بِنَاءُ “الْمَنَاعَةِ الْفِكْرِيَّةِ” لِلْأَجْيَالِ: فِقْهُ “التَّحْصِينِ” ضِدَّ مَوْجَاتِ الشَّكِّ
29 مارس، 2026
منوعات

بِقَلَمِ الشَّيْخِ : أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشْنِيِّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي جَعَلَ اليَقِينَ لِلْعِبَادِ جُنَّةً ، وَأَفَاضَ عَلَى أَهْلِ الثَّبَاتِ مِنْ لَدُنْهُ مِنَّةً ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ كَانَ لِلْحَيَارَى أَبًا رَحِيمًا، وَلِلْكِرَامِ مَنْهَجًا قَوِيمًا ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ التَّرْبِيَةَ هِيَ رُوحُ “التَّحْصِينِ”، وَلَيْسَتِ المَنَاعَةُ أَنْ تَمْنَعَ الأَجْيَالَ مِنَ التَّفْكِيرِ فَحَسْبُ، بَلِ المَنَاعَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَبْنِيَ فِيهِمْ عَقِيدَةً “ثَابِتَةً” تُقِرُّ فِيهَا “عِزَّةَ نَفْسِهِمْ” أَمَامَ الشَّبُهَاتِ.
وَفِي ظِلِّ مَا نُعَانِيهِ الْيَوْمَ مِنْ شِدَّةِ فِتَنِ الأَفْكَارِ، تَرَبَّعَتْ خَلْفَ العُقُولِ المُوصَدَةِ شُكُوكٌ يَحْسَبُهَا الضَّعِيفُ حَقَائِقَ ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الشَّكِّ الَّذِينَ يَجِبُ أَنْ نَتَرَصَّدَ حَاجَاتِهِمْ بِكَرَمِ “التَّثْبِيتِ”.
(الْمِيزَانُ النَّبَوِيُّ لِأَدَبِ الثَّبَاتِ): لَقَدْ عَلَّمَنَا سَيِّدُنَا الْمُصْطَفَى ﷺ أَنَّ اليَقِينَ لَا يَنْتَزِعُهُ شَيْءٌ مِنَ الصُّدُورِ بَعْدَ مُخَالَطَتِهِ لَهَا، وَقَالَ سَيِّدُنَا أَبُو سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ لِهِرَقْلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ صَحَابَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ هِرَقْلُ: «وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ».
فَالْإِرَادَةُ هُنَا هِيَ قَمْعُ نَفْسِكَ عَنْ حُبِّ الظُّهُورِ بِالشَّكِّ ، وَالْكَرَمُ هُوَ أَنْ تَهَبَ الثَّبَاتَ لِلْمُحْتَاجِ كَمَا تَهَبُهُ المَالِ.
قِصَّةُ “اليَقِينِ الشَّامِخِ” وَثَبَاتِ السَّحَرَةِ: يُرْوَى فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يَطْلُبُونَ القُرْبَ وَالأَجْرَ مِنَ الحَاكِمِ، فَلَمَّا أَبْصَرُوا مُعْجِزَةَ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمَسُوا حَقِيقَةَ الإِيمَانِ، خَرُّوا سُجَّداً.
فَاحْتَالَ فِرْعَوْنُ بِمَكْرِهِ، وَطَرَقَ بَابَ التَّخْوِيفِ فَقَال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ. فَبَكَوْا فَرَحاً بِمَا نَالُوهُ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا التَّهْدِيدَ يَحْمِي كِبْرِيَاءَهُمْ مِنْ ذُلِّ التَّرَاجُعِ.
هَذَا هُوَ “اليَقِينُ” الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَنْ تَتَعَبَّدَ بِالثَّبَاتِ كَمَا تَتَعَبَّدُ بِالبَذْلِ.
(كَيْفَ نُطَبِّقُ فِقْهَ “التَّحْصِينِ”؟):
إِنَّ الْمُرِيدَ الصَّادِقَ هُوَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ “مَوَاطِنِ الحَيْرَةِ” لِيَجْبُرَهَا بِصَمْتٍ:
-
جُودُ “التَّدَبُّرِ”: إِذَا رَأَيْتَ شَابّاً يُقَلِّلُ مِنْ يَقِينِهِ بِسَبَبِ شُبْهَةٍ، فَلَا تَسْأَلْهُ عَنْ كُفْرِهِ، بَلْ أَهْدِهِ مِنَ الحِكْمَةِ كَأَنَّكَ طَالِبٌ لِفَهْمِهِ.
-
إِرَادَةُ “اليَقِينِ”: فَلَا تَجْعَلِ الشُّكُوكَ مَشْهَداً لِلْمُجَادَلَةِ ، فَإِنَّ “الْفِلَاشَ” الَّذِي يُضِيءُ السِّجَالَ قَدْ يُطْفِئُ نُورَ الفِطْرَةِ فِي صَاحِبِ الحَيْرَةِ.
-
الْبَحْثُ عَنِ “المُثَبَّتِينَ”: وَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا تَرَاهُمْ يَصْرُخُونَ بِالشُّبُهَاتِ، بَلْ يَخْتَبِئُونَ خَلْفَ ثَبَاتِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ أَوْلِيَاءُ اليَقِينِ.
مَوْقِفُ “سَيِّدِنَا بِلاَلٍ” وَصَخْرَةِ الرَّمْضَاءِ: يُرْوَى عَنْ سَيِّدِنَا بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ رَضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَاسِي العَذَابَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَيُوضَعُ الصَّخْرُ عَلَى ظَهْرِهِ لِيَكْفُرَ، فَكَانَ يَقُولُ: “أَحَدٌ أَحَدٌ”. لَمْ يَزِدْهُ العَذَابُ إِلَّا يَقِيناً. لَقَدْ عَاشُوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالخَفَاءِ، فَأَظْهَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالنُّورِ وَالبَهَاءِ.
نَصَائِحُ لِلْمُرِيدِينَ:
-
كُنْ “كَرِيمَ الفِكْرِ” مَعَ الشَّبَابِ: إِذَا كَانَ لَكَ عِلْمٌ وَرَأَيْتَ ضِيقَ عَقْلِ الشَّابِّ بِالشُّبْهَةِ، فَاجْعَلْ قَضَاءَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ “هَدِيَّةً” له وَلَا تُحْرِجْهُ بِالعِتَابِ.
-
اجْعَلْ يَقِينَكَ “خَبِيئَةً”: فَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَلْقُ نَقَصَ، وَمَا خَلَصَ لِلْحَقِّ زَكَا وَخَلَصَ.
-
ارْحَمْ “قُلُوبَ” الصِّغَارِ: حِينَ تَرَى شَابّاً يَحْمِلُ شُبْهَةً، لَا تَنْظُرْ إِلَى حَالِهِ نَظْرَةَ شَفَقَةٍ تَجْرَحُهُ، بَلْ نَظْرَةَ حُبٍّ عَقْلِيٍّ تَجْبُرُهُ.
خِتَامًا: الإِيمَانُ لَيْسَ جَدَلًا، بَلْ هُوَ يَقِينٌ وَسَلَامٌ.
فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَجْبُرُونَ الْخَوَاطِرَ، وَيَسْتُرُونَ السَّرَائِرَ ، وَارْزُقْنَا إِرَادَةً تَكُفُّنَا عَنِ المَنِّ وَالأَذَى، وَكَرَماً يَبْلُغُ بِنَا رِضَاكَ الْأَسْمَى.
وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ، وَبِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ