سن الستين بداية الحساب لا نهاية العمر

بقلم الشيخ : أبو عبيدة منجد بن فضل الحداد إمام وخطيب مسجد الحسين بن علي

أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ بَلَغَ السِّتِّينَ

أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَحَدِيثُنَا اليَوْمَ عَنْ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللهِ  عَلَى الإِنْسَانِ؛ وَهِيَ أَنْ يُبَلِّغَهُ اللهُ  سِنَّ السِّتِّينَ مِنَ العُمُرِ، وَلَكِنَّ الأَهَمَّ هُوَ: كَيْفَ يَسْتَغِلُّهَا؟.

فَإِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ تَجَاوَزُوا السِّتِّينَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ، اسْمَعُوا مَاذَا يَقُولُ النَّبِيُّ ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : ” أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً “.” صحيح البخاري: 6419 “.

” أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ “؛ يَعْنِي: أَنَّ اللهَ لَمَّا بَلَّغَ هَذَا الإِنْسَانَ هَذَا العُمْرَ، فَقَدْ قَطَعَ عَنْهُ العُذْرَ، فَلَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ أَمَامَ اللهِ  فِي ارْتِكَابِهِ لِلْمَعَاصِي وَبُعْدِهِ عَنِ الطَّاعَاتِ.

فَمَاذَا يُرِيْدُ الإِنْسَانُ بَعْدَ السِّتِّينَ؟ إِذَا أَكْرَمَ رَبُّ العَالَمِينَ  المَرْءَ بِبُلُوغِ هَذَا العُمْرِ، فَالوَاجِبُ عَلَيْهِ -إِنْ كَانَ عَاقِلًا- أَنْ يَسْتَغِلَّ مَا تَبَقَّى مِنْ عُمْرِهِ فِي طَاعَةِ اللهِ ؛ أَنْ يَقُومَ بِالصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا فِي بُيُوتِ اللهِ ، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ اللهَ  لَمْ يُبْقِ لَكَ عُذْرًا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنْ أَنْتَ بَلَغْتَ السِّتِّينَ.

فَمِنَ المَصَائِبِ أَنْ تَجِدَ بَعْضَ النَّاسِ يَبْلُغُ هَذَا العُمْرَ وَلَكِنْ – مَعَ الْأَسَفِ – يَكُونُ مَشْغُولًا فِي الدُّنْيَا، هَمُّهُ الدُّنْيَا فَقَطْ. بَعْضُ النَّاسِ بَلَغَ السِّتِّينَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَجْرِي خَلْفَ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَرُبَّمَا لَا يَعْرِفُ لِبُيُوتِ اللهِ  بَابًا، وَرُبَّمَا لَا يَعْرِفُ لِسَانُهُ ذِكْرًا للهِ .

وَهَذِهِ مِنَ المَصَائِبِ؛ أَنْ يُكْرِمَكَ اللهُ بِالصِّحَّةِ، وَبِالفَرَاغِ، وَبِالعَافِيَةِ، وَأَنْ تَصِلَ إِلَى هَذَا العُمْرِ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ طَاعَةٍ للهِ .

لِمَاذَا عُمْرُ السِّتِّينَ؟ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى هَذَا الوَقْتُ مِنْ عُمُرِهِ؛ عَاشَ وَرَأَى فُلَانًا مَاتَ – غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا – فَرَأَى عَاقِبَةَ ذَلِكَ أَنَّهُ تَرَكَ أَمْوَالَهُ وَذَهَبَ، وَرَأَى عَاقِبَةَ المُسْتَقِيمِينَ عَلَى أَمْرِ اللهِ  أَنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا، وَكَذَلِكَ العُصَاةُ ذَهَبُوا، فَمَاذَا يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ رَأَى ذَلِكَ كُلَّهُ؟!.

إِذَنْ – أَيُّهَا الأَحِبَّةُ – هَذَا العُمْرُ هُوَ مَحَطَّةُ الِانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ، فَلَا بُدَّ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَعِدَّ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ  بِالإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ؛ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالصَّدَقَاتِ.

وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَصِلَ إِلَى هَذَا العُمْرِ وَيَأْتِي بِصَلَاةٍ وَقِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَلَكِنَّ لِسَانَهُ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- يَفْرِي فِي أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ، لَا يَتْرُكُ أَيَّ إِنْسَانٍ مِنْ شَرِّهِ؛ غِيبَةً وَنَمِيمَةً وَكَذِبًا وَافْتِرَاءً، وَانْتِهَاكًا لِحُرُمَاتِ اللهِ .

وَهَذَا وَاللهِ لَوْ جَاءَ بِحَسَنَاتٍ كَأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، يَجْعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنْثُورًا؛ كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ  فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ ثَوْبَانَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ” لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، ‌فَيَجْعَلُهَا ‌اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا لِكَيْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: ” أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا “.” صحيح الترغيب والترهيب: 2346 “

فَالوَاِجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى طَاعَةِ اللهِ  قَبْلَ بُلُوغِ هَذَا العُمْرِ، وَأَنْ يَتَدَارَكَ نَفْسَهُ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، فَمَا يَزْرَعُهُ اليَوْمَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يَحْصُدُ ثِمَارَهُ فِي الآخِرَةِ.

أَسْأَلُ اللهَ  أَنْ يُثَبِّتَنِي وَإِيَّاكُمْ عَلَى القَوْلِ الثَّابِتِ، وَأَنْ يُفَقِّهَنَا فِي دِينِنَا، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ – بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ -.