النقد الذاتي للتصوف


بقلم الشيخ : احمد أبو المجد الأزهري

عبارة الإمام الجنيد: ‘طريقنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة’ لم تكن مجرد شعار، بل كانت دستوراً للنقد الذاتي الذي مارسه أهل التصوف على أنفسهم قبل غيرهم. فمنذ القرون الأولى وحتى العصر الحديث، وقف كبار الصوفية في وجه ‘المترسمين’ والمدعين، ليثبتوا أن التصوف أمة من القيم والأخلاق، وليس مجرد خرقة أو رقص أو دعاوى عريضة.”

تنبيه: هذه المقالة هي تلخيصٌ لأهم ركائز بحثٍ علمي كنت قد اطلعتُ عليه منذ مدة، للكتور عبد الحافظ طه، يتناول قضية ‘النقد الذاتي للتصوف’ عبر العصور.

أولاً: تعريف التصوف

القشيري: “الدخول في كل خلق سني، والخروج من كل خلق دني”.
الجنيد: “أن يميتك الحق عنك ويحييك به”.
وقيل: “يكون العبد في كل وقت، بما هو أولى به في الوقت”.
وقيل: ” أن تملك شيئاً ولا يملكك شيء”.
وقيل: “الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق”.

ثانياً: الهدف من النقد:

1- بيان الغث والسمين وتوضيح الرؤية للناقدين على التصوف وإعلامهم بالتصوف الصحيح والأصيل، والمتصوف الزائف والدخيل بالحقيقي.

2- حماية للتصوف من كل محاولة مقصودة أو غير مقصودة تستهدف تشويهه.
يقول الإمام الجنيد: “لو نعلم تحت أديم السماء علماً أجل من علمنا لقصدته وسعيت إليه”.(أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر).

السهروردي: “الصوفية أهل القرب والاجتهاد، ألبسهم الله لباس الإيمان، وخصهم من بين عباده بخصائص الإحسان فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوءة، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوة فتهيأت لقبول الأمداد القدسية واستعدت لورود الأنوار العلوية، فقلوب سماوية وأشباح أرضية بأرواح علوية، تسلوا بالصلوات عن الشهوات وتعوضوا بحلاوة التلاوة عن اللذات، يلوح من صفحات وجوههم بشر الوجدان، وينم عن مكنون سرائرهم نضارة العرفان، طريقهم مبني على الكتاب والسنة وهم أوفر الناس حظاً من متابعة النبي وأوفر الناس حظاً من محبة الله تعالى”. (السهروردي/ عوارف المعارف ص 42، 59-60).

واعلم أخي الحبيب أن التصوف أرفع درجات الإسلام، فالإسلام درجات، أعلاها الدرجة التي فيها الصوفية فهم كُمّل الأمة الإسلامية.

ثالثاً: نماذج من النقد الذاتي للتصوف عبر العصور.

1) الإمام عبد الله بن السراج الطوسي (طاووس الفقراء) شيخ الصوفية (ت 378هـ):
خصص باباً في “اللمع” بعنوان: “باب في ذكر من غلط من المترسمين بالتصوف، ومن أين يقع الغلط وقسم نقده إلى قسمين:

1- ما يتعلق بالفروع

2- ما يتعلق بالأصول.

(أبو نصر السراج الطوسي، اللمع من تاريخ التصوف ص 362، 363).

وذكر أن هناك من أخطأ في سيره، ولم يلتزم بآداب الطريق، يقول: “ذكر من غلط في الفروع التي لم تؤدهم إلى الضلالة”. نفس المصدر السابق ص 364.
القسم الثاني: أخطأوا في الأفكار والأصول وأداه إلى الضلالة (المصدر السابق ص 372).

ومما ذكره الطوسي منذ (1000 عام ) وما زال بينناً إلى الآن:

1- ما يظنه بعض الناس أن التصوف هو السماع والرقص، والتكلف للاجتماعات على الطعام.
2- تفضيل الولاية على النبوة: كما حدث لبعضهم مع قصة موسى والخضر؛ فقال:

ذهب عن هؤلاء أن الله يخص من يشاء بما شاء كيف شاء، وكل ولي من الأولياء ينال ما ينال من الكرامة بحسن اتباعه لنبيه، فكيف يفضل التابع على المتبوع، والمقتدي على المقتدَى به؟

3- قول بعضهم: “الأنبياء يوحى إليهم بواسطة، والأولياء يتلقون من الله بلا واسطة”، فيقال لهم: الأنبياء هذا حالهم على الدوام ( الإلهام والمناجاة والتلقف من الله بلا واسطة) أما الأولياء فوقت دون وقت.

القرن الخامس

أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي (ت 412هـ): له مؤلف بعنوان “أصول الملامتية وغلطات الصوفية”.
الإمام القشيري في “الرسالة” (ت465هـ) ، انظر ص 20-21.
أبو الحسن علي بن عثمان الهجويري (ت460هـ) في “كشف المحجوب” ج 1، ص 35.

القرن السادس

1- أبو حامد الغزالي (ت505هـ): قسم صوفية زمانه أقسام وأخذ ينتقدهم، يقول: “وما أغلب الغرور عند هؤلاء المغرورين، إلا من عصمه الله، ممن اغتروا بالزي، والمنطق والهيئة، ولم يتعبوا أنفسهم قط بالمجاهدة والرياضة والمراقبة للقلب في تطهير الباطن والظاهر”. انظر: (إحياء علوم الدين ج 3 / ص 404).

وانتقد الغزالي المتصوفة الذين يبغضون الفقهاء والعلماء والمحدثين ويعتقدون أنهم أعلى منهم مقاماً؛ إذ أنه عليم بعلم الباطن أما هؤلاء فعلمهم بالظاهر، ويقول أحدهم ساخراً: ” علمكم علم الورق وعلمنا علم الخرق، أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، علمكم القشر وعلمنا اللباب”.

وما درى أولئك أن الصوفي ما هو إلا فقيه يعمل بعلمه، وأنه لا بد للتصوف من الفقه كما أنه لا استغناء للناس عن الشمس.

القرن السابع

الإمام ابن عربي الشيخ الأكبر (ت 638هـ): كتاب “روح القدس في مناصحة النفس” ص36، 37، 38.

أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ): “قال عنه تلميذه المرسي: ما رأيت أعرف بالله منه”.

دخل عليه فقير يلبس الصوف، فقال له: “ما عُبد الله بمثل هذا اللباس الذي عليك وكان لباساً ليناً فأمسك الشيخ بملابسه وقال: لباسي يقول: أنا غني عنكم فلا تعطوني، ولباسك يقول: أنا فقير إليكم فأعطوني”. (ابن عطاء الله السكندري، لطائف المنن ص 207).

القرن التاسع
مولانا أحمد بن زروق: ” الصوفية وقعوا في الطامات، وتكلموا بالشطحات، حتى كفر من كفر، وفسق من فسق، بواضح الشريعة، ولسان العلم ظاهراً وباطناً، فلزم التحفظ”. (أحمد زروق، قواعد التصوف قاعدة 204 ص 126). (أي ردّه بلسانه بعد الإفاقة).

القرن العاشر 
الإمام عبد الوهاب الشعراني: له كتاب “تنبيه المغترين أواخر القرن العاشر على ما خالفوا فيه السلف الطاهر”

ذكر في مقدمته أنه كالسيف القاطع لعنق كل مدعي المشيخة في هذا الزمان بغير حق، واستفتح كلامه بالحديث عن ملازمة لكتاب الله والسنة.
وفيه أنه انتقد قول القائلين من الصوفية بحجية الإلهام وقال: “قد زل في هذا الباب خلق كثير فضلوا وأضلوا”، ولنا في ذلك مؤلف سميته” حد الحسام في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام. (انظر روح المعاني للألوسي 16/17).

العصر الحديث
دكتور التفتازاني (أبو الوفا الغنيمي): رئيس قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، شيخ الطرق الغنيمية، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر ت 1994م).
ينتقد المتصوفة ويقول: “انصرف أتباع هذه الطرق شيئاً فشيئاً إلى الشكليات والرسوم وابتعدوا عن العناية بجوهر التصوف ذاته”.
2- رائد العشيرة المحمدية الشيخ المُربي محمد زكي إبراهيم يقول:
ليس التصوف رقص الراقصين ولا – طبل وزمـــر وتصخـــاب وتهييــج
ولا هو الذكـــر بالألفاظ ســاذجة – محرفـــات ولا صعـق وتشنيــــج
ولا مــــــواكب رايـــــات ملـــــونة – فيهـــا لمـــا يغضب الديان ترويج
ولا هو العمة الكبــــرى ولا سبح – حــول الرقـــاب ولا جمع مفاليج
ولا التعطـــــل أو دعوى الولاية أو – صنع الخــوارق أو كـــذب وتدبيج
ولا وشـــــاح وعكــــاز ولا نســب – إلى النبي من البهتان منسوج
ولا الإجـازات تشرى بالدراهم أو – وظائف صرفهـــا بالزيف ممـــزوج
ولا مظـــــاهر آثــام المـــــوالد أو – تكاثـــــر برجال خيرهـــم عــــوج
وليس بالفلسفات الهوج ينقلها – كالببغاوات جهـــلا قـــلة هــــوج
ان التصـــوف فقه الدين قاطبـــة – والفقـــه بالدين توثيــق وتخريج
هو الكتـــاب وما جـــاء النبي به – وكل شىء سوى هذا فمحجوج
ان التصـــــوف ســــر الله يمنحه – من قد أحـــب وحـــب الله تتويج
وإنـــما الحـــب أخلاق ومعرفة – ذكـــــر وفكـــــر وتـــرويح وتـــأريج
ان التصـوف تحقيق الخلافة في – أرض الإلـه وإلا فهــــــو تهـــــريج

3- الدكتور البوطي، فقه السيرة ص 302، 303.

وختاماً: فقد أرسى هؤلاء الأئمة دستوراً واضحاً: أن التصوف فقهٌ وأدب، لا رقصٌ ولا تعطل، وأن الطريق إلى الله لا يقطع إلا بملازمة الكتاب والسنة. وكما قال الإمام الغزالي، لا استغناء للتصوف عن الفقه كما لا استغناء للناس عن الشمس. فالتصوف الحقيقي يبقى دائماً “أمة” من القيم والمجاهدة وتطهير الباطن، مترفعاً عن كونه “فرقة” تنغلق على طقوسها، ليظل كما أريد له: الدرجة الأسمى من درجات الإسلام.