قتال الملائكة

المقال التاسع من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية

إني أريد منك أن تعيش معي في أرض بدر، تخيل أن جبريل جاء من بعيد راكباً على فرس يجري، وهو ممسك بلجام الفرس، والتراب يتصاعد من حول الفرس، وخلفه ألف من الملائكة الفرسان ترفع سيوفها وعليها أدوات الحرب، كتيبة ملائكية حقيقية، وبعدها كتيبة والثانية والثالثة والرابعة والخامس يا ترى! كيف كان شعور المسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم يشرح لهم أن الملائكة دخلت أرض الموقعة لتقاتل معهم؟ يا ترى! هل سيخاف المسلمون في موقف كهذا؟ هل من الممكن أن يهتزوا أو يجبنوا وهم يعرفون أن هناك جيشاً ملائكياً كاملاً يحارب معهم؟! وقد ثبت في صحيح الأحاديث ما يدل على أن بعض الملائكة قد قاتل يوم بدر مع المؤمنين، تثبيتًا لقلوبهم، مقاتلة مشابهة لقتال الناس.

 فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: “بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم “اسم فرس هذا الملك”، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، -أي ضرب أنفه، فكان على الأنف أثر من الضرب- وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع. (أي: ظهر على أنفه ووجهه من أثر الضربة خضرة ضاربة إلى السواد، وهذه تحدث من تجمُّع الدم تحت الجلد، بسبب نزيف الأوعية الدموية.) فجاء الأنصاري فحدَّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (صدَقْت، ذلك من مدد السماءالثالثة)،فقتلوايومئذسبعين،وأسرواسبعين..

  وقال أبو داود “عمرو المازني”: إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.

 وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبدالمطلب أسيرًا فقال العباس: إن هذا، والله، ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق، وما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته، يا رسول الله. فقال الرسول له: (اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم).

 وروى الطبري بسنده عن علي قال: (نزل جبريل في ألف من الملائكة، عن ميمَنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة، عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا فيها).

 وقال ابن سعد في هذا الخبر: وجاءت ريح لم يروا مثلها شدة، ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى، ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى، فكانت الأولى: جبريل في ألف من الملائكة مع رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم ، والثانية: ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم ، والثالثة: إسرافيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم. وعن عمر بن الخطاب رضي اللهّٰ عنه، قال: لما كان يوم بدر نظر رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي اللهّٰ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني»، فأمده اللهّٰ بالملائكة.

 وعن ابن عباس –رضي الله عنه- قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربه بالسوط فوقه وصوت لفارس، يقول: أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفه ، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم ، فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين»… الحديث .

 عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرًا، قال بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي منه خرجت الملائكة، لا أشك ولا أتمارى.

 وعن أبي داود المازني وكان شهد بدرًا، قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري..

 وعن ابن عباس قال: “لم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عددًا ومددًا لا يضربون”.

بل إن المشركين أنفسهم قد اعترفوا بذلك فبعد انتهاء المعركة جاء أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه أبو لهب -وقد تخلف عن غزوة بدر- قال: هلم إلي فعندك لعمري الخبر. فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال أبو سفيان كلمات في منتهى الخطورة، قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، فتعجبوا من قوله فقال: لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئاً -لا تترك أمامها شيئاً ولا تبقي- ولا يقوم لها شيء.