“من لا يقفز فهو مسلم”.. هتاف في المدرجات يكشف ما تخفيه الذاكرة
3 أبريل، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشيخ : حسين السمنودي
لم تكن تلك العبارة التي دوّت في مدرجات إحدى مباريات كرة القدم بين إسبانيا ومصر مجرد هتاف عابر يُقال تحت وطأة الحماس، بل كانت جملة مشحونة بما هو أعمق من لحظة كروية، وأكثر خطورة من مجرد سلوك جماهيري طائش. عبارة قصيرة في كلماتها، لكنها ثقيلة في معناها: “من لا يقفز فهو مسلم”… وكأن القفز صار معيارًا للانتماء، وكأن الإسلام بات تهمة تُستخدم للسخرية، لا هوية تُحترم.
في ظاهر الأمر، يبدو المشهد بسيطًا: جماهير تقفز وتردد هتافًا جماعيًا لإثارة الحماس. لكن في باطنه، هناك شيء آخر يتحرك، شيء قديم، عالق في الذاكرة، لم يندثر رغم مرور القرون. فمثل هذه العبارات لا تولد من فراغ، ولا تخرج إلى العلن إلا إذا وجدت جذورًا تغذيها، وتاريخًا يغذي استمرارها.
وحين نحاول فهم هذا المشهد، لا يمكن أن نعزله عن سياقه التاريخي. فإسبانيا، التي كانت يومًا قلب الأندلس، لا تزال تحمل في ذاكرتها الجماعية آثار تلك المرحلة بكل ما فيها من صراعات وتحولات. سقوط الأندلس لم يكن مجرد نهاية حكم، بل كان بداية لرواية جديدة كُتبت على أنقاض حضارة امتدت لقرون، وترك رحيل المسلمين عنها فراغًا لم يُملأ فقط جغرافيًا، بل نفسيًا وثقافيًا أيضًا.
لقد غادرت الأجساد، لكن الحكايات بقيت. بقيت في الكتب، في القصص، في الوعي الشعبي، وربما في اللاوعي أيضًا. وتحولت تلك المرحلة لدى بعض التيارات إلى رمز لصراع لم ينتهِ، بل تغيّر شكله فقط. ومن هنا، يمكن فهم كيف يُستدعى “المسلم” في هتاف رياضي، لا باعتباره إنسانًا، بل كصورة ذهنية مُحمّلة بإرث طويل من التوتر.
ومع ذلك، فإن الظلم الأكبر يكمن في التعميم. فليس كل من في المدرجات يفكر بهذه الطريقة، وليس كل المجتمع الإسباني يحمل هذا الشعور. بل إن مثل هذه الهتافات غالبًا ما تصدر عن فئة محدودة، تجد في الضجيج الجماهيري فرصة لإخراج ما بداخلها من أفكار، قد لا تجرؤ على إعلانها في سياقات أخرى.
لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في من قال، بل في أن يُقال هذا دون وعي بحجمه، أو دون إدراك لما يحمله من إساءة. فحين تتحول كلمة “مسلم” إلى أداة للسخرية، فإننا لا نكون أمام مجرد خطأ عابر، بل أمام خلل في المفهوم، وانحراف في ميزان القيم.
إن الرياضة، التي خُلقت لتقريب الشعوب، تتحول في مثل هذه اللحظات إلى منصة لإعادة إنتاج الكراهية. والملعب، الذي يفترض أن يكون مساحة للتنافس الشريف، يصبح ساحة تُستدعى فيها صراعات التاريخ، ويُعاد فيها تدوير خطاب الإقصاء بشكل جديد.
لكن، ورغم كل ذلك، لا يمكن أن نغفل الوجه الآخر للصورة. فالعالم اليوم لم يعد كما كان، ولم تعد الشعوب كتلة واحدة تُقاد بفكرة واحدة. هناك وعي يتشكل، وأصوات ترتفع، ورفض يتزايد لمثل هذه السلوكيات، سواء في أوروبا أو غيرها. وهناك من يدرك أن الماضي، مهما كان ثقيلًا، لا يجب أن يكون وقودًا لإشعال الحاضر.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل ما زالت القلوب مليئة بالكره لكل ما هو مسلم؟
ربما في بعض الزوايا، نعم…
لكن في زوايا أخرى كثيرة، هناك احترام، وتقدير، وتعايش حقيقي.
الحقيقة ليست سوداء بالكامل، لكنها أيضًا ليست بيضاء كما نتمنى.
إن ما حدث لا يجب أن يُقابل برد فعل لحظي ينتهي بانتهاء المباراة، بل ينبغي أن يكون جرس إنذار. فالعالم الذي يسمح بتحويل الدين إلى أداة للسخرية، هو عالم يحتاج إلى مراجعة نفسه قبل أن تتسع دوائر الكراهية فيه بشكل لا يمكن احتواؤه. وما بين هتاف يُقال في لحظة، وأثرٍ يبقى في النفوس لسنوات، تتشكل فجوة خطيرة، إن لم تُعالج، تحولت إلى واقع مرير.
وماذا بعد ذلك؟
هل نترك مثل هذه الهتافات تمر مرور الكرام، وكأنها مجرد ضجيج عابر في مدرجات مزدحمة؟ أم نقف أمامها وقفة تأمل صادقة، نعيد فيها قراءة ما يحدث من حولنا، لا بعيون الغضب فقط، بل بوعيٍ يدرك أن المعركة الحقيقية ليست في ملعب كرة، بل في تشكيل الوعي الإنساني ذاته؟
وماذا بعد ذلك؟
بعد ذلك يأتي دور الوعي… دور الكلمة… دور الفكر الذي لا يكتفي بالإدانة، بل يسعى للفهم والتصحيح. يأتي دور الإعلام الذي لا ينقل الحدث فقط، بل يفسره ويضعه في سياقه الصحيح، ويكشف جذوره دون تهويل أو تبرير. ويأتي دور المؤسسات التعليمية والثقافية التي يجب أن تعيد بناء الصورة الحقيقية للإنسان، بعيدًا عن التصنيفات الجاهزة والأحكام المسبقة.
وماذا بعد ذلك؟
بعد ذلك يجب أن نُدرك نحن – قبل غيرنا – أن قوة أي أمة لا تُقاس بردود أفعالها الغاضبة، بل بثباتها على قيمها. أن الإساءة لا تُواجه بإساءة، وأن الانحدار لا يُقابل بالانحدار، بل بالارتقاء. فحين يُستخدم “المسلم” كأداة للسخرية، فإن الرد الحقيقي لا يكون في الصراخ، بل في تقديم نموذج يُجبر الآخر على احترامه، حتى وإن اختلف معه.
وماذا بعد ذلك؟
بعد ذلك يجب أن نُعيد طرح السؤال الأكبر: كيف نُعرّف أنفسنا للعالم؟ هل نترك الآخرين يرسمون صورتنا كما يشاؤون، أم نُقدم نحن صورتنا الحقيقية بأفعالنا وأخلاقنا وسلوكنا؟ فالمعركة لم تعد فقط مع من يهتف، بل مع الصورة التي قد يصدقها من يسمع هذا الهتاف.
وماذا بعد ذلك؟
بعد ذلك لا بد أن نتوقف عن اجترار الماضي كجُرح فقط، وأن نحوله إلى درس. فالأندلس ليست قصة نبكي عليها، بل تجربة نتعلم منها. تعلمنا أن الحضارة تُبنى بالعلم، وتُحفظ بالعدل، وتضيع حين نغفل عن أسباب قوتها. فإذا كان البعض لا يزال يعيش على ذكريات الصراع، فعلينا نحن أن نعيش على قيم البناء.
وماذا بعد ذلك؟
بعد ذلك يبقى الأمل… نعم، الأمل في عالم أكثر وعيًا، أكثر عدلًا، أكثر احترامًا للاختلاف. عالم يدرك أن التنوع ليس تهديدًا، بل ثراء، وأن الإنسان لا يُقاس بدينه أو لونه أو أصله، بل بما يقدمه من خير للإنسانية.
وفي النهاية، ستظل مثل هذه الهتافات تظهر بين الحين والآخر، لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا قيلت؟
بل: كيف نرد عليها؟
هل نسمح لها أن تجرّنا إلى مستواها؟
أم نرتقي نحن فوقها، لنثبت أن القيم لا تهتز بهتاف، وأن التاريخ لا يُختزل في جملة، وأن الإنسان أكبر من أن يُهان بكلمة؟
تلك هي الإجابة… وذلك هو الطريق… وما بعد ذلك، هو ما نصنعه نحن