الأشعرية والماتريدية ..مدرستا أهل السنة والجماعة


بقلم الشيخ : أحمد أبو المجد الأزهري

أولاً: حقيقة النسبة (نسبة بيان لا نشوء)

إن القول بأن الإمامين الأشعري والماتريدي -رحمهما الله- هما “مؤسسا” العقيدة الإسلامية هو قولٌ يجانبه الصواب إذا أريد به الإنشاء والابتداع؛ فالحق أن الإمام الأشعري لم يبتدع في دين الله مذهبًا جديدًا؛ بل أحيا مسلك السلف بأدوات المتكلمين، فكان رجوعه إلى مرافئ الأثر إيذانًا بعصر الاستنارة التي لا تطفئ نور النص بظلمة الهوى.

وكذلك الماتريدي لم يستحدث عقيدةً غريبة عن جوهر الإسلام، ولا اخترع مذهباً خارجاً عن فقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه.

لقد كان الإمام مسبوقاً بأئمة وعلماء قرروا هذه الأصول، إلا أن النسبة آلت إليه لكونه الفارس الذي ناضل عن حياضها، والعالم الذي تفرغ لتحرير مسائلها وتدوين دقائقها. فكُتب له القبول، وصارت له مدرسة تخرج فيها الفحول الذين نشروا هذا العلم في الآفاق.

مثال ذلك:

ما نقرؤه في “تبصرة الأدلة” للإمام أبي المعين النسفي؛ فحين استعرض صفة “التكوين” -وهي من أمهات المسائل التي تفرّد بتحريرها المذهب الماتريدي- لم ينسبها للإمام كحدثٍ طارئ، بل عدد القائلين بها من مشايخ “ما وراء النهر” الذين سبقوا زمان الإمام الماتريدي، رداً على من توهم أنها قولٌ مُحدث.

ثانياً: النسبة العلمية وقانون التفرغ

وكما هو الحال في المدرسة الأشعرية، نجد أن التاريخ يحفظ أسماء “المتكلمين الأوائل” من أهل السنة كابن كُلاب والمحاسبي والقلانسي، وكلهم درجوا قبل زمان الإمام الأشعري. فلماذا نُسبت المدارس لهؤلاء الإمامين تحديداً؟

السبب يكمن في قاعدة علمية مطردة: “المدارس تُنسب لمن تفرغ لتحريرها، واستنبط قواعدها، وتتلمذ على يديه من حمل لواءها”.

 

في القرآن: تُنسب القراءات لحفص وورش ونافع، وهم رواةٌ وناقلون وليسوا منشئين للقراءات.

في الفقه: يُنسب المذهب للشافعي أو أبي حنيفة، وهما إنما نقلا لنا مراد الله ورسوله بفهمهما الثاقب واستنباطهما الرصين.

 

فالمدرسة الماتريدية -إذن- ليست إلا العقيدة الإسلامية ذاتها، مخدومةً بشرح الإمام الماتريدي وبيانه، وكذلك الأشاعرة.

ثالثاً: أهل السنة.. جسد الأمة لا فرقةً منشقة

إن مصطلح “أهل السنة والجماعة” ليس اسماً لفرقة انحازت لزاوية ضيقة في مقابل فرق أخرى، بل هو المسمى الشرعي لجمهور الأمة وجسمها الأعظم.

أهل السنة هم الأصل، وهم “المتن” الذي يمثل الإسلام في صفائه، وما الفرق الأخرى إلا “نتوءات” ظهرت على أطراف هذا الجسد الكبير عبر التاريخ، فكان لا بد من تمييز الأصل عن الفرع، والمتن عن الهامش.

لذا، استقر الاصطلاح عند العلماء على أن “أهل السنة” هم:

_ في العقائد: الأشاعرة والماتريدية.

_ في الفقه: أتباع المذاهب الأربعة المتبوعة.

– في السلوك: أهل التصوف السني المنضبط بالكتاب والسنة.

ختاماً:

نحن حين ننتسب لهذه المدارس، إنما ننتسب لمنهجٍ حمى بيضة الإسلام، وصان عقول المسلمين من شطحات التشبيه وتفريط الاعتزال.