍ عنِ الصغيرِ حتى يبلُغَ وعَنِ النائمِ حتى يستيقظَ وعنِ المصابِ حتى يُكشفَ عنهُ» رواه أبو داود.

♦أولاً: مكانة العقل فى الإسلام؛ لقد أعتنى الإسلام بالعقل عناية فائقة، وأمر بالمحافظة عليه، وحرم إفساده بالمسكرات والمخدرات ونحوها، أو بالأفكار الهدامة كالإلحاد، أوالتفكير فيما لا يتحمله العقل ولا يستطيع ادراكه من الغيبيات؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: خَلَقَ الله الخَلْق فمن خَلَقَ الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً؛ فليقل: «آمنت بالله» رواه مسلم.

– قال العقاد: والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يُلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه.. كتاب التفكير فريضة إسلامية.

– ولما سُئل عطاءُ بن أبي رباح عن أفضل عطايا الله عز وجل للعبد؟ قال أفضل عطايا الله عز وجل للعبد (العقلُ عن الله جل جلاله) لأن العقلُ عن الله يعنى الفهمُ لمراده من خلقه وهو من أجل النعم التى يسعد بها العبد فى الدنيا والآخرة.. والمراد به العقل الذي يحجُزُ صاحبَه عن خوارِم المروءة وقوادِح الشرف، وسِفساف الأمور، ومن هنا كان ندم أهل النار؛ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾(الملك: ١٠-١١)،

– ولقد تنوع الخطاب القرآني للعقل؛ فالمتتبع لآيات القرآن يتَّضح له أن القرآن الكريم لم يكتف بذكر لفظ العقل بل استحثه وخاطبه بمرادفاته؛ كالألباب والحجى والنُّهى، وغيرها؛ قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(البقرة: ٧٣)، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾(البقرة: ٢١٩)، وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: ٦٥)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩)، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٧٩)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾(ق: ٣٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾(طه: ٥٤)، وقال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾(الفجر: ٥)،

–ومن أعظم مظاهر إعتناء ديننا الحنيف بالعقل؛
دعوته إلى تنمية العقول بالعلم والاستزادة منه؛ لأن العلم زاد العقول، والنصوص الشرعية حافلة بالحث على طلب العلم، وبيان كثرة فضائله ومزاياه؛ قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾(طه:١١٤)، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(آل عمران: ١٨)، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(المجادلة: ١١)،

– ولقد جاءت التربية العقلية ضمن أولويات الإسلام؛ فليس ثمة دين يقوم على احترام العقل الإنسانى مثل الإسلام فكان سيدنا رسول الله ﷺ ينمى فى المؤمنين إعمال الفكر والعقل من خلال طرح الأسئلة التى تستثير الذهن؛ فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلُ المؤمن مثل شجرة لا تطرح ورقَها» فوقع الناس في شجر البدو، ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييتُ أن أتكلَّم، فقال رسول الله ﷺ: «هي النخلة»

فذكرت ذلك لعمر، فقال: يا بني، ما منعك أن تتكلم؟ فوالله لأن تكون قلت ذلك أحَبُّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا» رواه البخارى.

– وتكون تنمية القدرات العقلية والفكرية لدى النشىء بحفظ القرآن الكريم وتعلم أحكام الشريعة الغراء فهذا رسول الله ﷺ يجعل فداء الأسير أن يعلم عشرة من الصحابة القرأة والكتابة؛ ولقد أمر ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم اللغة السريانية؛

فعن زيد بن ثابت قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أَتَعَلّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ وَقالَ إِنّي وَالله مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، قالَ فَمَا مَرّ بي نِصْفُ شَهْرٍ حَتّى تَعَلّمْتُهُ لَهُ» رواه الترمذى.

♦ ثانياً: الفهم الصحيح وأثره فى الوصول إلى الحق؛ إن من أخطر أسباب الضلال والشطط سوء الفهم للنصوص الشرعية وتأويلها تأويلاً فاسداً؛ ومن الشواهد على ذلك ما كان من أمر الخوارج الذين أساءوا الفهم فكفروا المسلمين وخرجوا على أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وهنا قام عبدالله بن عباس رضي الله عنهما بالتصدى لهذا الفهم السقيم للنصوص الشرعية بالحجة والبرهان فى مناظرة علمية رائعة؛ فعندما خرجت الحَرُوريَّة، واعتَزلُوا في دارٍ على حدتهم، وكانوا ستَّة آلاف.

فقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أبرِد بالصلاة، لعلِّي أكلِّم هؤلاء القوم.

قال: إني أخافهم عليك.

قال ابن عباس: كلاَّ إن شاء الله، ولبِس أحسنَ ما يكون من حُلَل اليمن، وترجَّل، ودخل عليهم في دارٍ نصف النهار وهم يأكُلون (هكذا في مُعظَم الروايات، وفيه رواية: وهم قائلون) في نحر الظهيرة.
فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، فما هذه الحُلَّة؟

قلت: ما تَعِيبون عليَّ؟ لقد رأيت على رسول الله ﷺ أحسنَ ما يكون من الحُلَل، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: ٣٢).
قالوا: فما جاء بك؟
قال: أتيتُكم من عند أصحاب النبي ﷺ المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمِّ النبي ﷺ وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأوِيله منكم، وليس فيكم منهم أحدٌ؛ لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون.
فقال بعضهم: لا تُخاصِموا قريشًا؛ فإن الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾(الزخرف: ٥٨).
قال ابن عباس: وما أتيت قومًا قطُّ أشد اجتهادًا منهم، مُسهِمة وجوههم من السهر، كأن أيديهم وركبهم تثنى عليهم، فمضى مَن حضر.
فقال بعضهم: لنُكَلِّمنَّه ولننظرنَّ ما يقول.
قال: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله ﷺ وابن عمِّه.
قالوا: ثلاث.
قال: ما هن؟
قالوا: أمَّا إحداهن، فإنه حكَّم الرجال في أمر الله، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾(الأنعام: ٥٧)، ما شأن الرجال والحكم؟
قال: هذه واحدة.
قالوا: وأمَّا الثانية، فإنه قاتَل ولم يَسْبِ ولم يغنم، إن كانوا كفَّارًا لقد حلَّ سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ سبيهم ولا قتالهم.
قال: هذه ثِنتان، فما الثالثة؟
قالوا: ومَحَا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميرَ المؤمنين فهو أمير الكافرين!
قال: هل عندكم شيء غير هذا؟
قالوا: حسبنا هذا.
– فقال لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله – جلَّ ثناؤه – وسنَّة نبيِّه ﷺ ما يردُّ قولكم، أترجعون؟
قالوا: نعم.
قال: أمَّا قولكم: حكَّم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيَّر حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم؛ فأمر الله – تبارك وتعالى – أن يحكموا فيه، أرأيت قول الله – تبارك وتعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾(المائدة: ٩٥)،
وكان من حُكْمِ الله أنَّه صيَّره إلى الرجال يَحكُمون فيه، ولو شاء حكَم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله: أحكم الرجال في صَلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟!
قالوا: بلى؛ بل هذا أفضل.
وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾(النساء: ٣٥)، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟
قالوا: اللهم بل في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم.
قال بن عباس رضي الله عنهما خرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
– قال بن عباس: وأمَّا قولكم: قاتَل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، أفتَسْبُون أمَّكم عائشة؟! تستحِلُّون منها ما تستَحِلُّون من غيرها وهي أمُّكم؟ فإن قلتم: إنَّا نستَحِلُّ منها ما نستَحِلُّ من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمِّنا فقد كفرتم؛ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(الأحزاب: ٦)،
فأنتم بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج؟
فنظر بعضهم إلى بعض!!
قال: أفخرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
– قال بن عباس رضي الله عنهما: وأمَّا قولكم: محا نفسَه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، قد سمعتم أن نبي الله ﷺ يوم الحديبية صالَح المشركين، فقال لعلي: «اكتب يا علي: هذا ما صالَح عليه محمد رسول الله»، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتَلناك، فقال رسول الله ﷺ: «امحُ يا علي، اللهمَّ إنك تعلم أني رسول الله، امحُ يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله»، فوالله لَرَسُولُ الله ﷺ خيرٌ من علي، وما أخرَجَه من النبوَّة حين محا نفسه، أخرجت من هذه؟
قالوا: نعم.

فاتقوا الله عباد: واعلموا أن صناعة العقول لها بالغ الأثر فى بناء الإنسان وسلامة معتقداته.

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لى ولكم

الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا عباد الله: إن إعمال العقل في فهم النصوص الشرعية وفي تطبيقاتها وفي إنزال الحكم الشرعي على مخاطبة الواقع العملي يُعد أمر ضرورى لفهم مراد الله تعالى وفق ضوابط منضبطة، بعيداً عن الجمود أو التطرف، بما يجمع بين ثوابت النقل وصريح العقل لتحقيق مقاصد الشريعة، وهذه مهمة أهل العلم والتخصص؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل: ٤٣-٤٤)،

♦ثالثاً: الخلاف فى الرأي لا يُفسد للود قضية؛
إن من أخطر أسباب التفرق والنزاع تفشى الجهل بفقه الخلاف مما أوقع الكثيرون فى براثن التعصب الأعمى والحكم على مخالفيهم بالكفر أو الفسق وغير ذلك مما يدل على ضيق الأفق وعدم الإلتزام بأدب الخلاف!!
وواقع الفرق والجماعات التى تبنت العنف لا يخفى على أحد!!
عباد الله: إن المتأمل فى صفحات تاريخنا المشرق يجد أن أسلافنا الكرام رضي الله عنهم وهم أفقه الناس، وأعلم الناس كانوا حريصين على جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفهم، وغلق أي باب من شأنه أن يفرق بينهم ومن الشواهد على ذلك؛

– قول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه الدال على سعة علمه، ورجاحة عقله؛ «هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحداً عليه ولا نقول: «يجب على أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به»

– والإمام مالك بن أنس رضي الله عنه يأبى حمل الناس على رأي واحد؛ لقد عزم أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور على أن يَنسَخَ نسخاً من “الموطأ” ثم يبعث إلى كل مِصر من أمصار المسلمين بنسخة، فيأمرهم أن يعملوا بما فيها لا يتعدونها إلى غيرها، وأن يَدَعوا ما سواها،،

فقال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإن الناس قد سبَقَت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وروَوا رواياتٍ، وأخَذَ كل قوم بما سبَق لهم، وعمِلوا به ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وأصبح ردهم عما هم عليه شديدًا، فدَعِ الناس وما اختاروا لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعتَني على ذلك، لأَمرتُ به،، تاريخ الطبرى.

ثم شاوَره أمير المؤمنين هارون الرشيد في أن يُعلِّق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كلٌّ يتَّبِع ما صحَّ عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى، فقال: وفَّقكَ الله يا أبا عبدالله.

لقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يمتلك بعد نظر ورأياً سديداً مع تجرد وإخلاص لله رب العالمين.

– الإمام الشافعي ويونس الصدفي أنموذجاً؛ لقد

كان يونسُ بن عبدالأعلى أحدَ طلاب الإمام الشافعي رحمهم الله، واختلف يونس مع أستاذه الشافعي، فقام غاضبًا وترك الدرس ورجع لبيته، وفي الليل ذهب الإمام الشافعيُّ لبيت يونس، فقال له: يا يونس، تجمعنا مئاتُ المسائل وتُفرِّقنا مسألةٌ! يا يونس، لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات، فأحيانًا كسب القلوب أَولى من كسب المواقف، يا يونس، لا تهدم الجسور التي بنيتَها وعبرتها، فربما تحتاجها للعودة يومًا ما، اكره الخطأ دائمًا، ولا تكره المُخطئ، يا يونس، انتقد القول لكن احترم القائل؛ فإن مهمتنا أن نقضي على المرض، لا على المريض.
عباد الله: إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وعلى الرغم من أننا تربينا على تلك الجملة، إلا أن هناك من لا يلتزم بأدب الحوار وقد يصل الأمر إلى رمى المخالف بالنفاق أو الكفر وهذا المسلك واضح عند بعض التيارات المعاصرة!!
فاتقوا الله عباد الله: واحذروا التفرق والتشرذم لأن ذلك يصب فى مصلحة أعدائكم ويضعف من قوتكم.

أقول قولي هذا واستغفر الله لى ولكم.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبه راجى عفو ربه
أيمن حمدى الحداد
الجمعة ٢٢ شوال ١٤٤٧ هجرياً
الموافق ١٠ أبريل ٢٠٢٦ ميلادياً