خُطْبَةُ بعنوان  (الرِّزْقُ بِيَدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ) للدكتور : محمد حرز


خُطْبَةُ بعنوان  (الرِّزْقُ بِيَدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا )
للدكتور : محمد حرز

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
alrezq bed allah

 

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ وَبَرَا ، وَخَلَقَ المَاءَ وَالثَّرَى ، وَأَبْدَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَرَا ، لَا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، الحَمْدُ للهِ الذي صَبَّ المَاءَ صَبًّا، وَشَقَّ الأَرْضَ شَقًّا، وَأَنْبَتَ فِيها حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشهدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ وَفِي وَصْفِ النَّبِيِّ ﷺ:

لَمَّا رَأَيْتُ أَنْوَارَهُ سَطَعَتْ *** وَضَعْتُ مِنْ خِيفَتِي كَفِّي عَلَى بَصَرِي

خَوْفًا عَلَى بَصَرِي مِنْ حُسْنِ صُورَتِهِ *** فَلَسْتُ أَنْظُرُهُ إِلَّا عَلَى قَدَرِي

رُوحٌ مِنَ النُّورِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْقَمَرِ *** كَحِلْيَةٍ نُسِجَتْ مِنَ الْأَنْجُمِ الزُّهْرِ

فَاللّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ …..فَأَوْصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 102)

 عِبَادَ اللّهِ: (((الرِّزْقُ بِيَدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا))) عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

  • أَوَّلًا: الرِّزْقُ أَمْرٌ مَحْتُومٌ وَسِرٌّ مَقْدُورٌ.

  • ثَانِيًا: وَمِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ؟

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الرِّزْقُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى المَالِ فَحَسْب!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الرِّزْقِ بِيَدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَاصَّةً وَقَضِيَّةُ الرِّزْقِ قَضِيَّةٌ مُهِمَّةٌ لِلْغَايَةِ تَدُورُ عَلَيْهَا السَّعَادَةُ وَتَشْغَلُ بَالَ الْكَثِيرِينَ مِنَ النَّاسِ، قَضِيَّةٌ شَغَلَتِ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، الشَّابَّ وَالشَّيْخَ، أَلَا وَهِيَ قَضِيَّةُ الرِّزْقِ، وَخَاصَّةً فِي الْأَزَمَاتِ وَالْحُرُوبِ وَالْغَلَاءِ، يُفَكِّرُ النَّاسُ فِي قَضِيَّةِ الرِّزْقِ أَكْثَرَ مِنْ تَفْكِيرِهِمْ فِي قَضِيَّةِ الْعِبَادَةِ، مَعَ أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَاللَّهُ خَالِقُنَا لِعِبَادَتِهِ وَتَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِنَا.وَخَاصَّةً وَإِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الرِّزْقِ حَدِيثٌ ذُو أَهَمِّيَّةٍ بَالِغَةٍ، وَخَاصَّةً فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي ضَعُفَ فِيهِ إِيمَانُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِرَبِّهِمْ، وَأَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِهِ، وَأَنَّهُ الْمُتَكَفِّلُ بِالْأَرْزَاقِ، مِمَّا جَعَلَ اعْتِمَادَهُمْ وَلِلْأَسَفِ عَلَى خَلْقٍ مِثْلِهِمْ، يَرْجُونَهُمْ أَوْ يَخْشَوْنَهُمْ عَلَى أَرْزَاقِهِمْ. وَخَاصَّةً وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الهُمُومِ التي تُسَيْطِرُ عَلَيْنَا هَمَّ الرِّزْقِ، وَالبَحْثِ عَنْ لُقْمَةِ العَيْشِ، لَقَدْ رَأَيْنَا في هَذِهِ الآوِنَةِ مَنْ تَغَرَّبَ عَنْ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ مِنْ أَجْلِ لُقْمَةِ العَيْشِ ،كَمَا رَأَيْنَا مَنْ ظَهَرَ عَلَى وُجُوهِهِمُ التَّعَبُ وَالنَّصَبُ مِنْ آثَارِ السَّعْيِ وَرَاءَ لُقْمَةِ العَيْشِ.

تَوَكَّلْتُ فِي رِزْقِي عَلَى اللَّهِ خَالِقِي … وَأَيْقَنْتُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَكَّ رَازِقِي
وَمَا يَكُ مِنْ رِزْقِي فَلَيْسَ يَفُوتُنِي … وَلَوْ كَانَ فِي قَاعِ الْبِحَارِ الْغَوَامِقِ
فَفِي أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ النَّفْسُ حَسْرَةً … وَقَدْ قَسَّمَ الرَّحْمَنُ رِزْقَ الْخَلَائِقِ

 

  • أَوَّلًا: الرِّزْقُ أَمْرٌ مَحْتُومٌ وَسِرٌّ مَقْدُورٌ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: إِنَّ السَّعْيَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ هَمُّ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ، فَالصَّغِيرُ يَنْشُدُهُ وَالْكَبِيرُ يَطْلُبُهُ، وَأَكْثَرُ هُمُومِ الْحَيَاةِ وَأَحَادِيثِهَا وَأَحْدَاثِهَا تَدُورُ فِي فَلَكِهِ، وَالْمُؤْمِنُ الْحَاذِقُ مَنْ يُفَوِّضُ أَمْرَ الرِّزْقِ إِلَى الرَّازِقِ، وَنَحْنُ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِاسْمِهِ الرَّزَّاقِ، حَتَّى تَتَعَلَّقَ الْقُلُوبُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَتَلْهَجَ الْأَلْسِنَةُ بِدُعَائِهِ، وَتُرْفَعَ وَتُمَدَّ إِلَيْهِ الْأَيْدِي لَا إِلَى غَيْرِهِ.
فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَرْزُقُ الْعِبَادَ وَيُقَسِّمُ الْأَرْزَاقَ وَيُجْزِلُ الْعَطَايَا وَيَمُنُّ بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا تَزِيدُهُ كَثْرَةُ الْحَاجَاتِ إِلَّا جُودًا وَكَرَمًا، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ، وَلَا يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ السَّائِلِينَ، لَوِ اجْتَمَعَ أَوَّلُ خَلْقِهِ وَآخِرُهُمْ وَإِنْسُهُمْ وَجِنُّهُمْ وَقَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُ ذَرَّةً وَاحِدَةً، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ الْبَحْرَ إِذَا غُمِسَ فِيهِ، يَمِينُهُ مِلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ؛ عَطَاؤُهُ كَلَامٌ وَمَنْعُهُ كَلَامٌ: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
وَإِذَا صَحَّ إِيمَانُ الْعَبْدِ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّزَّاقِ، انْشَغَلَ بِالْغَايَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ أَجْلِهَا وَهِيَ الْعِبَادَةُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رِزْقَهُ بِيَدِ اللَّهِ فَلَا يَحْمِلُ لِذَلِكَ هَمًّا، وَهُوَ يُوقِنُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ. لِذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ قَضِيَّةَ الْعِبَادَةِ ذَكَرَ بَعْدَهَا أَعْظَمَ الصَّوَارِفِ عَنْهَا، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56-58].

وَكَيْفَ لَا؟ وَقَضِيَّةُ الرِّزْقِ مِنَ الْقَضَايَا الَّتِي يَضْطَرِبُ فِيهَا عَوَامُّ النَّاسِ، فَتَجِدُ الْعَجَلَةَ فِي طَلَبِهِ، وَالْخَوْفَ مِنْ مَنْعِهِ، وَالْمُبَالَغَةَ فِي جَمْعِهِ، وَالرَّغْبَةَ فِي الْكَثْرَةِ، وَالِاغْتِمَامَ بِالْفَوْتِ، وَالْفَرَحَ بِالظَّفَرِ يَغْدُو النَّاسُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى أَعْمَالِهِمْ بَحْثًا عَنِ الرِّزْقِ، مِنْهُمْ مَنْ أَحْسَنَ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ، وَأَيْقَنَ بِوَعْدِهِ وَقَسَمِهِ، وَجَدَّ فِي طَلَبِ الْأَسْبَابِ، فَارْتَاحَ قَلْبُهُ وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ بِالْأَسْبَابِ وَرَكَنَ إِلَيْهَا، فَانْصَدَعَ جِدَارُ التَّوَكُّلِ عِنْدَهُ. قَالَ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ

وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ الْأَرْزَاقَ بِحِكْمَةٍ وَعَدْلٍ وَرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ، فَأَفَاضَ بِجُودِهِ وَمِنَّتِهِ، وَقَدَرَ وَقَبَضَ بِرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) [النحل: 71]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى: 27]. وَأَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وَتَحَرِّي أَسْبَابِهِ، قَالَ تَعَالَى: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ) [العنكبوت: 17].

وَكَيْفَ لَا؟ إِنَّ الرِّزْقَ أَمْرٌ مَحْتُومٌ وَسِرٌّ مَقْدُورٌ، تَكَفَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقِسْمَتِهِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَحَدَّدَ لَهُ الْوَسَائِلَ وَالطَّرَائِقَ قَالَ تَعَالَى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) [الذاريات: 22-23].فَمَا مِنْ حَيٍّ إِلَّا وَرِزْقُهُ مَكْتُوبٌ مَسْطُورٌ، يَسْتَوْفِيهِ كَامِلًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ. قَالَ ﷺ: (إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا).

وَكَيْفَ لَا؟ وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا (الرَّزَّاقُ)، وَ(الرَّزَّاقُ) مُبَالَغَةٌ مِنْ رَازِقٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْكَثْرَةِ، فَمَعْنَى الرَّزَّاقِ: الْكَثِيرُ الرِّزْقِ لِعِبَادِهِ، الَّذِي لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُمْ أَمْدَادُهُ وَفَوَاضِلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ ،وَلَا يُسَمَّى غَيْرُهُ رَازِقًا، كَمَا لَا يُسَمَّى غَيْرُهُ خَالِقًا، قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40].

فَالْأَرْزَاقُ كُلُّهَا بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ خَالِقُ الْأَرْزَاقِ وَالْمُرْتَزِقَةِ، وَمُوصِلُهَا إِلَيْهِمْ، وَخَالِقُ أَسْبَابِ التَّمَتُّعِ بِهَا، فَالْوَاجِبُ نِسْبَتُهَا إِلَيْهِ وَحْدَهُ وَشُكْرُهُ عَلَيْهَا، فَهُوَ مُولِيهَا وَوَاهِبُهَا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الرَّزَّاقُ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِأَقْوَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: الرَّزَّاقُ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِالرِّزْقِ، وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا يُقِيمُهَا مِنْ قُوتِهَا؛ فَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ مُؤْمِنًا دُونَ كَافِرٍ، وَلَا وَلِيًّا دُونَ عَدُوٍّ. قال تعالى{ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }  [العنكبوت: 60]

فَالَّذِي تَوَلَّى قِسْمَةَ الْأَرْزَاقِ هُوَ اللَّهُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. فَتَقْسِيمُ الْأَرْزَاقِ بَيْنَ النَّاسِ لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِالْحَسَبِ وَلَا بِالنَّسَبِ، وَلَا بِالْعَقْلِ وَالذَّكَاءِ، وَلَا بِالْوَجَاهَةِ وَالْمَكَانَةِ، وَلَا بِالطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ، وَإِنَّمَا يُوَزِّعُ جَلَّ جَلَالُهُ رِزْقَهُ عَلَى عِبَادِهِ لِحِكْمَةٍ هُوَ يَعْلَمُهَا، فَقَدْ يُعْطِي الْوَضِيعَ وَيَمْنَعُ الْحَسِيبَ، وَقَدْ يُعْطِي الْكَافِرَ وَيَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ، فَلَيْسَ الْعَطَاءُ عَلَامَةَ الرِّضَا، وَلَا الْمَنْعُ عَلَامَةَ السَّخَطِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ)).ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}.

 فَالْأَرْزَاقُ مَحْتُومَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَالرِّزْقُ يَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ الْأَجَلُ. فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ)). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَى تَمْرَةً عَائِرَةً، فَأَعْطَاهَا سَائِلًا وَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْكَ)). وَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ)). وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ)).

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الرِّزْقَ يَأْتِي بِقُوَّةٍ****مَا أَكَلَ الْعُصْفُورُ شَيْئًا مَعَ النَّسْرِ

فلَا تَبْتَأِسُوا! فَقَدْ تَكَفَّلَ -سُبْحَانَهُ- بِأَرْزَاقِ الْخَلَائِقِ جَمِيعًا، وَأَنْزَلَ ذَلِكَ قُرْآنًا يُتْلَى، فَقَالَ: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: 60]؛ أَيْ: أَنَّ الْبَارِيَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ تَكَفَّلَ بِأَرْزَاقِ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، قَوِيِّهِمْ وَعَاجِزِهِمْ، مَنْ يَدَّخِرُ رِزْقَهُ وَمَنْ لَا يَدَّخِرُهُ؛ فَيُسَخِّرُ اللَّهُ -تَعَالَى- لَهُمُ الرِّزْقَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِوَقْتِهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا تَهْلِكُ دَابَّةٌ مِنْ عَدَمِ الرِّزْقِ بِسَبَبِ أَنَّهَا خَافِيَةٌ عَلَيْهِ. وَصَدَقَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا إِذْ يَقُولُ: ((وَيَدْعُو الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا)). وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

لَا تَعْجَلَنَّ فَلَيْسَ الرِّزْقُ بِالْعَجَلِ *** الرِّزْقُ فِي اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ مَعَ الْأَجَلِ
فَلَوْ صَبَرْنَا لَكَانَ الرِّزْقُ يَطْلُبُنَا *** لَكِنَّهُ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ

 

  • ثَانِيًا: وَمِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: إِنَّ البَحْثَ عَنْ لُقْمَةِ العَيْشِ وَكَسْبِ الرِّزْقِ، وَخَاصَّةً في أَيَّامِ الغَلَاءِ يَحْتَاجُ إلى أَخْذٍ بِالأَسْبَابِ المَشْرُوعَةِ، وَهَذَا وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الأُمَّةِ اسْتَرْعَاهُ اللهُ تعالى عَلَى رَعِيَّةٍ صَغِيرَةٍ أَو كَبِيرَةٍ. وَلَكِنْ قَبْلَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ المَشْرُوعَةِ لِكَسْبِ العَيْشِ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ بِأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الرِّزْقِ التَّوْبَةَ إلى اللهِ تعالى، وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَكَثْرَةَ الاسْتِغْفَارِ. قَالَ تعالى حِكَايَةً عَنْ سَيِّدِنَا نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارَاً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارَاً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارَاً * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارَاً﴾؟

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)).

وَشَكَا رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- الْجَدْبَ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَشَكَا آخَرُ الْفَقْرَ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وَقَالَ لَهُ آخَرُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي وَلَدًا، فَقَالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وَشَكَا إِلَيْهِ رَجُلٌ جَفَافَ بُسْتَانِهِ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَتَاكَ رِجَالٌ يَشْكُونَ أَنْوَاعًا فَأَمَرْتَهُمْ كُلَّهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ. فَقَالَ: مَا قُلْتُ مِنْ عِنْدِي شَيْئًا، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)).فَإِنْ كُنْتَ تَرْغَبُ فِي سَعَةِ الرِّزْقِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ فَسَارِعْ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَاحْذَرْ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ هَذَا فِعْلُ الْكَذَّابِينَ. وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ: تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِيمَانُ بِهِ.

جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى التَّقْوَى مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَجْلِبُ الرِّزْقَ وَتَزِيدُهُ، فَقَالَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطَّلَاقِ: 2-3]. فَكُلُّ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَلَازَمَ مَرْضَاتَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ثَوَابِهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِنْ كُلِّ شِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَيَسُوقَ إِلَيْهِ الرِّزْقَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَحْتَسِبُهُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ.

قَالَ قَتَادَةُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} أَيْ: مِنْ شُبُهَاتِ الْأُمُورِ وَالْكَرْبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} وَمِنْ حَيْثُ لَا يَرْجُو أَوْ لَا يَأْمُلُ.وَمِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا يُسْتَجْلَبُ بِهِ الرِّزْقُ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطَّلَاقِ: 3]. فَمَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى فِي جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ، وَانْدَفَعَ عَنْهُ مَا أَغَمَّهُ، وَرَزَقَهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ. فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)).وَمِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: صِلَةُ الرَّحِمِ. فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ)). وَمِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: الْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَالرِّفْقُ بِالضُّعَفَاءِ، قَالَ ﷺ: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟!) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَلَى المُؤمِنِ الذِي آَمَنَ باسْمِ اللهِ الرَّزَّاقِ: أَنْ يُسْدِىَ الإِحْسَانَ إلِى عِبَادِهِ، وَيَبذِلَ فِي سَبِيلِهِ، وَلَيسَ لابنِ آَدَمَ مِنْ مَالِهِ إِلَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَقْرَأُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)[التكاثر:1]؛
قَالَ: “يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي. قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ”(رواه مسلم).وَمِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: التَّبْكِيرُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ فعَنْ صَخْرِ بْنِ وَدَاعَةَ الْغَامِدِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا). وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ.وَمِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: الْبَذْلُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ، وَخِدْمَةُ أَهْلِهِ، فَقَدْ كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَى الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: (لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَمِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، قَالَ تَعَالَى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: 132].وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: السَّعْيُ بِجِدٍّ وَكَسْبُ الْيَدِ، قَالَ ﷺ: (إِنَّهُ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهَا هُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَكْمَلُ النَّاسِ إِيمَانًا، وَأَصْدَقُهُمْ عَقِيدَةً وَيَقِينًا، وَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، طَلَبُوا الْأَسْبَابَ الْمَادِّيَّةَ لِلرِّزْقِ، قَالَ ﷺ: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.وَمِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ تَرْكَ الْكَسْبِ وَالِانْقِطَاعَ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَالْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ حَاضِرَ الْقَلْبِ وَالْجَسَدِ أَثْنَاءَ الْعِبَادَةِ، خَاشِعًا خَاضِعًا لِلَّهِ، مُسْتَحْضِرًا عَظَمَةَ خَالِقِهِ وَمَوْلَاهُ، مُسْتَشْعِرًا أَنَّهُ يُنَاجِي مَالِكَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ((يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ)).وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ رَبُّكُمْ تَعَالَى: ((يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى، وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ رِزْقًا، يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَبَاعَدْ عَنِّي فَأَمْلَأْ قَلْبَكَ فَقْرًا، وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ شُغْلًا)). قَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: عَلِمْتُ أَنَّ رِزْقِي لَا يَأْكُلُهُ غَيْرِي فَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسِي، وَعَلِمْتُ أَنِّي لَا أَخْلُو مِنْ عَيْنِ اللَّهِ حَيْثُ كُنْتُ فَأَنَا مُسْتَحْيٍ مِنْهُ.

وَمِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7]، فَعَلَّقَ سُبْحَانَهُ الْمَزِيدَ بِالشُّكْرِ، وَالْمَزِيدُ مِنْهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قَيِّدُوا نِعَمَ اللَّهِ بِشُكْرِ اللَّهِ، فَالشُّكْرُ قَيْدُ النِّعَمِ وَسَبَبُ الْمَزِيدِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: يَا سُفْيَانُ، إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ فَأَحْبَبْتَ بَقَاءَهَا وَدَوَامَهَا فَأَكْثِرْ مِنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}. وَشُكْرُ النِّعَمِ هُوَ قَيْدُ النِّعَمِ الْمَوْجُودَةِ وَصَيْدُ النِّعَمِ الْمَفْقُودَةِ. وَمِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ: اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ الْمَعَاصِي فَالطَّاعَاتُ سَبَبٌ لِنُزُولِ النِّعَمِ، وَحُصُولِ الْبَرَكَاتِ، وَالْمَعَاصِي وَالذُّنُوبُ تُزِيلُ النِّعَمَ وَتُحِلُّ النِّقَمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96].

إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها*****فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم

وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ*****فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم

الحَمدُ للهِ الذِي تَكَفَّلَ بِأرزَاقِ خَلقِهِ فَقَالَ: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[هود:6]. وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُاللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَليهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبعَهُ بِإِحْسَانٍ وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

 

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الرِّزْقُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى المَالِ فَحَسْب!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: وَرِزْقُ اللهِ -تَعَالَى- نَوعَان: الأَوّل رِزْقُ القُلُوبِ بِالعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالإِيمَانِ الصَحِيحِ، وَالعَلْمِ بِالحَقَائِقِ النَافِعَةِ وَالعَقَائِدِ الصَائِبَةِ، ثُمَ التَخَلُقِ بِالأَخْلَاقِ الجميلة، والتنزهِ عن الأخلاق الرذيلة. والنوعُ الثاني: إِيْصَالُ البَارِي جَمِيعَ الأَقْوَاتِ التِي تَتَغَذَّي بِها المَخْلُوقَاتِ بَرَّها وفَاجِرَها المُكَلفُونَ وَغَيرُهم.. فهُوَ الرَزَّاقُ الخَلَّاقُ وَهُوَ عَلَى كُلِ شَيءٍ قَدِير: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الشورى:12]، ورزقُهُ -سبحانَهُ- لا يخُصُ به مؤمنًا دونَ كافرٍ، ويسوقُهُ إلى الضعيفِ الذي لا حِيلَةَ لَهُ، كما يسوقُهُ إلى الجَلْدِ القوي، قال -تعالى-: (كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)[الإسراء:20].

وَأَرْزَاقُ اللهِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَفْضَالُهُ عَلَى خَلْقِهِ مُتَجَدِّدَةٌ؛ فَالْمَالُ رِزْقٌ، وَالْعِلْمُ رِزْقٌ، وَالْوَلَدُ وَالزَّوْجُ وَالسَّكَنُ وَالْجَاهُ وَالسُّلْطَانُ كُلُّهَا مِنَ الرِّزْقِ، وَإِذَا كَانَ الرِّزْقُ مَقْسُومًا لِكُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الرِّزْقِ مَا يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ مِنَ الْبَرَكَاتِ؛ إِذِ الْبَرَكَةُ تُنَمِّي الْمَالَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، وَتَزِيدُ فِي الْخَيْرِ وَالثَّمَرَةِ وَالْأَجَلِ. فَالْعَافِيَةُ رِزْقٌ، وَالأَبْنَاءُ رِزْقٌ، وَالأَمْنُ رِزْقٌ، وَالأَوْطَانُ رِزْقٌ، وَالأَخْلاقُ رِزْقٌ، قَالَ ﷺ: (وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) أخرجه البخاري ومتى أعرضَتِ الأمّةُ عَنْ شَرعِ اللهِ، نزَعَ الرَّزَّاقُ بركةَ رِزقِهِ منها، فكانَ الجوعُ والفقرُ والحاجةُ، كمَا قالَ سبحانَهُ: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا ‌رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  [النحل: ١١٢].

يَا عِبَادَ اللهِ: لِنَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا، وَلْنَقْنَعْ بِمَا آتَانَا اللهُ إِيَّاهُ، وَلْنَسْمَعْ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّ للآخَرِينَ مِنَ الخَيْرِ مَا نُحِبُّهُ لِأَنْفُسِنَا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ – أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ – مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

يَا عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَرَادَ اللهُ تعالى بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ أَنْ يَجْعَلَ أَرْزَاقَ النَّاسِ مُتَفَاوِتَةً، وَعَطَايَاهُ لَهُمْ مُخْتَلِفَةً، فَيُوَسِّعُ عَلَى بَعْضِهِمْ لِحِكْمَةٍ، وَيُضَيِّقُ عَلَى آخَرِينَ لِحِكْمَةٍ، وَقَدَرُهُ في ذَلِكَ جَارٍ، وَأَمْرُهُ نَافِذٌ، وَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ بِحِيلَةٍ أَو قُوَّةٍ أَنْ يُغَيِّرَ مِمَّا قَضَى اللهُ شَيْئًا، قَالَ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وَقَالَ تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

يَا عِبَادَ اللهِ: وَاللهِ إِنَّنَا لَنَعِيشُ في هَمٍّ وَغَمٍّ وَكَرْبٍ مِنْ أَجْلِ لُقْمَةِ العَيْشِ، طَاشَتْ عُقُولُ النَّاسِ، وَشَرَّقُوا وَغَرَّبُوا في الأَرْضِ يَبْحَثُونَ عَنْ لُقْمَةِ عَيْشِهِمْ، وَلَكِنْ وَبِكُلِّ صَرَاحَةٍ مَعَ الإِصْرَارِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا عَمَّا مَضَى، وَلَمْ يَعْزِمُوا عَلَى عَدَمِ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ فِيمَا اعْتَادُوا الوُقُوعَ فِيهِ في المَاضِي بِعَزْمٍ صَادِقٍ وَنِيَّةٍ جَازِمَةٍ.

نَعَمْ يَا عِبَادَ اللهِ: المَعَاصِي وَالمُنْكَرَاتِ، وَالأَمْرُ بِالمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنِ المَعْرُوفِ سَبَبٌ لِزَوَالِ النِّعَمِ، وَسَبَبٌ لِضِيقِ العَيْشِ، وَسَبَبٌ لِغَلَاءِ الأَسْعَارِ، فَإِذَا أَرَدْنَا سَعَةَ الرِّزْقِ، وَرَغَدَ العَيْشِ، فَلْنَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا العَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لَمَّا اسْتَسْقَى بِهِ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَامَ الرِّمَادَةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا يُكْشَفُ إِلَّا بِتَوْبَةٍ))

فاللَّهُمَّ رَضِّنَا بِقَضَائِكَ وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا قُدِّرَ لَنَا، حَتَّى لَا نُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ، وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ. آمين. حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.

كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ

د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ

 إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ