8 أبريل، 2026
بستان النبوة
المقال الحادى عشر من سلسلة (هجرة النبى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
“بسم الله الرحمن الرحيم “
– (هذا كتاب محمد النبي رسول الله، وبين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعه، فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم “حالهم”، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم “أسيرهم” بالعروف والقسط بين المؤمنين).
ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يعدد طوائف الدولة الذين يعيشون معه، ويحدد واجبهم تجاه بعضهم البعض فقال:(وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث بن الخزرج، وبنو ساعدة، وبنو جشم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، وبنو الأوس على ربعتهم،وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا “مثقلا بدين” بينهم إلا أن يعطوه بالمعروف في فداعقل.
– وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
– وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم.
– ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر مؤمن كافرًا على مؤمن.
– وأن ذمة الله واحدة، يجبر عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
– وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرًا عليهم.
– وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
– وأن كل غازية “غزاة” غزت معنا، يعقب بعضها بعضًا.
– وأن المؤمنين يبئ “يتعادل” بعضهم عن بعض، بما نال دماءهم في سبيل الله.
– وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
– وأن لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول “يحجز” دونه على مؤمن.
– وأنه من اعتبط “قتل” مؤمنًا قتلا عن بينة فإنه قود “قصاص” به، إلا أن يرضى ولى المقتول بالعفو، وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا القيام عليه.
– وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا “قاتلا” أو يؤويه، وأن من نصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه عدل “فداء” ولا صرف “توبة”.
– وأن أهل المدينة مهما اختلفوا في شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد.
ثم تكلم عن اليهود وطوائفهم، وما لهم وما عليهم فقال: وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
– وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يوتغ “يهلك” إلا نفسه وأهل بيته. وأن ليهود بني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. – وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
– وأن لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف، وأن البر دون الإثم “الخبث”، وأن موالي ثعلبة كأنفسهم – وأن بطانة يهود “اليهود خارج المدينة” كأنفسهم.
– وأنه لا يخرج منهم أحد “خارج المدينة” إلا بإذن محمد.
– وأنه لا ينحجز “يمنع” على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته، إلا من ظلم، وأن الله على أبر هذا.
– وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.
– وأنه لا يأثم امرؤ بخليفة، وأن النصر للمظلوم.
– وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
– وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
– وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
– وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
– وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث “أمر منكر” أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
– وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
– وأن بينهم النصر من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه، ويلبسونه “يشتركون فيه” فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
– على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قَبِلَهم. – وأن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
– وأنه لا يحول دون هذا الكتاب ظالم أو آثم، وأنه من خرج من المدينة فهو آمن ومن قعد بالمدينة فهو آمن إلا من ظلم أو أثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله. [السيرة النبوية لابن هشام ج٣]
فهذه الوثيقة تؤكد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رئيس الدولة، وهو المرجع في التفسير والحكم والتنفيذ، وهو صلى الله عليه وسلم المسئول عن تحقيق أمن المدينة وسلامة المقيمين فيها، وهو صلى الله عليه وسلم المصدر الوحيد الذي يتلقى الوحي الإلهي، ويبلغه لهم وللناس أجمعين.
هذه هي الوثيقة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ألف وأربعمائة سنة، ترسخ المبادئ الإسلامية، وتقرر حرية العقيدة وحرية الرأي، وحرمة المال وحرمة الدماء، وتقضي على العصبية والطبقية، وبذلك سبق النبي صلى الله عليه وسلم إلى تقرير حقوق الإنسان من هذا الزمن البعيد .
والمتأمل في بنود هذه الوثيقة يدرك مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود، كما أنها اشتملت على جميع ما تحتاجه الدولة، وتنظم علاقة الأفراد بالدولة، وعلاقة بعضهم ببعض .
ولم تكن المسألة مسألة مرحلية ريثما يتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم القضاء على أعدائه في الخارج لكي يبدأ تصفية أعدائه بالداخل، كلا، إنما صدر هذا الموقف الحكيم السمح عن اعتقاد بأن اليهود باعتبارهم أهل كتاب سيتجاوبون مع الدعوة الجديدة، أو أنهم – على أقل الاحتمالات – سيكفون أيديهم عن إثارة المشاكل والعقبات ووضع العراقيل في طريق الدعوة الإسلامية وهي تبني دولتها الجديدة لكن الذي حدث بعد قليل من إصدار الوثيقة، وطيلة سني العصر المدني، غيّر مجرى العلاقات بين المسلمين واليهود وجمد البنود المتعلقة بهم، لا لشيء إلا لأنهم كعادتهم اختاروا الغدر على الوفاء، والخيانة على الأمانة. وبإبرام هذه المعاهدة وكتابة هذه الصحيفة صارت المدينة وضواحيها دولة، عاصمتها المدينة ورئيسها رسول الله صلى الله عليه وسلم والكلمة النافذة فيها للمسلمين، وبذلك أصبحت المدينة عاصمة حقيقية لدولة الإسلام الجديدة.
وبذلك تم تنظيم المجتمع في المدينة، وأصبح الطريق مفتوحًا لنشر دعوة الله في كل مكان، وبكل الوسائل الممكنة، ولذلك بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاد الدعوة بالسرايا والغزوات.