ما أشدَّ حياءَ فاطمةَ وعائشةَ رضي اللهُ تعالى عنهما!
3 أبريل، 2026
بستان الصحابة وآل البيت

بقلم الشيخ : محمد هاشم
إحداهما ميِّتةٌ تستحيي من الأحياء، والأخرى حيَّةٌ تستحيي من الأموات.
أمَّا فاطمةُ رضي اللهُ عنها، فقد رأت أنَّ المرأة تُحمَل بعد موتها مكشوفةً على النعش، فقالت في حياءٍ يفيض طهرًا: كيف تُحمَل المرأة مكشوفةً بين الرجال؟! فصُنِع لها نعشٌ يسترها، فكانت أوَّلَ من طُلِب لها ذلك؛ حياءً منها وهي قد فارقت الدنيا.
وأمَّا عائشةُ رضي اللهُ عنها، فكانت تدخل بيتها بعد دفن رسولِ اللهِ ﷺ وأبيها، فتتخفف من ثيابها وتقول: إنما هو زوجي وأبي.
فلما دُفِنَ عمرُ رضي اللهُ عنه، تغيَّر الحال؛ فما دخلت بعد ذلك إلا وهي مشدودةُ الثياب، حياءً من رجلٍ مات!
يا لله!
حياءٌ بعد الموت، وحياءٌ من الموتى، وقلوبٌ امتلأت تعظيمًا لله، فانعكس ذلك أدبًا وسمتًا في أدقِّ الأحوال وأخفى اللحظات.
إنه الحياء الذي لا يُصطنع، ولا يُتكلَّف، بل ينبع من قلبٍ عرف ربَّه، فاستحيا منه حقَّ الحياء.
حياءٌ يجعل الإنسان يراقب نفسه في خلواته قبل جلواته، وفي سرِّه قبل علانيته.
أين هذا الحياء من زمانٍ أصبح فيه كثيرٌ من الناس لا يستحيي من نظر الناس، فضلًا عن نظر الله؟!
أين هذا الحياء من واقعٍ تُستباح فيه الحدود، وتُكسَر فيه الحواجز، باسم الحرية تارة، وباسم العادة تارةً أخرى؟
إن الحياء ليس ضعفًا، بل هو قوةٌ تضبط النفس، وليس تخلُّفًا، بل هو رقيٌّ في الأخلاق، وليس عادةً اجتماعية، بل هو عبادةٌ قلبية تثمر سلوكًا مستقيمًا.
وما أحوجنا اليوم إلى إحياء هذا الخلق العظيم في بيوتنا وبناتنا ومجتمعاتنا؛
حياءٌ يحفظ الكرامة، ويصون العرض، ويجعل الإنسان في مراقبةٍ دائمةٍ لربه.
فإذا صلُح الحياء، صلُحت الأخلاق، وإذا ضاع الحياء، ضاع كلُّ شيء.