خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ) للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْز


خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ)
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْز

 

بِتَارِيخِ 22 شَوَّال 1447هـ / 10 إبريل 2026م

لتحميل الخطبة Pdf اضغط أدناه
alnesos alsa

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ وَبَرَا ، وَخَلَقَ المَاءَ وَالثَّرَى ، وَأَبْدَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَرَا ، لَا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، الحَمْدُ للهِ الذي صَبَّ المَاءَ صَبًّا، وَشَقَّ الأَرْضَ شَقًّا، وَأَنْبَتَ فِيها حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشهدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ….فَأَوْصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 102) عِبَادَ اللّهِ: ((النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ)) بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلِ: الفَهْمُ الصَّحِيحُ عِبَادَ اللَّهِ

عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

  • أَوَّلًا: الفَهْمَ الفَهْمَ عِبَادَ اللَّهِ!!

  • ثَانِيًا: الخَطَرُ الخَطَرُ مِنْ سُوءِ الفَهْمِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ عِبَادَ اللَّهِ!!!

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الِاحْتِكَارُ وَتُجَّارُ الأَزَمَاتِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: ((النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ بَيْنَ الفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ))،

بَلْ إِنْ شِئْتَ فَقُلِ: الفَهْمُ الصَّحِيحُ عِبَادَ اللَّهِ وَعَنْ خُطُورَةِ الِاحْتِكَارِ، خَاصَّةً فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ وَالنَّكَبَاتِ وَالحُرُوبِ الدَّائِرَةِ، وَانْتِشَارِ الإِشَاعَاتِ، وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّتِي تَنْشُرُ الأَخْبَارَ كَانْتِشَارِ النَّارِ فِي الهَشِيمِ؛ فَتَاهَتِ العُقُولُ، وَتَغَيَّرَتِ المَفَاهِيمُ، وَانْتَشَرَ سُوءُ الفَهْمِ وَسُوءُ التَّأْوِيلِ لِلنُّصُوصِ، وَظَهَرَتْ طَوَائِفُ وَفِرَقٌ تَلْوِي أَعْنَاقَ النُّصُوصِ لَيًّا خَطِيرًا مُخَالِفًا لَهَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً فِي زَمَنٍ انْتَشَرَتْ فِيهِ الشُّبُهَاتُ كَانْتِشَارِ النَّارِ فِي الهَشِيمِ، بِسَبَبِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَانْتَشَرَتْ مَوَاقِعُ الشُّبُهَاتِ وَمَوَاقِعُ الشَّهَوَاتِ، وَوَقَعَ الكَثِيرُ مِنْ أَبْنَائِنَا فِي فِتَنِ الشُّبُهَاتِ وَمَوَاقِعِ الإِلْحَادِ، وَضَلَّ الكَثِيرُ مِنْهُمْ بِسَبَبِ قِلَّةِ الوَعْيِ وَقِلَّةِ الفَهْمِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَاصَّةً أَنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ قُرْآنٍ كَرِيمٍ وَسُنَّةٍ نَبَوِيَّةٍ؛ هِيَ النُّورُ الَّذِي يَهْدِي العُقُولَ، وَالمِيزَانُ الَّذِي تُضْبَطُ بِهِ حَيَاةُ النَّاسِ، غَيْرَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهَا، بَلْ بِوُجُوبِ فَهْمِهَا عَلَى مُرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفْقَ مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ رَاسِخٍ ،وَمِنْ هُنَا كَانَ الفَهْمُ الصَّحِيحُ أَسَاسَ الهِدَايَةِ، وَكَانَ سُوءُ التَّأْوِيلِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الِانْحِرَافِ وَالفِتْنَةِ؛ إِذْ قَدْ يُحْمَلُ النَّصُّ عَلَى غَيْرِ مَقْصُودِهِ، فَيُتَّخَذُ ذَرِيعَةً لِلْغُلُوِّ أَوِ التَّفْرِيطِ، فَالحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَى تَدَبُّرٍ وَاعٍ، وَفَهْمٍ مُنْضَبِطٍ، يَقِي مِنَ الزَّلَلِ، وَيَقُودُ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ. وَخَاصَّةً أَنَّ سُوءَ فَهْمِ النُّصُوصِ—وَعَدَمَ فَهْمِهَا فَهْمًا صَحِيحًا—أَدَّى إِلَى انْتِشَارِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ وَالمُنْحَرِفَةِ، وَالأَفْكَارِ الطَّائِشَةِ، وَالآرَاءِ الهَزِيلَةِ، الَّتِي تُشَوِّهُ صُورَةَ الإِسْلَامِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ. وَخَاصَّةً أَنَّ هُنَاكَ تُجَّارَ الأَزَمَاتِ لَا يَظْهَرُونَ إِلَّا فِي النَّكَبَاتِ وَالمَصَائِبِ، فَيَحْتَكِرُونَ أَقْوَاتَ المُسْلِمِينَ بِلَا خَوْفٍ وَلَا خَجَلٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

إِذَا لَمْ يُفِدْكَ العِلْمُ خَيْرًا *** فَخَيْرٌ مِنهُ أَن لَوْ قَدْ جَهِلْتَ
وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مَهَاوٍ *** فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَ

  • أَوَّلًا: الفَهْمَ الفَهْمَ عِبَادَ اللَّهِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: إِنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَى الْإِنْسَانِ كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ، لَا يَحُدُّهَا حَدٌّ، وَلَا يُحْصِيهَا عَدٌّ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهَا أَحَدٌ، فَهِيَ نِعَمٌ عَامَّةٌ، سَابِغَةٌ تَامَّةٌ، ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: 18]، وَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ وَمِنْ أَعْظَمِ تِلْكُمُ النِّعَمِ: نِعْمَةُ العَقْلِ وَالفَهْمِ وَالوَعْيِ وَحُسْنِ التَّأْوِيلِ وَالتَّدَبُّرِ، فَالعَقْلُ وَالفَهْمُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنَّةٌ كَبِيرَةٌ، أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا، وَمَنَّ بِهَا عَلَيْنَا، وَفَضَّلَنَا وَمَيَّزَنَا عَلَى سَائِرِ المَخْلُوقَاتِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].وَقَالَ تَعَالَى:﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. وَجَعَلَهُ سَيِّدًا فِي هَذَا الكَوْنِ بِعَقْلِهِ وَفِكْرِهِ وَفَهْمِهِ الصَّحِيحِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13].

وَ الْفَهْمُ نِعْمَةٌ عظيمةٌ، بها تُحَلُّ كَثِيرٌ من المُعْضِلاتِ، وتُزالُ العديدُ من العَقَباتِ، ومِنْ وَصِيَّةِ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ لأبي مُوسى الأشعريِّ – رضي الله عنهما: «الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ؛ مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ» صحيح – رواه البيهقي في “السنن الكبرى”. قال ابنُ القيِّمِ رحمه الله (صِحَّةُ الْفَهْمِ وَحُسْنُ الْقَصْدِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ؛ بَلْ مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ عَطَاءً – بَعْدَ الْإِسْلَامِ – أَفْضَلُ، وَلَا أَجَلُّ مِنْهُمَا… وَصِحَّةُ الْفَهْمِ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ).

لِذَا أَمَرَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِاسْتِثْمَارِ العَقْلِ وَإِعْمَالِهِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ فَهْمًا صَحِيحًا، قَالَ تَعَالَى:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 190].وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا، أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ، وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحَجِّ: 46].وَقَالَ تَعَالَى:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37].قَالَ المُفَسِّرُونَ: «لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ».

وَخَصَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، وَذَكَرَهُ فِي قُرْآنِهِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ((﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء: 78، 79]. فذَكَرَ اللهُ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الْكَرِيمَيْنِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، وَخَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الْمُعَيَّنَةِ. والقِصَّةُ – كما جَاءَتْ في الرِّوايات: أنَّ جماعةً لهم حَرْثٌ مِنْ عِنَبٍ دخلتْ فيه غَنَمُ قَوْمٍ لَيْلًا، فأَكَلَتِ العِنَبَ وأَتْلَفَتْهُ؛ فحَكَمَ داودُ: «بِأَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الحَرْثِ الماشِيَةَ مُقابل ما أَتْلَفَتْهُ؛ لِأَنَّ المُتْلَفَ يُعادِلُ قِيمَةَ الغَنَمِ التي أَتْلَفَتْهُ». وحَكَمَ سُلَيمانُ: «بِأَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ المَاشِيةِ الزَّرْعَ، يقومُ عليه حتى يَعودَ كما كان، ويَأْخُذَ صَاحِبُ الحَرْثِ الماشِيَةَ يَسْتَفِيدُ مِنْ صُوفِها ولَبَنِها وسِخَالِها؛ فإذا تَمَّ إِصْلاحُ المَزْرَعَةِ كما كانَتْ أَخَذَها؛ ورَدَّ المَاشِيةَ لِصاحِبِها».

ومِنَ الأُمورِ التي تُنَمِّي مَلَكَةَ التَّفكيرِ القائِمِ على الأدلَّةِ والبراهين، وعلى التَّفْكِيرِ الرَّاجِحِ السَّليم: ما جاء في “قَضِيَّةِ المَرْأَتين اللَّتَين احْتَكَمَتَا إلى داودَ وسُليمانَ” عليهما السلام: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا؛ جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: “إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ”، وَقَالَتِ الأُخْرَى: “إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ”. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؛ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى. فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَأَخْبَرَتَاهُ؛ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: “لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا”، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» رواه البخاري ومسلم. فَالفَهْمُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنَّةٌ كَبِيرَةٌ، عِبَادَ اللَّهِ، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ – قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». أَيٌّ: يَفْهَمُهُ الدِّينُ فَهْمًا صَحِيحًا، وَيُدْرِكُ مَقَاصِدَهُ وَأَحْكَامَهُ، فَلَا يَضِلُّ الإِنْسَانُ وَلَا يُسَوِّغُ لَهُ نَصٌّ إِلَّا بِمَا أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ..

وَمِنْ هُنَا كَانَ تَعْرِيفُ الفِقْهِ لُغَةً: الفَهْمُ، أي: إدراكُ أمور الدين ومعانيه، وفَهْمُ النُّصوصِ على وَجْهِها السَّلِيم، لِيَسْتَقِيمَ العَمَلُ وَيَحْصُلَ الهُدَى وَالتَّدَبُّر. وَكَيْفَ لا؟ وَالْقُرْآنُ الكَرِيمُ حَثَّنَا عَلَى الفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: 82]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [مُحَمَّد: 24].

وَدَعَتْنَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ المُطَهَّرَةُ إِلَى الفَهْمِ الصَّحِيحِ، فَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهِ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].

وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَائِلًا: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]، إِشَارَةً منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنَّ الفِقْهَ فِي الدِّينِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِفْظٍ أَوْ رِوَايَةٍ، بَلْ هُوَ فَهْمٌ عَمِيقٌ، وَنَظَرٌ ثَاقِبٌ، يُنَزِّلُ النُّصُوصَ مَنَازِلَهَا وَيَضَعُهَا فِي سِيَاقِهَا الصَّحِيحِ، فَبِقَدْرِ مَا يُرْزَقُ الْعَبْدُ مِنْ فِقْهِ صَحِيحٍ، يَكُونُ قُرْبُهُ مِنَ الْحَقِّ وَبُعْدُهُ عَنِ الزَّلَلِ وَالانْحِرَافِ. وَحَذَّرَنَا نَبِينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الفَهْمِ الغَلَطِ العَقِيمِ، وَأَنَّهُ مِنْ عَلاَمَاتِ السَّاعَةِ، حَتَّى يَظْهَرَ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ وَهُوَ لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ العُلَمَاءِ الرُّبَّانِيِّينَ المُخْلِصِينَ، فعَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. فَهَذَا الحَدِيثُ يُظْهِرُ أَهَمِّيَّةَ العِلْمِ الصَّحِيحِ وَحِفْظِهُ عِنْدَ حَمَلَتِهِ المُخْلِصِينَ، وَأَنَّ ضَعْفَهُ وَهَلَاكَ العُلَمَاءِ يُؤَدِّي إِلَى ظُهُورِ الفِتَنِ وَالضَّلَالِ.

وَلَهُمْ نُصُوصٌ قَصَّرُوا فِي فَهْمِهَا *** فَأُتُوا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي العِرْفَانِ
حَتَّى زَلَّت كَثِيرٌ مِنَ الأَقْدَامِ **وَضَلَّت عَدِيدٌ مِنَ الأَفْهَامِ، وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.

 

  • ثَانِيًا: الخَطَرُ الخَطَرُ مِنْ سُوءِ الفَهْمِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ عِبَادَ اللَّهِ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: سُوءُ الفَهْمِ وَسُوءُ التَّأْوِيلِ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ، وَوَبَاءٌ خُلُقِيٌّ كَبِيرٌ، مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِهَلَاكِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا، فَهُوَ مَصْدَرٌ لِكُلِّ عَدَاءٍ وَيَنْبُوعٌ لِكُلِّ شَرٍّ وَتَعَاسَةٍ، وَسُوءُ الفَهْمِ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ الإِنْسَانِ، مَدْخَلٌ كَبِيرٌ لِلشَّيْطَانِ، مُدَمِّرٌ لِلْقَلْبِ وَالأَرْكَانِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الأَحِبَّةِ وَالإِخْوَةِ، يَحْرِمُ صَاحِبَهُ الأَمْنَ وَالأَمَانَ، وَيَدْخِلُهُ النِّيرَانَ، وَيُبْعِدُهُ عَنِ الجِنَانِ، فَالْبُعْدُ عَنْهُ خَيْرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.

فَالْخَطَرُ كُلُّ الْخَطَرِ فِي الْعُقُولِ الَّتِي تُسِيءُ فَهْمَ تِلْكَ النُّصُوصِ، وَالْأَلْسِنَةِ الَّتِي تُحَرِّفُ مَعَانِيَهَا، وَالْقُلُوبِ الَّتِي تَتَّبِعُ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا:﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آلِ عِمْرَان: 7]، فَتَرَاهُمْ يَأْخُذُونَ بَعْضَ الْحَقِّ وَيَتْرُكُونَ بَعْضَهُ، وَيَحْمِلُونَ الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ.

فَعَلَيْكَ بِالْوَحْيَيْنِ لَا تَعُدُوهُمَا *** وَاسْلُك طَرِيقَهُمَا بِفَهْمٍ جَيِّدٍ
فَإِذَا تَعَذَّرَ فَهْمُ نَصٍّ غَامِضٍ *** فَاسْتَفِتْ أَهْلَ الذِّكْرِ كَالْمُسْتَرْشِدِ

قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣].وَلَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خِيَارَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ)). وَسُوءُ الْفَهْمِ وَسُوءُ التَّأْوِيلِ يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ وَالْخِزْيِ وَالْعَارِ، لِذَا خَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا كَانَ يَمْشِي مَعَ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا لَيْلًا، لِأَنَّهُ لَوْ شَكَّ هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ فِي نَبِيِّهِمَا لَوَقَعَا فِي الشِّرْكِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي حُجْرَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ بِرَجُلَينِ مِنَ الْأَنْصارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا – أَوْ قَالَ: شَرًّا» قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: سُوءُ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَصْلُ كُلِّ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ نَشَأَتْ فِي الإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَأَصْلُ كُلِّ خِلَافٍ فِي الأُصُولِ وَالفُرُوعِ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: وَهَلْ أَوْقَعَ القَدَرِيَّةَ – النُّفَاةَ مِنْهُمْ وَالجَبْرِيَّةَ – وَالمُرْجِئَةَ وَالخَوَارِجَ وَالمُعْتَزِلَةَ وَالرَّوَافِضَ وَسَائِرَ طَوَائِفِ أَهْلِ البِدَعِ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ إِلَّا سُوءَ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟! مَرَّ عَلَى الخَوَارِجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَ الخَوَارِجُ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ الخَوَارِجُ قَدْ كَفَّرُوا عَلِيًّا بِدَعْوَى أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ (الأَنْعَامُ: ٥٧).

فَانْظُرْ كَيْفَ يَسْتَشْهِدُ هَؤُلَاءِ بِالآيَاتِ! فَلَمَّا سَأَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ عَنْ عَلِيٍّ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فَلَمَّا أَثْنَى عَبْدُ اللَّهِ عَلَى عَلِيٍّ قَتَلَهُ الخَوَارِجُ وَذَبَحُوهُ كَمَا تُذْبَحُ النَّعْجَةُ، ثُمَّ سَأَلُوا امْرَأَتَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَأَثْنَتْ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فَذَبَحُوهَا كَمَا تُذْبَحُ النَّعْجَةُ، وَبَقَرُوا بَطْنَهَا، وَاسْتَخْرَجُوا جَنِينَهَا مِنْ بَيْنِ أَحْشَائِهَا. وَمَرَّ هَؤُلَاءِ المُجْرِمُونَ وَأَيْدِيهِمْ مُلَطَّخَةٌ بِدِمَاءِ عَبْدِ اللَّهِ وَامْرَأَتِهِ عَلَى حَائِطٍ لِلنَّخِيلِ سَقَطَتْ بَعْضُ تَمَرَاتِهِ خَارِجَ أَسْوَارِهِ، فَانْحَنَى أَحَدُهُمْ لِيَلْتَقِطَ تَمْرَةً لِيَأْكُلَهَا، فَقَالُوا: مَهْ مَهْ! مَاذَا تَصْنَعُ يَا رَجُلُ؟! كَيْفَ تَسْتَحِلُّ لِنَفْسِكَ تَمْرَةً لَمْ يَأْذَنْ لَكَ صَاحِبُهَا؟! وَأَيْدِيهِمْ مُلَطَّخَةٌ بِدِمَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ وَامْرَأَتِهِ. فَسُوءَ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَضِيَّةٌ مِنْ أَخْطَرِ القَضَايَا. لِذَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأَنْفَالُ: ٢٢-٢٣].

لِلَّهِ فِي الآفَاقِ آيَاتٌ لَعَـ *** ـلَّ أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَا

وَلَعَلَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ آيَاتِهِ ***عَجَبٌ عُجَابٌ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَا

وَالْكَوْنُ مَشْحُونٌ بِأَسْرَارٍ إِذَا **** حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا أَعْيَاكَا

وَأُرْجِئُ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ إِلَى مَا بَعْدَ جَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ……………….. أَمَّا بَعْدُ

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الِاحْتِكَارُ وَتُجَّارُ الأَزَمَاتِ.

أيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ حَدَّدَتْ وِزَارَةُ الأَوْقَافِ أَنْ تَكُونَ الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الاحْتِكَارِ ، و الِاحْتِكَارُ َدَاءٌ عِضَالٌ حَذَّرَ مِنْهُ سَيِّدُ الأَنْامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ يَضُرُّ بِالأُمَّةِ وَيُفْسِدُ الْعِرْفَانَ وَيُفْتِحُ بَابَ الظُّلْمِ وَالظُّلَمَةِ فِي التَّعَامُلَاتِ، وَجَعَلَ النَّهْيَ عَنْهُ مِنَ السُّنَنِ الْمُحْكَمَةِ لِحِفْظِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَحَقُّهَا ، وَالْمُحْتَكِرُ يَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالاضْطِرَارِ لَا بِالتَّرَاضِي قَالَ جَلَّ وَعَلَا( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩.

وَكَيْفَ لَا؟ وَلَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُحْتَكِرَ مَلْعُونٌ، وَالْمَلْعُونُ هُوَ الْمَطْرُودُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» [رَوَاهُ مُسْلِم].وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَكِرِينَ وَالْغَشَّاشِينَ، فَجَاءَ فِي مُسْنِدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ أَحْمَد شَاكِر، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِيءَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَرِيَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِيَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى». أَخْرَجَهُ أَحْمَد.

وَلَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ أَدْخَلَ فِي أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ظُلْمًا وَعُدْوَانًا لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثَقُلَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».رَوَاهُ الطِّيَالِسِيّ فِي مَسْنِدِهِ.فالاحتكارُ مِنْ أَخْطَرِ الْآفَاتِ الاقْتِصَادِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَصَدَّى لَهَا الإِسْلَامُ بِحَزْمٍ شَدِيدٍ، لَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الْأَزْمَاتِ وَالشَّدَائِدِ؛

وَكَيْفَ لا؟ وَ هُنَاكَ تُجَّارُ الأَزْمَاتِ يَسْتَغِلُّونَ حَاجَةَ النَّاسِ، فَكَثُرَ الْجَشَعُ وَالطَّمَعُ وَالاسْتِغْلَالُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَاصَّةً أَنَّ تُجَّارَ اليَوْمِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ قَدْ مَاتَ إحْسَاسُهُمْ، وَدُفِنَتْ مَشَاعِرُهُمْ وَقَلَّ إِيمَانُهُمْ، وَنَسُوا رَبَّهُمْ، وَلَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَمُوتَ النَّاسُ جُوعًا، وَلَا يُبَالُونَ بِغُلُوِّ الْعَيْشِ الَّذِي يَعْصِرُ النَّاسَ عَصْرًا، وَلَا يَتَأَلَّمُونَ لِلْحَاجَةِ الَّتِي أَرْهَقَتْ مُضَاجِعَ النَّاسِ بِاللَّيْلِ وَأَرْهَقَتْهُمْ بِالنَّهَارِ، هُمْ تُجَّارُ حُرُوبٍ وَأَزْمَاتٍ.

يَا تُجَّارَ الأَزْمَاتِ، يَا تُجَّارَ الجَشَعِ وَالطَّمَعِ وَالاسْتِغْلَالِ وَالاحْتِكَارِ وَالرِّبَا، هَلْ نُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قُلُوبِكُمْ؟ ـ لَا، قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى اعلَمُوا بِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَمَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ، فَإِذَا حُرِمْتَ الرَّحْمَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلَا تَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ.

يَا تُجَّارَ الأَزْمَاتِ، يَا تُجَّارَ الجَشَعِ وَالطَّمَعِ وَالاسْتِغْلَالِ وَالاحْتِكَارِ وَالرِّبَا، هَلْ صَارَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ مَعْبُودًا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى؟ ـ لَا، قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى. ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ)) [رواه البخاري]. وَكَمَا ذُكِرَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حَدِيثِ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي»، قَالَ: «وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ». فَاللهُ سَائِلُكُمْ عَمَّا زَادَتْهُ عَنْ حَاجَتِكُمْ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْلِّبَاسِ، وَالْحَلاَلُ حِسَابٌ وَالْحَرَامُ عَذَابٌ. وَكَمَا فِي صَحِيحِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ». فَلا تَغْتَرُّوا بِمَا آتَاكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.

فَمِنْ أَهَمِّ سِمَاتِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْرَّاقِيَةِ  في الأزمات ِ وغيرها أَنْ تَكُونَ مُتَرَابِطَةً مُتَمَاسِكَةً فِي بُنْيَانِهَا، يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَصَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ يَقُولُ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». فَفِي الشَّدَائِدِ تَظْهَرُ مَعَادِنُ الرِّجَالِ، وَالْأَزْمَاتُ تَتَطَلَّبُ التَّرَاحُمَ وَلَا الْاسْتِغْلَالَ، وَمَنْ قَلَّلَ هَامِشَ رِبْحِهِ تَخْفِيفًا عَلَى النَّاسِ وَتِيْسِيرًا عَلَيْهِمْ، وَلَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ الْأَزْمَاتِ، فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا وَيُؤْجَرُ عَلَى فِعْلِهَا. فَالْمُجْتَمَعُ فِي حَاجَةٍ إِلَى التَّعَاوُنِ وَالتَّكَافُلِ وَالتَّكَامُلِ وَالتَّرَابُطِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ))

إِنَّ الرِّجَالَ وَإِنْ قَلَّتْ، مَعَادِنُهَا ذَهَبًا****عِنْدَ الشَّدَائِدِ تَطْلُبُهَا فِي الْحَالِ تُلْقَاهَا
تَحْمِلُ إِلَيْكَ الْخَيْرَ أَيْنَمَا رَحَلْتَ**** وَتَذُودُ عَنْكَ صِعَابًا كُنْتَ تَخْشَاهَا حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.

كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ

د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ