( الفذلكة ) في القرآن الكريم: بلاغة رفع التوهُّم وتثبيت المعنى


بقلم: الشيخ محمد هاشم

الفذلكة ليست أمرًا مرفوضًا أو سيئًا كما يظنّ بعض الناس، وكما يستعملها العامة.

بل هي أسلوبٌ لغويٌّ يقتضيه مقام الحال في مواضعه؛ لدفع توهُّمٍ غيرِ مرادٍ قد يتبادر إلى الذهن.

وقد وردت في القرآن الكريم وفي كلام العرب. فما معناها؟

قال في المعجم الرائد: الفذلكة معناها خلاصة ما فُصِّل أولًا من حسابٍ وغيره.

وقال المعجم الوسيط:

الفذلكة مجمل ما فُصِّل وخلاصته.

وجاء في معجم اللغة العربية المعاصر:

خلاصة مجمل ما فُصِّل، مثل: فذلكة الكلام، أو فذلكة الموضوع، أو فذلكة الكتاب.

والمعنى هنا:

أن تُذكَر أشياء مفصَّلة، ولكن هذا التفصيل قد يُوهِم غير المراد؛ لذا جاءت الفذلكة لرفع هذا التوهُّم.

مما سبق يتبيّن لنا أن كلمة «فذلكة» ليست – كما يظنّ بعض الناس – تكلّفًا أو تقعّرًا في الكلام، ولا أمرًا مرفوضًا.

بل هي ضرورة يقتضيها الحال، وهي أسلوب لغوي بلاغي من الأساليب العربية الفصيحة.

لنأخذ مثالًا من القرآن الكريم:

قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.

فقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ جمعٌ للثلاثة والسبعة، وهي نتيجة يدركها العقل لأول وهلة، من غير حاجة إلى ذكر الجمع بعدها، وذلك لسهولتها ويسرها في الذهن.

وهذا هو الذي يُسمّى بالفذلكة.

وقد يُسأل عن الحكمة في إظهارها مع ظهورها.

والحقّ أن للعلماء في بيان الحكمة من ذلك أقوالًا كثيرة، فاضت قرائحهم في جلائها، وتنافسوا في إبرازها.

اخترنا منها رأي الزجّاج؛ لأنه الأقرب – من وجهة نظرنا – إلى ما وقر في الذهن قبل الاطلاع عليه.

قال الزجّاج:

جُمِع العددان؛ لجواز أن يُظنّ أن عليه ثلاثةً أو سبعةً؛ لأن الواو قد تُستعمل بمعنى «أو»، كما في قوله تعالى: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فأزال قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ احتمالَ التخيير.

وهو قول أبي حيّان، وهو جارٍ على مذهب أهل الكوفة، لا على مذهب أهل البصرة؛ إذ الواو عندهم لا تأتي بمعنى «أو».

وشرح هذا الرأي:

أن الواو هنا قد تُفهم بمعنى «أو»، فكان لا بدّ من ذكر الجمع؛ لأن عدم ذكره قد يُحدِث توهّمًا بأن الواجب عليه ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع إلى بيته. فذكر الجمع هنا يرفع هذا التوهّم.

بدليل قوله تعالى: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فجاءت الواو هنا بمعنى «أو»، وليست للجمع. ولو أُريد الجمع لذُكرت فذلكة العدد، وجُمِع إلى التسعة.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ۖ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.

فقد ذُكر التفصيل أولًا:

ثلاثين ليلة، ثم أُتبِعَت بعشر. وكان مقتضى الظاهر أن يُفهَم أن المجموع أربعون، وهو أمر يدركه الذهن بسهولة.

لكن جاء بعد التفصيل التصريحُ بالعدد الإجمالي: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، فكانت هذه هي الفذلكة بعينها.

والحكمة في ذلك دفعُ توهّمٍ قد يطرأ على الفهم؛ إذ قد يُظن أن العشر زيادةٌ منفصلةٌ عن الثلاثين، أو ميقاتٌ آخر مستقل، فجاء التصريح بالأربعين ليدل على أن العشر متمّمةٌ للثلاثين، لا ميقاتًا جديدًا بعدها.

فالفذلكة هنا لم تأتِ لمجرد الجمع الحسابي، بل جاءت تقريرًا للمعنى، وتثبيتًا للمدّة في الذهن، وقطعًا لكل احتمالٍ غير مراد.

كما أن في قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ إشارةً إلى أن هذا العدد هو الحدّ الكامل الذي استقرّ عليه الموعد الإلهي، فكان في ذكر الأربعين تأكيدٌ لتمام الميقات، لا مجرد بيانٍ لمجموع عددٍ سبق تفصيله.

وهكذا يظهر أن الفذلكة في القرآن الكريم ليست حشوًا لفظيًّا، ولا تكرارًا لا فائدة فيه، وإنما هي أسلوب بلاغيٌّ مقصود، يُراد به تثبيت المعنى، ودفع التوهّم، وإحكام البيان، على نحوٍ يعجز البشر عن الإتيان بمثله.