من جوامع كلمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : “قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ”

بقلم / أ . د : السيد أحمد أحمد سحلول

أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية أصول الدين والدعوة في المنصورة ، وعضو الاتحاد العالمي للغة العربية.

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِىِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ    قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِى في الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ – وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ : غَيْرَكَ – قَالَ: « قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ »( رواه مسلم ح(168)  .

“قولاً”: جامعًا لمعاني الدين واضحًا في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك أعمل عليه وأكتفي به، بحيث لا يحوجني لما اشتمل عليه من بديع الإحاطة والشمول ونهاية الإيضاح والظهور إلى أن أسأل.

“آمنت” أي: جدد إيمانك متذكرًا بقلبك ذاكرًا بلسانك مستحضرًا تفاصيل معاني الإيمان الشرعي.

“استقم” على عمل الطاعات والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده(دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 1 / 350).

فلفظ هذا الحديث: جامع لجميع الأوامر والنواهي، فإنه لو ترك أمرًا أو فعل منهيا فقد عدل عن الطريق المستقيمة حتى يتوب.

ومن رضي بالله ربًا يؤدي مقتضيات الربوبية ويحقق مراضيه ويشكر نعماءه(تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 7 / 91).

قال القاضي عياض: هذا من جوامع كلمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،وهو مطابق لقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)(فصلت: 30 ، الأحقاف:13) أي وحدوا الله وآمنوا به ثم استقاموا فلم يحيدوا عن التوحيد والتزموا طاعته سبحانه وتعالى إلى أن توفوا على ذلك(شرح النووي على صحيح مسلم  2 / 9.).

والمراد الاستقامة على التوحيد الكامل واتباع الكتاب والسنة (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 1 / 349 ، 350).

قال أبو بكر الصديقـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ    في تفسير { ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال: لم يشركُوا بالله شيئاً. وعنه قال : لم يلتفتوا إلى إله غيره . وعنه tقال : ثم استقاموا على أنَّ الله رَبُّهم(الزهد لابن المبارك ص328.) .

فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله ، وعلى خشيته ، وإجلاله ، ومهابته ، ومحبته ، وإرادته ، ورجائه ، ودعائه ، والتوكُّلِ عليه ، والإعراض عما سواه ، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته ، فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء ، وهي جنودهُ ، فإذا استقامَ الملك ، استقامت جنودُه ورعاياه ، وكذلك فسَّر قوله تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا } (الروم : 30) بإخلاص القصد لله وإرادته وحدَه لا شريكَ له .

وأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح اللسانُ ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه(جامع العلوم والحكم ص205.) .

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ     قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : “لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ”( أخرجه أحمد في المسند 3/198 ح(13079))

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ    رَفَعَهُ ، قَالَ: “إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ، فَإِن الأعضَاءَ كُلهَا تكَفِّرُ اللِّسَانَ ، فَتَقُولُ : اتقِ اللهِ فِينَا ، فَإنَمَا نَحْنُ بِكَ ، فَإِنِ اسْتَقَمتَ استقَمْنَا ، وَإِنِ أعْوَجَتَ أعْوَجَجْنَا”( أخرجه الترمذي في السنن ح ( 2407 )).

قال  ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ  في قوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال :استقاموا على أداءِ فرائضه.

قال أبو العالية: ثمَّ أخلصوا له الدينَ والعملَ(تفسير ابن كثير 7/165) .

وقال قتادة: استقاموا على طاعة الله ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال : اللهمَّ أنت ربنا فارزقنا الاستقامة(جامع البيان عن تأويل آي القرآن 11 / 106) .

 وقال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ في قول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)(هود:112) : ما نزلت على رسول الله rفي جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية

 ولذلك لما قال له أبو بكرـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ    :  يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قَالَ : ” شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ ، وَ( عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ )  ، و (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ )”( الترمذي في السنن ح(3308))

فالخطاب في الآية للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرك ربك

 والأمر فيه للتأكيد؛ لأن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان على الاستقامة لم يزل عنها.

والذي شيبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من سورة هود قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)

قال أبو علي الشنوي: رأيت النبي في المنام فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت «شيبتني هود، فقال: نعم، فقلت له: ما الذي شيبك منها: قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال لا، ولكن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 1 / 349 ، 350.).

قال قتادة : أُمِرَ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنْ يستقيمَ على أمر الله .

وقال الثوري : على القرآن(تفسير القرطبي 16 / 13.)

وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية شَمَّرَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فما رؤي ضاحكًا(الدر المنثور  3/636) .

قال القشيرى : الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيمًا في حالته ضاع سعيه وخاب جهده قال: وقيل: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر؛ لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال r”اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاَةُ ، وَلاَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ” (أخرجه ابن ماجه في السنن ح(277)).

أي الزموا الاستقامة والزموا المنهج المستقيم بالمحافظة على إيفاء حقوق الحق ورعاية حدوده والرضى بالقضاء

ولن تحصوا ثواب الاستقامة، قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا }(النحل : 18)

أو لن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة لعسرها ،أو لن تطيقوها بقوتكم وحولكم وإن بذلتم جهدكم بل بالله

 أو استقيموا على الطريق الحسنى وسددوا وقاربوا فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في الأعمال ولابد للمخلوق من تقصير وملال

وكأن القصد به تنبيه المكلف على رؤية التقصير وتحريضه على الجد لئلا يتكل على عمله

ولهذا قال القاضي : أخبرهم بعد الأمر بذلك أنهم لا يقدرون على إيفاء حقه والبلوغ إلى غايته لئلا يغفلوا عنه فكأنه يقول لا تتكلفوا على ما تأتون به ولا تيأسوا من رحمة الله ربكم فيما تذرون عجزا وقصورا لا تقصيرا

وقال الطيبي : قوله : “ولن تحصوا” إخبار وإعراض بين المعطوف والمعطوف عليه كما اعترض ولن تفعلوا بين الشرط والجزاء لما أمرهم بالاستقامة وهي شاقة جدا تدارك بقوله :”ولن تحصوا” رأفة ورحمة منه على هذه الأمة المرحومة كما قال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }(التغابن:16) بعد ما نزل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }(آل عمران: 102) أي فإن لم تطيقوا ما أمرتم به على ما يتيسر لهم من ذلك ولا يشق عليهم بقوله ( واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ) أي فإن لم تطيقوا ما أمرتم به من الاستقامة فحق عليكم أن تلزموا بعضها وهو الصلاة الجامعة لكل عبادة من قراءة وتسبيح وتكبير وتهليل وإمساك عن كلام البشر والمفطرات وهي معراج المؤمن ومقربته إلى جناب حضرة الأقدس فالزموها وأقيموا حدودها سيما مقدمتها التي هي شطر الإيمان فحافظوا عليها فإنه لا يحافظ عليه إلا مؤمن راسخ القدم في التقوى كما قال.

ولا يحافظ على الوضوء الظاهري والباطني إلا مؤمن كامل الإيمان فالظاهري ظاهر، والباطني طهارة السر عن الأغيار والمحافظة على المجاهدة التي يكون بها تارة غالبا وتارة مغلوبًا

أي لن تطيقوا الاستقامة في تطهير سركم ولكن جاهدوا في تطهيره مرة بعد أخرى كتطهير الحدث مرة بعد أخرى فأنتم في الاستقامة بين عجز البشرية وبين استظهار الربوبية فتكونون بين رعاية وإهمال وتقصير وإكمال ومراقبة وإغفال وبين جد وفتور كما أنكم بين حدث وطهور

 وفيه ندب إدامة الوضوء ،ويسن تجديده إذا صلى به صلاة

وقد عد جمع هذا الخبر من جوامع الكلم ،وبه استدل ابن الصلاح على صلاة الرغائب (فيض القدير شرح الجامع الصغير1 / 497).

وقال الواسطى عن الاستقامة: الخصلة التي بها كملت المحاسن وبفقدها

قبحت المحاسن(شرح النووي على صحيح مسلم  2 / 9.).

قال بعض العارفين: مرجع الاستقامة إلى أمرين صحة الإيمان بالله، واتباع ما جاء به رسول الله  ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظاهرًا وباطنًا(دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 1 / 349 ، 350.).

وقال عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ   : الاستقامة أن تقوم على الأمر والنهي، ولا تَرُوغُ رَوَغَانَ الثعلب(الزهد لأحمد ص601.).