المساجد الصغيرة بين بساطة العوام وخطاب السلفية المعاصرة


بقلم الشيخ : عبدالله قدرى 


في كثيرٍ من الأحياء، تبقى المساجد الصغيرة — أو ما يُعرف بالزوايا — هي الملاذ الأقرب للعوام، يتلقّون فيها دينهم ببساطةٍ وفطرة، بعيدًا عن التعقيد والتنظير. لكنها في بعض المواضع أصبحت ساحةً لنشر خطاب السلفية المعاصرة، لا بوصفه اجتهادًا بين اجتهادات، بل كأنه الدين كله، وما سواه انحرافٌ أو بدعة.

وهنا تكمن الإشكالية؛ فالسلفية المعاصرة — في جانب من طرحها الدعوي — تميل إلى التشديد، وإلى تضييق واسع الخلاف، وتقديم الدين في صورة يغلب عليها التخويف والتصنيف، مما يؤثر مباشرةً في وعي العوام، ويزرع فيهم نظرةً قاسية تجاه غيرهم من المسلمين.

إن الخطر لا يكمن في وجود هذا التيار، فالساحة الإسلامية تتسع لاختلاف المدارس، ولكن الخطر حين يتحول المنبر الصغير إلى أداة تأثير أحادي، تُغلق فيه أبواب التوازن، ويُقدَّم فيه خطاب لا يراعي فقه الواقع ولا أحوال الناس.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الدينية، والعلماء، والدعاة المعتدلين، في إعادة التوازن إلى هذه المساجد، من خلال المتابعة والتوجيه، وضمان أن يبقى الخطاب الديني قائمًا على الرحمة، والحكمة، وسعة الشريعة، لا على التضييق والتنفير.

فالمسجد بيت الله، لا يُختزل في اتجاه، ولا يُحتكر لفكر، بل يبقى منبرًا للهداية، يجمع القلوب ولا يفرّقها.