هل أهل السنة مدرستان أم ثلاث؟ قراءة في الخلاف العقدي

بقلم الشيخ : أحمد أبو المجد الأزهري

مدارس أهل السنة مدرستان أم ثلاث؟!

ثمة تساؤل يطرح نفسه في أروقة البحث العقدي: هل ينحصر مسمى “أهل السنة والجماعة” في الأشاعرة والماتريدية فحسب، أم أن الحنابلة يشكلون مدرسة ثالثة؟

يذهب فريق من المشتغلين بعلم الكلام، ومنهم السفاريني الحنبلي، إلى أن أهل السنة ثلاث فرق.

ومع ذلك، يرى محققون آخرون أن حصرهم في مدرستي الأشاعرة والماتريدية هو الرأي الأوجه والأقرب للتحقيق، وذلك بناءً على الاعتبارات التالية:

أولاً: نفي التلازم بين المذهب الفقهي والمعتقد :

لا يصح اصطلاحياً إطلاق مصطلح “عقيدة الحنابلة” أو “عقيدة الشافعية”؛ إذ إن المذاهب الفقهية لا تستلزم وحدة عقدية بالضرورة، فالتاريخ يشهد أن أتباع المذهب الواحد انقسموا عقدياً؛ فنجد في الحنفية من هو معتزلي، وفي المذاهب الأخرى من مال إلى مشارب شتى، وقد أشار الإمام السيوطي في “تدريب الراوي” إلى أن المشتغلين بالعلم لم يكونوا جميعاً على منهج واحد، بل كان منهم من يميل إلى الخوارج أو التشيع أو غير ذلك، مما يؤكد أن المذهب الفقهي ليس وعاءً عقدياً موحداً.

ثانياً: التباين العقدي داخل المدرسة الحنبلية :

إن القول بوجود عقيدة حنبلية واحدة يناقضه الواقع التاريخي للمذهب؛ فقد وجد بين الحنابلة تباين واضح في فهم الصفات، وخير دليل على ذلك كتاب “دفع شبه التشبيه” للإمام ابن الجوزي، الذي ألفه للرد على من انحرف من أتباع مذهبه نحو التجسيم.

وهذا التباين ليس عيباً في الحنابلة، كما لا يعيب الشافعية وجود معتزلة بينهم، بل إن الضابط الصحيح هو أن “أهل السنة” يمثلهم الأشاعرة والماتريدية، فمن وافق منهجهم في أصول الاعتقاد نُسب إليهم، ومن خالفهم خرج عن هذا الإطار.

ثالثاً: الإشكال في الجمع بين “الأحمدية” ـ أتباع أحمد بن حنبل ـ و”الكلام”

حيث ذهب بعض الحنابلة إلى ادعاء اختيارات كلامية انفردوا بها، وهنا يبرز تناقض منهجي؛ إذ كيف ينسب المرء نفسه لمدرسة الإمام أحمد بن حنبل وهو يخوض في “علم الكلام”؟ فمن المعلوم بالضرورة أن الإمام أحمد كان شديد التحذير من الخوض في المباحث الكلامية، مما يجعل محاولة تأسيس “كلام حنبلي” خروجاً عن أصل المنهج الذي قام عليه مذهب الإمام.

رابعاً: ثنائية التعامل مع الشبهات :

انقسم السلف في مواجهة الشبهات إلى تيارين؛ اختار الإمام أحمد فيهما منهج “الإمساك وعدم الخوض” ولما كانت غالبية اختيارات الحنابلة في مآلاتها تتفق مع أصول الأشاعرة والماتريدية (خاصة في جانب التنزيه)، فإنه يمكن اعتبارهم موضوعياً ضمن جناح “المفوضة” من مدرسة أهل السنة، وهو مسلك يلتقي في جوهره مع أحد المسلكين المعتمدين عند الأشاعرة والماتريدية.

الخلاصة: إن أهل السنة والجماعة، كمنهج فكري وعقدي منظم، يتمثلون في المدارس التي قعدت العقيدة ودافعت عنها بالأدلة العقلية والنقلية، مع اعتبار المتمسكين بمنهج السلف من الحنابلة جزءاً من هذا النسيج الكبير في أصول التنزيه.

تنويه: السلفية المعاصرة أتباع فقه الدليل، لا علاقة لهم بالحنابلة لا من قريب ولا من بعيد أصولاً أو فروعاً، وذلك لئلا يتوهم واهم أن الحنبلية المقصودة في المقال تلك النبتة الخبيثة المعاصرة.