التَّنَمُّرُ جَرِيمَةٌ بِلَا دِمَاءٍ… لَكِنَّهَا تَقْتُلُ القُلُوبَ


بقلم د . محمد سعد
الواعظ بالأزهر الشريف

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَمَرَ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وَنَهَى عَنِ الأَذَى وَالفُحْشِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي بُعِثَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَقَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ».

أَمَّا بَعْدُ…
فَإِنَّ التَّنَمُّرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ عَابِرَةٍ، وَلَا مَوَاقِفَ ضَاحِكَةٍ، بَلْ هُوَ جَرِيمَةٌ خَفِيَّةٌ، تَتَسَلَّلُ إِلَى القُلُوبِ فَتُؤْذِيهَا، وَتَتَغَلْغَلُ فِي النُّفُوسِ فَتُتْعِبُهَا. هُوَ جَرِيمَةٌ بِلَا دِمَاءٍ، وَلَكِنَّهَا تَسْفِكُ مَشَاعِرَ، وَتُحَطِّمُ كِبْرِيَاءَ، وَتَغْرِسُ الأَلَمَ فِي صُمُوتٍ قَاتِلٍ.
كَمْ مِنْ كَلِمَةٍ قَالَهَا إِنْسَانٌ غَافِلٌ، ظَنَّهَا هَيِّنَةً، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ! وَكَمْ مِنْ نَفْسٍ انْكَسَرَتْ بِسَبَبِ سُخْرِيَةٍ، أَوْ لَقَبٍ جَارِحٍ، أَوْ مُقَارَنَةٍ مُؤْلِمَةٍ!

قَالَ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾.

فَالإِسْلَامُ لَمْ يَكْتَفِ بِتَحْرِيمِ الأَذَى الجَسَدِيِّ، بَلْ حَرَّمَ كُلَّ مَا يُؤْذِي القُلُوبَ وَيَجْرَحُ المَشَاعِرَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، فَجَعَلَ سَلَامَةَ اللِّسَانِ مِيزَانًا لِصِدْقِ الإِسْلَامِ.

نَمَاذِجُ مُضِيئَةٌ مِنْ حَيَاةِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ:

لَقَدْ رَبَّى النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى تَعْظِيمِ مَشَاعِرِ الآخَرِينَ، وَتَجَنُّبِ كُلِّ مَا فِيهِ أَذًى أَوْ تَنَقُّصٌ.

فَهَذَا سَيِّدُنَا بلال بن رباح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا عَيَّرَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِأُمِّهِ، غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». فَكَانَ ذَلِكَ دَرْسًا عَظِيمًا: أَنَّ التَّنَقُّصَ وَالتَّعْيِيرَ مِنْ أَخْلَاقِ الجَاهِلِيَّةِ، لَا مِنْ خُلُقِ المُؤْمِنِينَ.

وَهَذَا سَيِّدُنَا عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَضَحِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ». فَلَمْ يَكُنِ المِقْيَاسُ شَكْلًا وَلَا مَظْهَرًا، بَلْ إِيمَانًا وَقِيمَةً عِنْدَ اللَّهِ.
وَانَظَرُوا إِلَى تَوَاضُعِ سَيِّدِنَا أبو بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَيْفَ كَانَ لَا يُؤْذِي أَحَدًا، وَلَا يَرْفَعُ نَفْسَهُ عَلَى أَحَدٍ، وَيَخَافُ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَلِمَةٍ قَالَهَا.

وَكَذَلِكَ سَيِّدُنَا عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي كَانَ شَدِيدًا فِي الحَقِّ، لَكِنَّهُ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ، يَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِيهَا ظُلْمٌ لِغَيْرِهِ.

أَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ القِيَمِ؟
إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ اليَوْمَ يَتَّخِذُونَ التَّنَمُّرَ مَادَّةً لِلضَّحِكِ، وَوَسِيلَةً لِجَذْبِ الاِنْتِبَاهِ، فِي المَدَارِسِ، وَالشَّوَارِعِ، وَعَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ. وَقَدْ يَكْتُبُ الإِنْسَانُ كَلِمَةً، أَوْ يُرْسِلُ تَعْلِيقًا، لَا يُلْقِي لَهُ بَالًا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.

وَقَدْ يَكُونُ التَّنَمُّرُ بِالسُّخْرِيَةِ مِنَ الشَّكْلِ، أَوِ اللَّوْنِ، أَوِ الصَّوْتِ، أَوِ الحَالِ المَادِّيِّ، أَوْ حَتَّى بِالطَّاعَةِ وَالاِلْتِزَامِ! وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الأَذَى المُحَرَّمِ.

آثَارُ التَّنَمُّرِ:
إِنَّ التَّنَمُّرَ لَا يَمُرُّ بِلَا أَثَرٍ، بَلْ يَتْرُكُ فِي النُّفُوسِ جُرُوحًا عَمِيقَةً؛

فَقَدْ يُفْقِدُ الإِنْسَانَ ثِقَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَيَدْفَعُهُ إِلَى العُزْلَةِ، وَيَزْرَعُ فِيهِ الحُزْنَ وَالخَوْفَ. وَكَمْ مِنْ طَالِبٍ فَشِلَ، وَكَمْ مِنْ مَوْهِبَةٍ انْطَفَأَتْ، بِسَبَبِ كَلِمَاتٍ جَارِحَةٍ!

وَاجِبُنَا:
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَلْسِنَتِكُمْ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الكَلِمَةَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ عَنْهَا أَمَامَ اللَّهِ.

وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ رَطْبَةً بِالذِّكْرِ، وَقُلُوبَكُمْ مَلِيئَةً بِالرَّحْمَةِ، وَكُونُوا مِمَّنْ يَجْبُرُونَ الخَوَاطِرَ لَا يَكْسِرُونَهَا.

وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»، فَلِمَ لَا نَكُونُ أَصْحَابَ صَدَقَاتٍ جَارِيَةٍ بِكَلِمَاتِنَا؟

خَاتِمَةٌ:
إِنَّ التَّنَمُّرَ جَرِيمَةٌ بِلَا دِمَاءٍ… لَكِنَّهَا تَقْتُلُ القُلُوبَ، وَتُثْقِلُ المَوَازِينَ بِالسَّيِّئَاتِ. فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ: أَتَكُونُ مِمَّنْ يُؤْذُونَ أَمْ مِمَّنْ يُصْلِحُونَ؟

اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الأَذَى، وَقُلُوبَنَا مِنَ القَسْوَةِ، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ.

وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.