
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْز
بِتَارِيخِ 15 شَوَّال 1447هـ / 3 إبريل 2026م
لتحميل الخطبة pdf اضغط ادناه
qol eslah lahom
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَوصَى بِالإِحْسانِ إِلى الأَيْتامِ، وأَمَرَ لَهُمْ بِجَمِيلِ الرِّعايَةِ وحُسْنِ القِيامِ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، أَجابَ مَنْ سأَلَ عَنِ اليَتامَى فَقالَ: ((قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)) ، وَنَهَى عَنْ قُرْبِ أَمْوالِهِم بِظُلْمٍ أَو ضَيْرٍ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّداً عَبْدُاللهِ ورَسُولُهُ، وَجَدَهُ يَتِيماً فَآواهُ، وضَالاًّ فَأَرشَدَهُ وهَداهُ، وعَائلاً فَرَزَقَهُ وأَغنَاهُ، -صلى الله عليه وسلم- وَعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أُولِي الإِحْسانِ والتَّكْرِيمِ، ورُعاةِ حُقُوقِ المِسكِينِ واليَتِيمِ، وعَلَى مَنْ سَارَ علَى نَهْجِهم المُستَقِيمِ إِلى يَوْمِ الدِّينِ أَمَّا بَعْدُ….فَأَوْصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 102) عِبَادَ اللّهِ: ((قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا……
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
-
أَوَّلًا: الْيَتِيمَ الْيَتِيمَ، عِبَادَ اللَّهِ!!
-
ثَانِيًا: إِيَّاكَ وَقَهْرَ الْيَتِيمِ!!!
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الشَّائِعَاتُ خِزْيٌ وَعَارٌ، وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ قَوْلِهِ: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}، وَعَنْ إِكْرَامِ الْيَتِيمِ، وَعَنْ خَطَرِ الشَّائِعَاتِ. وَخَاصَّةً وَإِنَّ إِكْرَامَ الْيَتِيمِ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِحْسَانٍ مِنْكَ أَوْ تَعَطُّفٍ، بَلْ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ تَجْدِيدٌ لِلْعَهْدِ مَعَ سَيِّدِ الْأَنَامِ، وَتَأَسٍّ بِهِ فِي مَوْطِنٍ عَظِيمٍ مِنْ مَوَاطِنِ الرَّحْمَةِ الَّتِي جَاءَ لِيَنْثُرَ أَرِيجَهَا عَبْرَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَكَانَتْ دَيْدَنًا لَهُ ﷺ، وَوَصْفًا لَازِمًا، وَعُنْوَانًا لِرِسَالَةٍ جَامِعَةٍ؛ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.فَطُوبَى لِمَنْ جَدَّدَ الْعَهْدَ، وَاقْتَفَى الْأَثَرَ. وَخَاصَّةً أَنَّ شَرَّ الْمَكَاسِبِ الرِّبَا، وَشَرَّ الْمَآكِلِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَاصَّةً وَفِي شَهْرِ أَبْرِيلَ مِنْ كُلِّ عَامٍ يَحْتَفِلُ النَّاسُ بِمَا يُسَمَّى بِعِيدِ الْيَتِيمِ، مَعَ أَنَّ دِينَنَا أَمَرَنَا بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتِيمِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. وَخَاصَّةً أَنَّ الشَّائِعَاتِ مِنْ أَخْطَرِ الْآفَاتِ الَّتِي تُهَدِّدُ تَمَاسُكَ الْمُجْتَمَعَاتِ وَاسْتِقْرَارَهَا؛ إِذْ تَنْتَشِرُ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ، حَامِلَةً مَعَهَا قَدْرًا كَبِيرًا مِنَ التَّضْلِيلِ وَالْبَلْبَلَةِ، فَتُشَوِّهُ الْحَقَائِقَ، وَتَزْرَعُ الشُّكُوكَ، وَتُضْعِفُ الثِّقَةَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ بِالتَّحْدِيدِ.
احْفَظْ لِسَانَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ***** لَا يَلْدَغْنَكَ، إِنَّهُ ثُعْبَانٌ
كَمْ فِي الْمَقَابِرِ مِنْ قَتِيلِ لِسَانِهِ****كَانَتْ تَهَابُ لِقَاءَهُ الشُّجْعَانُ.
-
أَوَّلًا: الْيَتِيمَ الْيَتِيمَ، عِبَادَ اللَّهِ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخْيَارُ: الْيَتِيمُ هُوَ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلَا عِبْرَةَ بِوَفَاةِ الْأُمِّ؛ فَمَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ وَكَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا فَلَيْسَ بِيَتِيمٍ كَمَا يَعْتَقِدُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ، فَالْعِبْرَةُ فِي الْيَتِيمِ بِمَوْتِ الْأَبِ لَا بِمَوْتِ الْأُمِّ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَعُولُ الصَّغِيرَ، وَيَرْعَى الْيَتِيمَ، وَيَقُومُ بِتَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَكَثِيرًا مَا يَجِدُ الْوَلَدُ فِيهِ مِنَ الْعَطْفِ وَالْحَنَانِ مَا يُعَوِّضُهُ عَنْ أُمِّهِ.هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِبَنِي آدَمَ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْأُخْرَى، فَالْيَتِيمُ هُوَ الَّذِي مَاتَتْ أُمُّهُ. وَأَمَّا مَن بَلَغَ فَلا يُسَمَّى يَتِيمًا، قَالَ- صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: “لا يُتمَ بَعدَ احتِلامٍ، وَلا يُتمَ عَلَى جَارِيَةٍ إِذَا هِيَ حَاضَت”(رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ)
وَلقَدْ شَرَّفَكُم اللَّهُ تَعَالَى بِدِينٍ فِيهِ سَعادَتُكُمْ، وأَكْرَمَكُمْ بِمَنهَجٍ فِيهِ فَوزُكُمْ ونَجاتُكُم، دِينُ الرَّحْمَةِ والتَّكافُلِ والتَّناصُرِ، دِينُ الأُخُوَّةِ والتَّعاوُنِ والتَّآزُرِ، قَالَ جل وعلا ((وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))، دِينٌ سَعِدَتْ بِهِ البَشَرِيَّةُ، واستَراحَتْ بِرَوائِعِ تَشْرِيعاتِهِ الإِنسَانِيَّةُ، غَرَسَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنينَ مَبْدأَ التَّراحُمِ والإِحْساسِ بِبُنْيَةِ الجَسَدِ الواحِدِ، فَعَنْ رَسُولِ الإِسْلاَمِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: ((مَثَلُ المُؤمِنينَ فِي تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ كَمَثلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ؛ إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَداعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى))، دِينٌ يُكْسِبُ أَتْباعَهُ تَلاَحُماً تَهُونُ مَعَهُ مَصائِبُ الحَياةِ الكَثِيرَةِ، ويَتَغلَّبُونَ بِهِ علَى تَقلُّبَاتِ الزَّمانِ الخَطِيرَةِ، فَقَدْ يُبتلَى بَعْضُ النَّاسِ بِالأَمْراضِ والمَصائِبِ والنَّكَبَاتِ، ابتِلاءً وامتِحاناً واختِباراً، علَى أَنَّ هَذِهِ الابتِلاءاتِ والامتِحاناتِ فِي المُجتَمَعِ المُسلِمِ يَهُونُ وَقْعُها، وتَخِفُّ وَطْأَةُ أَحزانِها وآلامِها، لأَنَّهُ مُجتَمَعٌ مُتكافِلٌ مُتراحِمٌ، يَقِفُ المُسلِمُ فِيهِ مَعَ أَخِيهِ فِي مُصَابِهِ، ويُعاوِنُهُ فِي حاجَتِهِ، ويُواسِيهِ فِي هَمِّهِ وغَمِّهِ، وهَكَذا عَاشَ المُسلِمونَ لاَ تُؤَثِّرُ فِيهِمُ المَصائِبُ، ولاَ تُزَعْزِعُهُمُ النَّكَباتُ والمَتاعِبُ، لأَنَّ الجَمِيعَ قَدْ تَكافَلُوا وتَناصَروا، وقَامَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِوَاجِبِهِ تِجاهَ غَيْرِهِ.
لِذَا رَغَّبَ الإِسْلَامُ الْقَادِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ وَالإِنْفَاقِ إِلَى كَفَالَةِ الْيَتِيمِ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَجَبرِ خَوَاطِرِهِم وَقُلُوبِهِم بِشَيءٍ مِنَ المِيرَاثِ إِن لم يَكُونُوا وَارِثِينَ، قَالَ-تَعَالى(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا)[النساء:
وَالْعَمَلِ عَلَى إِعْدَادِهِمْ بَدَنِيًّا وَجَسَدِيًّا وَنَفْسِيًّا وَعَقْلِيًّا؛ حَتَّى يُصْبِحُوا رِجَالًا صَالِحِينَ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى للرِّسَالَةِ.
فَلَقَدْ كَانَ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ ﷺ يَتِيمًا ، وَهَا هُوَ رَبُّ الْعِزَّةِ جَلَّ وَعَلَا يَمْتُنُّ عَلَى حَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى وَنَبِيِّهِ الْمُجْتَبَى بِهَذِهِ الْمِنَّةِ وَهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا إِيَّاهُ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [سُورَةُ الضُّحَى].أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، خَرَجْتَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا فَكُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ مَوْلَاكَ، وَكُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ مَوْلَاكَ، وَكُنْتَ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ مَوْلَاكَ، فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ أَبَدًا. فَكَانَ يُتْمُهُ ﷺ تَشْرِيفًا لِكُلِّ يَتِيمٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَالَ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ الْعَدْنَانِي ﷺ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ كُنْتَ يَوْمًا يَتِيمًا فَآوَاكَ مَوْلَاكَ، فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ أَبَدًا، بَلْ يَسِّرْ لَهُ أَمْرَهُ؛ إِذَا بَكَى فَسَكِّتْهُ، وَإِذَا غَضِبَ فَأَرْضِهِ، وَإِذَا تَعِبَ فَخَفِّفْ عَنْهُ. فَكَانَ ﷺ يُوصِي بِالْيَتِيمِ، وَيَبَرُّهُ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ، فَقَالَ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
وَكَيْفَ لَا؟
وإِلى جَانِبِ الرِّعايَةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْيَتِيمِ حَثَّ الإِسلاَمُ ورَغَّبَ فِي رِعايَتِهِ مادِيّاً، بِتَوفِيرِ مَا يَحتاجُهُ مِنْ مَلْبَسٍ ومَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ وسَائِرِ احتِياجَاتِ الحَياةِ، ويَتَعاظَمُ ثَوابُ كَافِلِ اليَتِيمِ إِذا جَعَلَ ذَلِكَ علَى نَفَقَتِهِ الخَاصَّةِ، قَالَ تَعالَى: ((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)) ، وقَالَ سُبْحانَهُ: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا)) ، ولَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- قُدْوَةً فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ يَضُمُّ الأَيتامَ إِليهِ، ويَجْعلُهُم كأَبْنائِهِ ومَنْ يَعولُ مِنْ أُسرتِهِ، وذَلِكَ كَما فَعَلَ بِأَولادِ أَبِي سَلَمةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الذِي مَاتَ عَنْ أَولاَدٍ صِغارٍ، وعَنْ زَوجَتِهِ الكَرِيمَةِ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها-، فَتَزَوَّجَها النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وقَامَ بِكَفالَتِها هِيَ وأَولاَدِها جَمِيعاً كَما يَكفُلُ أَولاَدَهَ وأَهلَ بَيتِهِ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَلَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي الْقُرْآنِ بِالإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَعَلَى مُسْتَوَى الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ، فَقَالَ رَبُّنَا:{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُحْسِنُوا إِلَى الْيَتَامَى، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ }
وَلِعَظَمِ مَكَانَةِ الْيَتِيمِ فِي الْمُجْتَمَعِ، قَامَ نَبِيَّانِ كَرِيمَانِ، وَهُمَا مُوسَى وَالْخَضِرُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، بِبِنَاءِ الْجِدَارِ مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ مَنَعُوا مِنْهُمَا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ عِنْدَمَا أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الْخَضِرِ: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ: لَوْ شِئْتُ لَاتَّخَذْتُ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) (سورة الكهف)
والسَّبُ{ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } فَلِمَاذَا لَا نُحْسِنُ إِلَى الْيَتَامَى عِبَادَ اللَّهِ، وَلِمَاذَا نُسِيئُ إِلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ وَلَقَدْ جَاءَتْ سُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ تَأْمُرُنَا وَتَحُثُّنَا عَلَى كَفَالَةِ الْيَتِيمِ، وَبَلَّغَتْنَا فَضْلَ كَفَالَةِ الْيَتِيمِ، فَمِنْ ذَلِكَ: كَافِلُ الْيَتِيمِ جَارٌ لِلنَّبِيِّ الْعَدْنَانِ فعن سَهْلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) وفي رواية بن ماجه( مَنْ عَالَ ثَلَاثَةً مِنْ الْأَيْتَامِ كَانَ كَمَنْ قَامَ لَيْلَهُ وَصَامَ نَهَارَهُ وَغَدَا وَرَاحَ شَاهِرًا سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ أَخَوَيْنِ كَهَاتَيْنِ أُخْتَانِ وَأَلْصَقَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى) فَكَافِلُ الْيَتِيمِ جَارٌ لِلنَّبِيِّ الْعَدْنَانِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ، فَأَيُّ فَضْلٍ بَعْدَ هَذَا الْفَضْلِ!! وَأَيُّ شَرَفٍ بَعْدَ هَذَا الشَّرَفِ!! وَأَيُّ مَنْزِلَةٍ بَعْدَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ!! أَنَّهَا مُجَاوَرَةُ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ!! فَيَا سَعَادَةَ مَنْ كَانَ رَفِيقًا لِلنَّبِيِّ فِي الْجَنَّةِ، وَيَا سَعْدَ مَنْ كَانَ جَارًا لِلنَّبِيِّ فِي الْجَنَّةِ، وَيَا تَعَاسَةَ مَنْ أُبْعِدَ عَنْ مُرَافَقَةِ النَّبِيِّ فِي الْجَنَّةِ.أَلَمْ تَقْرَأْ قَوْلَ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:{ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) } [سورة آل عمران]
وَكَيْفَ لَا؟ وَالإِحْسَانُ إِلَى الْيَتِيمِ وَالْأَرْمَلَةِ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وَكَيْفَ لَا؟ وَلَقَدْ أُوْحِيَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا إِلَى دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى نَبِيِّنَا السَّلَامُ: «يَا دَاوُدُ، كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، وَكُنْ لِلْأَرْمَلَةِ كَالزَّوْجِ الشَّفِيقِ». وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ كَذَا تَحْصُدُ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي ظِلِّ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَى ظِلِّهِ يَوْمَ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ))وَقَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مُنَاجَاتِهِ: «إِلَهِي، مَا جَزَاءُ مَنْ أَسْنَدَ الْيَتِيمَ وَالْأَرْمَلَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؟» قَالَ: «جَزَاؤُهُ أَنْ أُظِلَّهُ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي»، مَعْنَاهُ ظِلُّ عَرْشِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَكَفَالَةُ الْيَتِيمِ وَالإِحْسَانُ إِلَيْهِ تُزِيلُ قُسْوَةَ الْقُلُوبِ، عِبَادَ اللَّهِ. فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ الْأَزْدِيِّ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ: يَا أَخِي، ” أَدْنِ الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَشْكُو إِلَيْهِ قَسْوَةَ الْقَلْبِ، فَقَالَ لَهُ: «أَدْنِ الْيَتِيمَ مِنْكَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ؛ يَلِنْ قَلْبُكَ، وَتَقْدِرْ عَلَى حَاجَتِكَ» وعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُلَيَّنَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمَسَاكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» [السنن الكبرى للنسائي].
بَلْ كَافِلُ الْيَتِيمِ يَزَاحِمُ النَّبِيَّ الْعَدْنَانَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، حَكَى النَّبِيُّ ﷺ لِلأَصْحَابِ قِصَّةَ أَرْمَلَةٍ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ الْعَائِلُ الْوَحِيدُ لَهَا، وَرَفَضَتِ الْمَرْأَةُ الزَّوَاجَ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَحَمَّلَتِ الْمَرْأَةُ مَرَارَةَ الْفِرَاقِ، وَصَمَدَتْ أَمَامَ فِتَنِ الدُّنْيَا، وَتَحَمَّلَتِ الْكَثِيرَ وَالْكَثِيرَ، فَكَانَ الْجَزَاءُ بِأَنْ زَاحَمَتْ سَيِّدَ وُلْدِ عَدْنَانٍ ﷺ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يُعْلِي وَغَيْرُهُ، وَقَالَ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: إِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ:أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي – أَيْ تُسَابِقُنِي – فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ وَمَا أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي».وَفِي لَفْظٍ: «فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجِي وَتَرَكَ عَلَيَّ أَوْلَادًا فَقَعَدْتُ أُرَبِّيهِمْ».امْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ لَهَا أَطْفَالًا، فَقَامَتْ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ بِعِفَّةٍ وَطَهَارَةٍ وَصِدْقٍ، فَنَالَتْ هَذَا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ….فَمَا هِيَ الْمُؤَهِّلاتُ الَّتِي حَصَلَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْمَرْأَة؟ أَنَّهَا رَبَّتِ الْيَتَامَى وَتَحَمَّلَتْ مَرَارَةَ الْفِرَاقِأعلى النموذجأسفل النموذج وَصَمَدَتْ أَمَامَ فِتَنِ الدُّنْيَا وَتَحَمَّلَتِ الْكَثِيرَ وَالْكَثِيرَ، فَكَانَ الْجَزَاءُ بِأَنْ زَاحَمَتْ سَيِّدَ وُلْدِ عَدْنَانٍ ﷺ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فَأَيُّ فَضْلٍ بَعْدَ هَذَا الْفَضْلِ!! وَأَيُّ شَرَفٍ بَعْدَ هَذَا الشَّرَفِ!! وَأَيُّ مَنْزِلَةٍ بَعْدَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ!!إِنَّهَا مُجَاوَرَةُ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ فِي الْجَنَّةِ، إِنَّهَا مُزَاحَمَةُ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فَاغْتَنِمِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وَأَحْسِنْ إِلَى الْيَتَامَى بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ لأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بُغْتَةً وَالْقَبْرَ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ. فاتَّقوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، وأدُّوا مَا أَوجَبَ اللهُ علَيكُم فِي شأْنِ اليَتامَى وأَموالِهم، فإِنَّهم أَبْناؤُكم وأَمانَةٌ فِي أَعناقِكُم.
-
ثَانِيًا: إِيَّاكَ وَقَهْرَ الْيَتِيمِ!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخْيَارُ: لَقَدْ حَذَّرَ الإِسْلَامُ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ وَشَدَّدَ أَشَدَّ التَّشْدِيدِ عَلَى حُقُوقِ الْيَتَامَى وَعَلَى حُرْمَةِ الْأَكْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَبُّنَا:
{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } [النِّسَاء: 10]
قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ غَطَفَانَ وُلِّيَ مَالَ ابْنِ أَخِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ يَتِيمٌ فَأَكَلَهُ ))اللَّهُ أَكْبَر… إِنَّهَا صُورَةٌ مُفْزِعَة… صُورَةُ النَّارِ فِي الْبُطُونِ… وَصُورَةُ السَّعِيرِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ. يَا رَبِّ سَلِّمْ….لَقَدْ هَزَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هَزًّا عَنِيفًا وَمَلَأَتْهُمْ بِالْخَوْفِ وَالرَّهْبَةِ، وَوَقَعُوا فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ.كَما قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، انْطَلَقَ كُلُّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ عَنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ عَنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفَضِّلُ الشَّيْءَ أَيْ يَتَبَقَّى مِنْ أَكْلِ الْيَتِيمِ فَيُحْبَسُ لَهُ، وَلَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ حَتَّى يَأْكُلَهُ الْيَتِيمُ، أَوْ يُفْسَدَ.فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَجَلَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [البَقَرَة: 220]فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِ الْيَتِيمِ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ.وَلَقَدْ قَالَ رَبُّنَا:{ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } [النِّسَاء: 2]
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قَوْمًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ مَشَافِرَهُمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟
قَالَ: هُمْ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ((وَقَالَ السُّدِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْشَرُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنِهِ، وَكُلُّ مَنْ رَآهُ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ(وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، أَيْ الْمُهْلِكَاتِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ».
وَجَعَلَ اللَّهُ زَجْرَ الْيَتِيمِ وَقَهْرَ الْيَتِيمِ مِنْ عَلَامَاتِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، فَقَالَ رَبُّنَا:{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } [الْمَاعُون: 6]نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ، وَقِيلَ: فِي أَبِي جَهْلٍ أَنَّهُ كَانَ وَصِيًّا لِيتِيمٍ، فَجَاءَهُ وَهُوَ عُرْيَانٌ يَسْأَلُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَدَفَعَهُ وَلَمْ يُعِرْهُ اهْتِمَامًا، فَأَيْسَ الصَّبِيُّ، فَقَالَ لَهُ أَكَابِرُ قُرَيْشٍ: «قُلْ لِمُحَمَّدٍ يَشْفَعُ لَكَ عِنْدَ أَبِي جَهْلٍ»، وَكَانَ غَرَضُهُمْ الاسْتِهْزَاءُ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْيَتِيمُ ذَلِكَ.فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْتَمَسَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ يَرُدُّ مُحْتَاجًا، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنَّهُ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، إِنَّهُ الَّذِي كَانَ يَتِيمَهُ تَشْرِيفًا لِكُلِّ يَتِيمٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَا عَلَيْهَا.
{ فَأَمَّا الْيَتِيمُ فَلَا تَقْهَرْ } [الْمَدِيَّة: 9] فَذَهَبَ مَعَهُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ فَرَحَّبَ بِهِ وَبَذَلَ الْمَالَ لِلْيَتِيمِ، فَعِيرَتْ قُرَيْشُ أَبَا جَهْلٍ، فَقَالُوا: «صَبَوْتَ؟» فَقَالَ: «لَا وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ، لَكِنْ رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي حَرْبَةً خِفْتُ إِنْ لَمْ أُجِبْهَا أَطْعَنَتْنِي».اللَّهُ أَكْبَر! وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ النَّبِيِّ شَيْءٌ، لَكِنَّهَا عُقُوبَةٌ مِنْ ظُلْمٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ.
وَلَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «إِذَا ضُرِبَ الْيَتِيمُ أَوْ بَكَى اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِبُكَائِهِ، وَنَادَى اللَّهُ فِي كِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ أَبْكَى هَذَا الْيَتِيمَ الَّذِي غِيبَ أَبَاهُ فِي التُّرَابِ؟ فَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ، لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، أَشْهَدُكُمْ أَنَّ مَنْ أَرْضَى هَذَا الْيَتِيمَ فِي أَرْضِهِ مِنْ عِنْدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
وَمِنْ قَهْرِ الْيَتِيمِ: عَدَمُ إِكْرَامِهِ؛ لأَنَّ النَّاسَ فِي الْغَالِبِ يُكْرَمُونَ مَنْ يَأْمُلُونَ خَيْرَهُ فِي الدُّنْيَا؛ وَلِذَلِكَ مَنْ ضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَضَعُفَ إِيمَانُهُ فَلَا يُكْرَمُ الْيَتِيمُ؛ لِأَنَّهُ -بِنَظْرَتِهِ الْمَادِّيَّةِ- يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ مِنَ الْيَتِيمِ.
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ هَؤُلَاءِ:﴿ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ [الْفَجْر: 17].فَيَا لَهُ مِن ظُلمٍ عَظِيمٍ وَاعتِدَاءٍ قَبِيحٍ، حِينَمَا يَأكُلُ العَمُّ حَقَّ بَنِي أَخِيهِ اليَتَامَى، أَو يَستَولِي الأَخُ الأَكبَرُ عَلَى حَقِّ إِخوَتِهِ الصِّغَارِ بَعدَ مَوتِ أَبِيهِم، أَو يَحرِمُ أيًّا مِنهُم مَالَهُ وَخَاصَّةً البَنَاتِ الضَّعِيفَاتِ، وَاللهِ إِنَّ شَربَةَ مَاءٍ مِن أَموَالِ اليَتَامى بِغَيرِ حَقٍّ، لَهِيَ نَارٌ تَغلِي في بَطنِ شَارِبِهَا، وَإِنَّ لُقمَةَ خُبزٍ مِن أَموَالِ اليَتَامَى بِغَيرِ حَقٍّ، إِنَّهَا لَنَارٌ تَتَأَجَّجُ في بَطنِ آكِلِهَا، وَإِنَّ شَيئًا مِن مَالَ اليَتَامَى يَجحَدُهُ وَلِيُّهُم أَو يَخلِطُ بِهِ مَالَهُ، لَهُوَ سُحتٌ يَسحَقُ مَالَهُ وَيُذهِبُ بَرَكَتَهُ، وَحَرَجٌ تَضِيقُ بِهِ حَيَاتُهُ، وَإِثمٌ مُبِينٌ وَوِزرٌ ثَقِيلٌ يَقصِمُ ظَهرَهُ، قَالَ- صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: “إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ: اليَتِيمِ وَالمَرأَةِ”(رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ )فاتَّقوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، واحرِصُوا علَى رِعايَةِ الأَيتامِ وتَربِيَتِهم علَى مَعالِي الأُمورِ وما يُصلِحُ دِينَهُمْ ودُنياهُم، تَرقَى بِذلِكَ مُجتَمعاتُكم ويَعلُو فِي النَّاسِ شَأنُكُم. وَاعْلَمُوا، حَفِظَكُمُ اللَّهُ.
لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنْ اِنْتَهَى أَبَوَاهُ *** مِنَ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلًا
إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلَقَّى لَهُ *** أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولًا
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ…
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الشَّائِعَاتُ خِزْيٌ وَعَارٌ، وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ!!
مجلة روح الاسلام فيض المعارف