أمانة الكفالة: هل كلُّ راغبٍ في الأجر مُؤهَّلٌ للولاية؟

بقلم الشيخ : احمد فايز دربالة

​الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

​إنَّ اليتيم في الرؤية الإسلامية ليس مجرد فردٍ فَقَدَ عائله، بل هو كِيانٌ إنساني أحاطه الشرع بسياجٍ من الرعاية والحماية؛ فاليتيم —وهو من مات أبوه قبل بلوغه— قد فَقَدَ بوفاة والده الركنَ الشديد الذي يقوم على مصالحه. ومن هنا، عَظَّم الإسلام شأن الإحسان إليه، وجعله من أسمى القربات، وحذَّر من قهره أو مساس حقوقه بأي شكل من أشكال الظلم، صيانةً لنفسه وماله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾.

​وقد بلغت العناية النبوية باليتيم ذروتها حين قرن النبي ﷺ بين كافله وبينه في الجنة، كما في حديث سهل رضي الله عنه: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفَرَّج بينهما شيئًا» (رواه البخاري). وهذا النص، وإن كان يحمل ترغيباً عاماً ومطلقاً في التصدّي لهذه المهمة النبيلة، إلا أنه لا ينبغي أن يُفهم بمعزلٍ عن القواعد الشرعية الضابطة للمسؤوليات.

​الكفاءة قبل العاطفة: فقه الولاية

​قد يتوهم البعض أنَّ مجرد الرغبة في نيل الثواب أو الاندفاع العاطفي كافٍ لتولي شؤون اليتيم، غير أنَّ المقصد الشرعي لا يكتفي بصلاح “النية”، بل يشترط “الأهلية”. فالولاية على اليتيم وكفالة ماله أمانة ثقيلة تتطلب مزيجاً من الأمانة النفسية، والقدرة البدنية، والرشد في التدبير.

​وهذا ما يتجلى بوضوح في المنهج التربوي النبوي؛ فقد نهى النبي ﷺ الصحابي الجليل أبا ذر رضي الله عنه عن تولي مال اليتيم، رُغم فضله ومكانته وزهده، وذلك لعلةٍ تتعلق بالقدرة لا بالدين، فقال له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا توَلَّيَنَّ مال يتيم، ولا تأمرنَّ على اثنين» (رواه مسلم). ففي هذا التوجيه إرساءٌ لمبدأ “الكفاءة”؛ حيث إنَّ الضعف عن القيام بحقوق اليتيم قد يؤدي إلى تضييع الأمانة، وإن كان الكفيل من أهل الصلاح.

​النموذج القرآني: كفالة زكريا لمريم (عليهما السلام)

​ويُبرز لنا القرآن الكريم نموذجاً مثالياً للكفالة في قصة نبي الله زكريا مع مريم البتول؛ حيث قال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. فالاختيار هنا لم يكن عشوائياً، بل جاء بناءً على تحقق “مناط الكفالة”؛ فهو نبيٌّ مؤتمن، يجمع بين الولاية الدينية والقدرة على التربية وحفظ المال.

​وقد أثمرت هذه الكفالة الراشدة بيئةً صالحةً (المحراب)، تجلّت فيها بركات الرعاية الأمينة، حتى أكرم الله مريم بكراماتٍ أبهرت زكريا نفسه: ﴿أَنَّى لَكِ هَٰذَا﴾. وهذا يؤكد أنَّ صلاح الكفيل وكفاءته هما الضمانة الأساسية لاستقامة حال المكفول ونمائه.

 

​خاتمة: تحقيق المناط في الكفالة

​إنَّ الشريعة الإسلامية لا تنظر إلى الأفعال بصورها الظاهرة فحسب، بل بمدى تحقق مقاصدها في الواقع. وهذا ما يُعرف عند الأصوليين -كالإمام الشاطبي – بـ “تحقيق المناط”؛ فقبل أن نُفتي بصلاحية شخصٍ للكفالة، يجب أن نتحقق من انطباق شروط “القوة والأمانة” عليه في واقعة الحال، لضمان أن تكون الكفالة وسيلةً للبناء لا سبباً في الضياع.