الرجولة في البيان القرآني: دلالات الموقف وبناء الشخصية
31 مارس، 2026
بناء وتنمية الذات
: 
بقلم / الدكتور : محمود حسن محمود
ادارة التحرير والترجمة والنشر بالمجلس الاعلى للشئون الاسلامية
إنّ الكلمات في معجم الوحي لا تقف عند حدود الدلالات اللغوية الضيقة؛ بل تنفتح على آفاق قيمية ترسم ملامح الشخصية الإنسانية في أبهى تجلياتها. ومن هذه الكلمات التي حظيت بعنايةٍ فائقة كلمة “الرجولة”؛ تلك التي لم تأتِ في القرآن الكريم مجرد توصيفٍ للنوع البشري، بل جاءت تعبيراً عن “رتبةٍ شريفة” ومقامٍ لا يبلغه إلا مَن صفت سريرته، وصدقت في مواقف الحق عزيمته. إنّ الرجولة في البيان القرآني هي عنوان “الاستقامة” في زمن الانحراف، ورمز “الثبات” حين تزلُّ الأقدام، وهي الميثاق الغليظ الذي يربط بين نبل المقصد وطهارة المسلك؛ فبها يُحفظ الحق، وبها يُصان الأبناءُ والأجيال.
أولاً: ماهية الرجولة استعلاءٌ قيمي وثباتٌ منهجي :
تتحدد معالم الرجولة في القرآن الكريم من خلال محاور كبرى، تجعل من المؤمن بنيةً أخلاقية متماسكة أمام عوارض الدنيا .
الصدق والثبات: تجلي الوفاء بالعهود الربانية مهما غلت التضحيات؛ قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
السمو عن الماديات: القدرة على ضبط النفس أمام بريق التجارة والمال؛ قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37].
لقد ربط القرآن الكريم بين الرجولة والتجارة في إشارةٍ إلى أنّ الرجولة الحقيقية تتمثل في ثبات الإنسان أمام مغريات المادة؛ فلا يحتكر، ولا يبخس، ولا يطفف؛ لأن الله توعد المطففين بالويل، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 1-6].
ثانياً: النماذج القرآنية تجسيد “الرجولة الحركية”.
لم يكتفِ القرآن بالتنظير، بل خلد نماذج بشرية جسدت الرجولة في أبهى صورها التطبيقية:
نموذج “الرجل المؤمن” في آل فرعون (رجولة البيان والشجاعة الأدبية):
يمثل هذا النموذج “الرجولة الفكرية” التي لا تخشى في الله لومة لائم، حتى في قلب معاقل الظلم. لقد تجلت رجولته في قدرته على استخدام المنطق العقلي والجدال بالتي هي أحسن لحماية الحق؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: 28].
الشاهد: هنا الرجولة هي “الذود عن المصلحين” وكسر حاجز الصمت السلبي.
نموذج “الرجل الساعي” (رجولة المبادرة والنجدة):
يبرز هذا النموذج ليؤكد أنّ الرجل هو من يتحرك بدافع الضمير والواجب، فيأتي من “أقصى المدينة” ليبذل النصح وينقذ الموقف؛ قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: 20].
الشاهد: الرجولة هنا هي “الإيجابية” التي لا تعرف الانتظار، بل تسعى لنشر الخير والأمان.
نموذج “رجال المساجد” (رجولة الطهر والتعلق بالمبدأ):
هم الرجال الذين بنوا حياتهم على تقوى من الله، وجعلوا طهارة الظاهر والباطن غايةً قصوى؛ قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108].
الشاهد: الرجولة هنا هي “الانضباط السلوكي” وحب النقاء كمنهج حياة.
خاتمة: الرجولة كأمانة استخلاف :
إنّ الرجولة في الرؤية القرآنية هي “مشروعٌ حضاري” يتجاوز الفرد ليصل إلى المجتمع؛ إنها القوة الموجهة بالوحي، والعقل المنضبط بالتقوى، والقلب المتصل بالسماء. إنها الأمانة التي تجعل من الرجل حارساً للقيم، وبانياً للمؤسسات، ومناصراً للحق في كل زمانٍ ومكان، ليورث هذا النبل لـ أبنائه من بعده.