اهتمام الاسلام بالايتام
5 أبريل، 2026
بناء الأسرة والمجتمع
بقلم الشيخ : جمال عبدالحميد ابراهيم
عضو لجنة صانعى السلام والمنظمة العالمية لخريجى الازهر
قد اهتم الإسلام بالأيتام اهتمامًا بالغًا، وجعل العناية بهم مظهرًا من مظاهر الرحمة والبر، بل قرن الله شأنهم في القرآن بحقوق المستضعفين والمساكين، فقال: ﴿كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ الفجر:١٧-١٨.
لقد أمرتنا الشريعة الإسلامية برعاية الضعفاء وحمايتهم، ومن الضعفاء: الأيتام.
ومن اليتامى وللأسف الشديد: من فقدَ والده ووالدته وهم أحياء وقد انشغلوا عنه. فيتامى اليوم هم رجال الغد. يقول الله تعالى: (وَيَسْئلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) [البقرة: ٢٢٠].
#كما كان التوجيه الإلهي بالحفاظ على حقوق الأيتام ورعايتهم، فمَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهَرِ والحُمَّى.
فما أجمل أن يهتمّ المسلم بيتيم يرعاه، ويكفله، ويقوم على رعايته، رعاية مادية ومعنوية، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يعوّض اليتامى عن آبائهم.
يعتقد البعض أنّ اليتيم بحاجة إليهم، بينما هم ونحن بحاجة إلى اليتيم حقيقةً، ألا تذكرون معي قول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلّم :أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى.
فمَن إذًا بحاجة ماسّة إلى اليتيم ليتقرّب من خلاله إلى الله، ويطلب من ناحيته مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الجنّة.
فماذا يمكن أن نقدّم لليتيمِ؟ هذا سؤال من الأهمية بمكان، وأقترح القيام بالتالي:
١- كفالة اليتيم معنويًّا قبل كفالته ماديًّا، والكفالة هي: القيام بأموره والسعي في مصالحه من طعامه وكسوته وتنمية ماله إن كان له مال، وإن كان لا مال له أنفق عليه وكساه ابتغاء وجه الله تعالى، وتكون الكفالة المعنوية بالعطف عليه، وتشجيعه بالكلمة الطيبة، وملاعبته، ومرافقته في بعض أمورِ حياتِه؛ فليست الكفالة قيمة مالية يلقيها المسلم ليتيم ثم ينصرف.
٢- الابتعاد عن مال اليتيم قدر الاستطاعة والتعفف عن الأخذ منه، قال تعالى محذِّرًا: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) [النساء:١٠]. فأكل مال اليتامى من الموبقات، المهلِكَات؛ فعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: اجتنبوا السّبع الموبقات،قالوا: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، بينما الإحسان إلى اليتامى من العبادات والمأمورات، قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) [النساء: ٣٦].
٣- الحذَر من قَهْرِ اليتَامَى باستخدامِهم في الخِدْمَة وتحميلهم ما لا يطيقون، قال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) [الضحى: ٩].
بل ينبغي السعي في إصلاحِ شأنِه كلِّه، تعليميًّا وتربويًّا وإيمانيًّا وتعبديًّا.
٤- من يبحث عن لين القلب وإزالة قساوته فليحرص على العطف على اليتيم والمسح على رأسه؛ فعن أبي الدرداء أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلّم رجل يشتكي قسوة قلبه فقال له: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك.
وعلى هذا: فإن كفالة الأيتام ليست مجرد توفير المال لهم، بل هي تربية واحتضان وتعليم،فمن فقد أباه فقد الركن الذي يسنده ويوجهه، لذا ينبغي أن يُعوَّض عن هذا النقص بالحب والرعاية والتربية السليمة، كمثل كفالتهم داخل الأسرة، بأن يضم اليتيم إلى بيت مسلم يعامله كأحد أبنائه، وهذا هو الأفضل، ويمكن رعايتهم في مؤسسات متخصصة: بشرط أن تُدار بحب ورعاية صالحة، لا مجرد مأوى وغذاء، فضلا عن التعليم والتأهيل، فليس المقصود من الكفالة مجرد الإنفاق، بل الأهم هو إعدادهم ليكونوا أفرادًا نافعين في المجتمع، مع توفير الدعم النفسي والاجتماعي، حتى لا يشعر اليتيم بالحرمان، بل يعيش حياة كريمة كسائر الأطفال.
ومن فوائد كفالة اليتيم ما يأتي:
أولا:صحبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في الجنّة، وكفى بذلك شرفا وفخرا.
ثانيا :تلك صدقة يضاعف لها الأجر إن كانت على الأقرباء (أجر الصّدقة وأجر القرابة).
ثالثاً:كفالة اليتيم والإنفاق عليه دليل طبع سليم وفطرة نقيّة.
رابعا:كفالة اليتيم والمسح على رأسه وتطييب خاطره يرقّق القلب ويزيل عنه القسوة.
خامسا: كفالة اليتيم تعود على الكافل بالخير العميم في الدّنيا فضلا عن الآخرة.
سادسا: كفالة اليتيم تساهم في بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهيّة، وتسوده روح المحبّة.
سابعا:كفالة اليتيم تزكي المال وتطهّره وتجعله نعم الصّاحب للمسلم.
ثامناً :في كفالة اليتيم بركة تحلّ على الكافل وتزيد من رزقه.
ولى رسالتان:
رسالتي إلى اليتيم، ورسالة إلى أم اليتيم.
أما رسالتى إلى اليتيم فأقول له:اعلم بأنَّ اليُتْم ليس نقصًا ولا عيبًا في ذاتِك؛ وسيدي وسيدك محمد صلى الله عليه وسلم كان يتيمًا، مات والده وهو لا زال جنينًا في بطن أمّه، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، حتى كفله جده الذي مات ولديه من الأعوام ثمانية، وقد قال المولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)، فمعيتك مع الله، ولن يخذل الله محرومًا مهمومًا؛ فيده ممدودة إليك، وخزائنه ملأى لا تنفد فأبشِر ولا تحزن.
كما يجب أن تتذكّر أن أناسًا ولدوا أيتامًا وتميزوا وتفوقوا وكانت لهم الريادة بين عالم الناس، وعلى رأسهم: سيد الناس وأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم ، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام البخاري، والإمام الشافعي،وعبدالرحمن الداخل الملقب بصقر قريش، وابن الجوزي، وغيرهم من المعاصرين والفلاسفة والمشاهير الكثير والكثير، فلم يكن اليُتم سببًا يومًا من الأيّام أو مبرّرًا في الانحراف أو الانجراف لفتن الحياة وشهواتها..
ورسالة إلى أم اليتيم: أقول لها: فتحمّلي فأنت رفيقة النبيّ صلى الله عليه وسلَّم على باب الجنّة كما ثبت في بعض الروايات.
رسالتي إلى كافل اليتيم:أنت مَن تحتاج إلى اليتيم وليس العكس؛ لضمان الثواب الذي بشّر به المصطفى الحبيب، إكرام اليتيم وكفالته حق له لا تفضل منك عليه..
والإكرام ليس فقط في قطع مال لكفالته؛ بل لا بد من الإكرام الشامل كالمسح على رأس يتيم، إدخال سرور على قلبه، عدم قهر يتيم أو إيذائه أو القسوة به.
كفالة اليتيم منها ما هو فضل وما هو أفضل، ومنها ما هو خير وما هو أخير، وإذا كان كاملا فهناك ما هو أكمل، فالأفضل والأخير والأكمل أن يباشر المسلم بنفسه الكفالة ماديا وتربويًّا.. تعينه بقوّتك…
ابحث عن يتيم، فتّش عن مهموم من أيتام المسلمين، وقُم بالسعي في إصلاح شأنه كلّه. (قل إصلاح لهم خير)، فما يتحقق به الإصلاح من كفالة مادية أو معنوية ككلمات محفّزة له، ومتابعة وعاطفة، من شأنه أن يحقق الخير والفلاح.
إنّ في واقعنا اليوم نجد الآلاف من الأيتام يعانون الفقر والحرمان، وكم من أطفال فقدوا آباءهم في الحروب والصراعات والأوبئة، فأصبحوا بلا راعٍ ولا كفيل، وإن لم تتكاتف الأمة لرعايتهم فسينشأ جيل مشرد، بلا تعليم ولا تربية، وقد يكون عرضة للانحراف والجريمة. لذا، وجب على الأفراد هو يتيم، أو المساهمة في بناء مؤسسات لرعايتهم، أو تقديم العون لهم بطرق مختلفة.