إذا اشتدت الفتن فإلى الله الملجأ

بقلم :أ.د. محمد جمال أبو سنينة
مدير المركز القانوني لفض النزاعات
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
قاضي محكمة الاستئناف الشرعية سابقاً

بسم الله الرحمن الرحيم،
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد..

يا أيها الذين آمنوا، يا عباد الله في كل مكان:

لقد أظلتكم فتنٌ كقطع الليل المظلم، واضطربت السبل، واشتدت المحن، وأشعلت الحروب نيرانها حتى كاد الأمن أن يرتحل، وكادت القلوب أن تزلزل من شدة ما ترى وتسمع. فلا تظنوا أن ما يجري عبثًا، ولا أن هذه الأحداث صدفة؛ فإنها سنّة الله في الابتلاء، يُمَحِّص بها القلوب، ويُميز بها الصادق من غيره.

قال الله تعالى:
“أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” [العنكبوت:2]

وفي مثل هذه الأزمنة العصيبة، يظهر الفرق الحقيقي:
ليس في وقوع الفتنة… بل في موقفك منها.

فكم من أناسٍ كانوا في رخاء، فأصبحوا في بلاء، وكم من قلوبٍ كانت مطمئنة فاهتزت… لكن الثابتين هم الذين عرفوا أن الدنيا دار ابتلاء لا دار بقاء.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
“بادروا بالأعمال الصالحة فتنًا كقطع الليل المظلم” (رواه مسلم)

فيا عباد الله:
اثبتوا… ولو اضطرب كل شيء حولكم
واصبروا… فإن الصبر قوة لا يملكها إلا الصادقون
ولا تسمحوا للفتن أن تغيّر قلوبكم، بل اجعلوها تزيدكم قربًا من الله

ليس المطلوب أن تغيّروا العالم…
بل أن لا يتغيّر قلبكم.

يا من تؤلمهم مشاهد الدماء، وتُحزنهم أخبار اليتامى والمستضعفين:
لا تيأسوا من رحمة الله، ولا تقنطوا من روحه، واجعلوا الدعاء سلاحكم؛ فهو في زمن الفتن أعظم نجاة. ادعوا لإخوانكم، وكونوا عونًا للخير، ولو بالكلمة الطيبة.

وإياكم والفتنة في أنفسكم:
لا تتبعوا كل ناعق، ولا تنخدعوا بدعوات الفرقة والتطرف، وكونوا دعاة إصلاح لا وقود نزاع. قال الله تعالى:
“ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” [فصلت:34]

أطفئوا نار الفتنة في قلوبكم أولًا… بالعفو، وبالصبر، وبحسن الظن بالله.

وتذكروا:
أن الجنة حُفّت بالمكاره، وأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن بعد كل ليلٍ مظلم فجرًا لا بد أن يبزغ.

اقتدوا بالأنبياء:
بصبر أيوب، وثبات يوسف، ويقين محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي خضم هذا الاضطراب كله…
تمسكوا بكتاب ربكم، وسنة نبيكم، فإن الطرق تتفرق، والآراء تتصادم، لكن الحق واحد لا يتعدد.

كونوا من الذين:

إذا خاف الناس… اطمأنوا بالله

وإذا ضلّ الناس… اهتدوا بالحق

وإذا اشتدت المحن… ازدادوا إيمانًا وثباتًا

واعلموا أن الله لا ينسى دمعة مظلوم، ولا دعاء مكسور، ولا صبر مؤمن.

اللهم ثبّتنا على الحق، واربط على قلوبنا، واجعلنا من الصابرين، واحفظ المسلمين في كل مكان، وارفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجمع كلمتنا على الهدى.

والحمد لله رب العالمين.