خطبة بعنوان ( أنْوَارُ الْبَصِيرَةِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ.. وَصِيَانَةُ الْأَوْطَانِ مِنْ جَشَعِ الِاحْتِكَارِ )


خطبةبعنوان ( أنْوَارُ الْبَصِيرَةِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ.. وَصِيَانَةُ الْأَوْطَانِ مِنْ جَشَعِ الِاحْتِكَارِ )

بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ: ٢٢ شَوَّال ١٤٤٧ هـ – ١٠ أَبْرِيل ٢٠٢٦ م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه

anwar albasera fehm

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

١. فَضْلُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَمَنْزِلَةُ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ.

٢. آفَةُ الْجُمُودِ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَخُطُورَةُ الِانْتِقَائِيَّةِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ.

٣. الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ فِي تَعْدِيلِ السُّلُوكِ عَبْرَ تَصْحِيحِ الْمَفَاهِيمِ.

٤. فِقْهُ الْمَقَاصِدِ وَالْمَآلَاتِ: كَيْفَ صَانَ الصَّحَابَةُ رُوحَ الشَّرِيعَةِ؟

٥. الِاحْتِكَارُ: إِفْسَادٌ لِلذِّمَمِ وَتَقْوِيضٌ لِلسِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ.

٦. أَخْلَاقُ التَّاجِرِ الْمُسْلِمِ وَدَوْرُهُ فِي بِنَاءِ الِاقْتِصَادِ الْقَوِيِّ.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالْعَقْلِ وَالْبَيَانِ، وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ هُدًى وَنُوراً لِلْأَنَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْخَلْقِ (عَزَّ وَجَلَّ)، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) هَادِياً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَصْحَابِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) الَّذِينَ كَانُوا لِلْعِلْمِ أَوْعِيَةً، وَلِلْفَهْمِ أَمْثِلَةً حَيَّةً.

أَمَّا بَعْدُ: فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَيُّهَا السَّادَةُ الْفُضَلَاءُ..

إِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ جَاءَتْ لِتُحَقِّقَ سَعَادَةَ الْإِنْسَانِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ السَّعَادَةَ مَرْهُونَةٌ بِحُسْنِ الْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) وَعَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَإِنَّ سُوءَ الْفَهْمِ يَقْلِبُ الدَّوَاءَ دَاءً، وَيُحِيلُ الرَّحْمَةَ عَنَتاً، وَمِنْ هُنَا كَانَ لِزَاماً عَلَيْنَا أَنْ نَتَبَيَّنَ مَعَالِمَ الْفَهْمِ الرَّشِيدِ لِنَحْمِيَ دِينَنَا وَأَوْطَانَنَا.

الْعُنْصُرُ الْأوَّلُ: فَضْلُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَمَنْزِلَةُ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ

لَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ الْحَنِيفُ الْفِقْهَ -وَهُوَ دِقَّةُ الْفَهْمِ- مِعْيَاراً لِلْخَيْرِيَّةِ.

فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ” (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) الْخَيْرَ لِلْعَبْدِ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ، بَلْ بِأَنْ يَرْزُقَهُ بَصِيرَةً يَنْفُذُ بِهَا إِلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ.

وَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَانَ يُقَدِّمُ سَيِّدَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) فِي مَجَالِسِ أَهْلِ بَدْرٍ لِفَهْمِهِ الثَّاقِبِ، فَلَمَّا سُئِلُوا عَنْ قَوْلِهِ (عَزَّ وَجَلَّ): {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ”.

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ الرُّسُوخَ فِي الْعِلْمِ يُتِيحُ لِلْعَالِمِ اسْتِنْبَاطَ الْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْهَا أَنْظَارُ الْعَامَّةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى صِحَّةِ تَنْزِيلِ النَّصِّ عَلَى الْوَاقِعِ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: اجْعَلْ لِنَفْسِكَ وِرْداً مِنْ مَجَالِسِ الْعِلْمِ الَّتِي تُقِيمُهَا الْمُؤَسَّسَاتُ الدِّينِيَّةُ الرَّسْمِيَّةُ لِتُصَحِّحَ فَهْمَكَ لِأُمُورِ عِبَادَتِكَ وَمُعَامَلَتِكَ.

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: آفَةُ الْجُمُودِ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَخُطُورَةُ الِانْتِقَائِيَّةِ

إِنَّ الْجُمُودَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ مَعَ إِغْفَالِ السِّياقِ وَالْمَقْصِدِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى كَوَارِثَ مَعْرِفِيَّةٍ وَسُلُوكِيَّةٍ.

فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: “لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ” (حَدِيثٌ صَحِيحٌ). فَلَمَّا خَشِيَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَوَاتَ الْوَقْتِ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ فَهْماً لِلْمَقْصِدِ، وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ جَمِيعاً.

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي فَهْمِ مَقْصِدِ النَّصِّ (وَهُوَ هُنَا السُّرْعَةُ) مَقْبُولٌ وَمَمْدُوحٌ، وَأَنَّ الْحَرْفِيَّةَ الضَّيِّقَةَ قَدْ تَتَصَادَمُ مَعَ فَرَائِضَ أُخْرَى كَالْمُحَافَظَةِ عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ.

وَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الْمَشْجُوجِ الَّذِي أَفْتَاهُ قَوْمٌ بِالْغُسْلِ جُمُوداً عَلَى نَصِّ الْجَنَابَةِ فَمَاتَ، فَقَالَ ﷺ: “قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ! أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟” (حَدِيثٌ حَسَنٌ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ تَنْفِيذَ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْصِدِ “الرَّحْمَةِ” وَ”حِفْظِ النَّفْسِ” هُوَ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ يُؤَدِّي إِلَى مَفَاسِدَ عِظَامٍ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: إِذَا قَرَأْتَ حَدِيثاً يَظْهَرُ لَكَ فِيهِ تَعَارُضٌ مَعَ مَبَادِئِ الرَّحْمَةِ، فَلَا تَتَسَرَّعْ بِالْحُكْمِ، بَلْ سَلْ أَهْلَ الذِّكْرِ عَنْ مَقْصِدِ الْحَدِيثِ وَسَبَبِ وُرُودِهِ.

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْمَنْهَجُ النَّبَوِيُّ فِي تَعْدِيلِ السُّلُوكِ عَبْرَ تَصْحِيحِ الْمَفَاهِيمِ

كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْنِي الْإِنْسَانَ مِنْ خِلَالِ نَقْلِهِ مِنْ ضِيقِ اللَّفْظِ إِلَى سَعَةِ الْمَعْنَى الْقِيَمِيِّ.

فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟” قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ: “لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ” (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: تَصْحِيحُ مَفْهُومِ “الْقُوَّةِ” لِتَكُونَ صِفَةً نَفْسِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً تَبْنِي الْمُجْتَمَعَ، لَا مُجَرَّدَ غَلَبَةٍ بَدَنِيَّةٍ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى الظُّلْمِ.

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضاً عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَ: “أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟” قَالُوا: مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ.. فَقَالَ ﷺ: “إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ… وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا…” (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: رَبْطُ الْفَهْمِ الشَّرْعِيِّ لِلنَّجَاحِ بِالْأَخْلَاقِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا إِذَا سَاءَ فَهْمُهُ لِحَقِيقَةِ التَّدَيُّنِ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: اجْعَلْ مِقْيَاسَ قُوَّتِكَ فِي تَعَامُلِكَ هُوَ “الْحِلْمُ”، وَمِقْيَاسَ غِنَاكَ هُوَ “رَصِيدُكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ” مَعَ الْخَلْقِ (عَزَّ وَجَلَّ).

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: فِقْهُ الْمَقَاصِدِ وَالْمَآلَاتِ: كَيْفَ صَانَ الصَّحَابَةُ رُوحَ الشَّرِيعَةِ؟

فَهِمَ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) أَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَطْنِ وَالْأُمَّةِ هِيَ جَوْهَرُ الدِّينِ.

وَرَدَ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ وَالْأَثَرِ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) امْتَنَعَ عَنْ قِسْمَةِ سَوَادِ الْعِرَاقِ بَيْنَ الْفَاتِحِينَ، رَغْمَ أَنَّ الظَّاهِرَ كَانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، مُسْتَدِلاً بِمَقْصِدِ بَقَاءِ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ لِلْأَجْيَالِ.

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ الْفَهْمَ الصَّحِيحَ لِلنَّصِّ يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى “الْمَآلِ” (أَيْ مَا سَيَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ)، وَأَنَّ حِمَايَةَ الِاقْتِصَادِ الْقَوْمِيِّ هُوَ فَهْمٌ شَرْعِيٌّ سَلِيمٌ.

وَمَا رُوِيَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَيِّدِنَا زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ؛ حَيْثُ رَأَى سَيِّدُنَا عُمَرُ وَسَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) مَصْلَحَةَ الْجَمْعِ لِحِفْظِ الدِّينِ رَغْمَ عَدَمِ وُقُوعِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ (وَهُوَ حِفْظُ الدِّينِ) إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الْفَهْمِ الرَّشِيدِ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: كُنْ إِيجَابِيّاً فِي مُجْتَمَعِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَحْفَظُ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ حَقَّهَا فِي الْأَمْنِ وَالرَّخَاءِ هُوَ عَمَلٌ صَالِحٌ مَأْجُورٌ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: الِاحْتِكَارُ.. إِفْسَادٌ لِلذِّمَمِ وَتَقْوِيضٌ لِلسِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ

إِنَّ سُوءَ الْفَهْمِ لِمَعْنَى “الرِّبْحِ” وَ”الْمِلْكِيَّةِ” أَدَّى إِلَى ظُهُورِ آفَةِ الِاحْتِكَارِ الَّتِي تَنْهَشُ جَسَدَ الْمُجْتَمَعِ.

فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ” (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ لَفْظَ “خَاطِئٌ” فِي لُغَةِ الشَّرْعِ تَعْنِي الْآثِمَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْعِقَابِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ لَيْسَ تِجَارَةً بَلْ هُوَ جَرِيمَةٌ دِينِيَّةٌ.

وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ، ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ” (حَدِيثٌ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنَّهُ يُسْتَشْهَدُ بِهِ فِي التَّرْهِيبِ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْوَاقِعُ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: بَيَانُ الْعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَمْحَقُ بَرَكَةَ الْمَالِ وَالْبَدَنِ لِلْمُحْتَكِرِ، جَزَاءً لَهُ عَلَى تضييقهِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ).

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: يَا مَنْ بِيَدِهِ سِلْعَةٌ، بَلِّغْ عَنِ الْمُحْتَكِرِينَ، وَلَا تَشْتَرِكْ مَعَهُمْ فِي سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنِ الِاحْتِكَارِ شَرِيكٌ فِيهِ.

الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: أَخْلَاقُ التَّاجِرِ الْمُسْلِمِ وَدَوْرُهُ فِي بِنَاءِ الِاقْتِصَادِ الْقَوِيِّ

التَّاجِرُ فِي فَهْمِ الْإِسْلَامِ هُوَ أَمِينٌ عَلَى أَقْوَاتِ النَّاسِ، وَمُسَاهِمٌ فِي رَفْعِ بَلَائِهِمْ.

فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ” (حَدِيثٌ حَسَنٌ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: رَفْعُ مَنْزِلَةِ التَّاجِرِ إِلَى مَصَافِّ الْعُظَمَاءِ إِذَا فَهِمَ مَقْصِدَ التِّجَارَةِ بِأَنَّهَا خِدْمَةٌ لِلْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ جَمْعاً لِلْمَالِ.

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَبِيعُ طَعَاماً فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَالَ ﷺ: “مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي” (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

[وَجْهُ الدَّلَالَةِ وَالْفَهْمِ]: أَنَّ الْبَرَاءَةَ النَّبَوِيَّةَ مِمَّنْ غَشَّ تَعْنِي أَنَّ الْغَشَّ وَالِاحْتِكَارَ مَسْلَكٌ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَدْيِهِ.

نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: أَيُّهَا التَّاجِرُ، اجْعَلْ رِبْحَكَ مَبْنِيّاً عَلَى “الْقَنَاعَةِ”، وَتَذَكَّرْ أَنَّ الدَّرْهَمَ الْحَلَالَ الَّذِي تُيَسِّرُ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ جِبَالِ الذَّهَبِ الْمَحْرَامِ.

الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ يَا مُفَهِّمَ سُلَيْمَانَ فَهِّمْنَا، وَيَا مُعَلِّمَ إِبْرَاهِيمَ عَلِّمْنَا. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا فَهْماً رَشِيداً لِكِتَابِكَ، وَتَمَسُّكاً صَحِيحاً بِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ. اللَّهُمَّ قِنَا شُحَّ أَنْفُسِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَجَنِّبْنَا الْغَلَاءَ وَالْبَلَاءَ وَالِاحْتِكَارَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ كِنَانَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَوَفِّقْ رَئِيسَ الْجُمْهُورِيَّةِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَارْزُقْهُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَنَا وَشُرْطَتَنَا، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا الْأَبْرَارَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً سَخَاءً رَخَاءً.

عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

واللهُ تعالى أعلمُ، وباللهِ تعالى التوفيقُ والسَّدادُ – كتبه فضيلةُ الشيخِ أحمد إسماعيل الفشني. القاهرة في ٧ أبريل ٢٠٢٦م