القرآن الكريم ومخلوق اسمه المرأة
5 أبريل، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم / الدكتور : محمود حسن محمود
ادارة التحرير والترجمة والنشر بالمجلس الاعلى للشئون الاسلامية
يُعدُّ الموقفُ القرآني من المرأة أحدَ أعظمِ التحولاتِ المفاهيمية في التاريخ الإنساني، إذ لم يكتفِ القرآنُ الكريم بانتشالِ المرأةِ من ركامِ الموروثاتِ الجاهلية التي حصرتْ وجودَها في نطاقِ التبعيةِ أو التهميش، بل أرسى دعائمَ فلسفةٍ قانونيةٍ وأخلاقيةٍ تجعلُ منها كيانًا إنسانيًا كاملَ الأهلية، وشريكًا أصيلًا في عمارةِ الأرضِ وقيادةِ المجتمع.
أولاً: وحدة الأصل والمساواة في التكريم :
يؤكد الخطاب القرآني منذ اللحظة التأسيسية على وحدة الأصل البشري بين الرجل والمرأة، نابذًا أيَّ تمايزٍ بيولوجي كذريعةٍ للانتقاص من الكرامة الإنسانية. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء: 1). هذا التأسيسُ على “النفس الواحدة” يقطعُ الطريقَ أمامَ أيّ نظرةٍ دونية، ويجعلُ التكريمَ القرآني للمرأةِ قيمةً مطلقةً لا ترتهنُ بوضعٍ اجتماعي أو دورٍ وظيفي.
ثانياً: الأهلية القانونية والاستقلال المالي :
على صعيدِ الحقوقِ المدنية، منحَ القرآنُ للمرأةِ شخصيةً قانونيةً مستقلةً لم تكن تعرفُها النظمُ القانونيةُ في ذلك العصر؛ فقد أقرَّ لها حقَّ التملك، والتصرفِ المالي، والميراث. إنَّ تشريعَ الميراثِ للمرأةِ لم يكن مجردَ إجراءٍ مالي، بل كان إعلانًا لانتهاءِ عصرِ “المرأةِ المورُوثة” وانبثاق عصرِ “المرأةِ الوارثة” التي تملكُ ذمتَها الماليةَ وتتصرفُ في شؤونِها بإرادةٍ كاملةٍ ومستقلة.
ثالثاً: التكليفُ المشترك والولايةُ الإيمانية :
لم يقفِ التكريمُ القرآني عند حدودِ الحقوقِ المادية، بل سما بالمرأةِ إلى ذروةِ المسؤوليةِ الأخلاقيةِ والاجتماعية، حيث جعلها شريكاً كاملاً في الخطابِ الإلهي والتكليفِ الشرعي. ويتجلى ذلك بوضوحٍ في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (التوبة: 71). إنَّ هذا النصَّ يُرسي دعائمَ “الولايةِ المجتمعية” المشتركة، ويمنحُ المرأةَ الحقَّ الكاملَ في الإصلاحِ العام، وإبداءِ الرأي، والمشاركةِ في صياغةِ القيمِ الحاكمةِ للمجتمع، باعتبارها صانعةً للمعروفِ وقوةً حيويةً في البناءِ الحضاري.
رابعاً: دورُ المرأة في النسق القصصي القرآني :
لا ينظرُ القرآنُ للمرأةِ كطرفٍ منعزلٍ عن قضايا الأمة؛ ففي القرآنِ إشاراتٌ واضحةٌ لأدوارِ المرأةِ في المجالاتِ السياسية، والدعوية، والعلمية. من استعراضِ قصةِ “ملكةِ سبأ” التي أدارتْ دولتها بحكمةٍ وشورى، إلى قصةِ “مريمَ ابنةِ عمران” التي مثّلتْ نموذجَ الاصطفاءِ الروحي، وصولًا إلى “أمِّ موسى” التي كانتْ قراراتُها جزءًا من خريطةِ الأحداثِ التاريخية؛ نجدُ أنَّ القرآنَ قدّمَ المرأةَ كفاعلٍ إيجابيٍّ مؤثر في مسيرةِ الحياة.
والخلاصة :
إنَّ المتأملَ في شأنِ المرأةِ في القرآنِ الكريم يدركُ يقيناً أنَّ النصَّ الإلهي لم يأتِ ليرسمَ حدوداً عازلةً بين الجنسين، بل جاء ليصيغَ عقداً اجتماعياً وروحياً قائماً على التكاملِ والكرامةِ المتساوية. لقد منحَ القرآنُ للمرأةِ وجوداً يتجاوزُ الوظيفةَ النمطية، ليرقى بها إلى مرتبةِ الشراكةِ الكاملةِ في حملِ أمانةِ الاستخلاف. وما هذه التشريعاتُ والقصصُ والمواقفُ إلا تجسيداً لرؤيةٍ حضاريةٍ ترى في المرأةِ ركيزةً لا يستقيمُ بناءُ الأمةِ إلا بصلابتِها، وعقلاً لا تكتملُ شورى المجتمعِ إلا بحكمتِه، وروحاً لا تفيضُ رحمةُ العالمين إلا برعايتِها. إنَّ استعادةَ هذه الرؤيةِ القرآنيةِ الأصيلة هي المدخلُ الحقُّ لبناءِ مجتمعٍ متوازنٍ، يعيدُ للمرأةِ مكانتَها التي ارتضاها لها خالقُها، بعيداً عن غلوِّ التأويل أو جفاءِ التقاليد.