كقطع الليل المظلم : حكاية قلب يبحث عن يقين
28 مارس، 2026
بستان الصالحين

بقلم الأستاذة : سيدة حسن
لم تعد الفتن حكايات تُروى، ولا أحداثًا بعيدة نسمع عنها ثم نمضي، بل صارت واقعًا نعيشه لحظةً بلحظة. مشاهد لم نكن نظن أننا سنراها، ودماء تُراق أمام أعيننا، وأصوات تتعالى، كلٌّ يزعم امتلاك الحقيقة، وكلٌّ يملك من الروايات ما يُربك القلب ويُحيّر العقل.
أخبار تتسارع، وحقائق تختلط، وكلمات تُقال فتُحرّك المشاعر، ثم لا تلبث أن تتبدل أو تتناقض، حتى صار الإنسان يقف حائرًا بين ما يرى وما يسمع وما يشعر، لا يدري أين الحق، ولا كيف يثبت عليه.
وفي خضم هذا الطوفان، لا يعود السؤال: ماذا يحدث حولنا؟ بل كيف نثبت نحن؟ وكيف نعرف الحق؟ وماذا نفعل وسط هذا كله؟
لقد أخبر النبي ﷺ عن مثل هذه الأزمنة فقال: “ستكون فتن كقطع الليل المظلم”، إشارة إلى شدتها وغموضها، حتى يصبح التمييز بين الحق والباطل عسيرًا على كثير من الناس.
فأول ما يحتاجه القلب في زمن الفتن هو الثبات، لا ثبات الانسحاب، بل ثبات الحضور بميزان لا يختل. فلا تنسق وراء كل ما يُقال، فليس كل خبر يُصدَّق، ولا كل ما ينتشر يكون حقًا.
وقد وضع لنا القرآن أصلًا عظيمًا فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، فالتثبّت عبادة تحفظ بها دينك وقلبك.
واجعل لك ميزانًا ثابتًا لا يتبدّل، فالحق لا يُعرف بكثرة القائلين، ولا بعلو الأصوات، ولا بحرارة المشاعر، بل بما وافق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وخلا من الظلم، وبعد عن الهوى.
فلا تجعل قلبك ساحةً للكراهية، ولا تسمح للفتن أن تنزع منك الرحمة، فالفتن لا تختبر مواقفنا فقط، بل تختبر قلوبنا أيضًا: هل تبقى رحيمًا أم تجرفك القسوة؟ هل تعدل أم تظلم وأنت تظن أنك على حق؟
ولا تكن تابعًا لكل صوت، ولا بوقًا لكل قول، بل قف موقف الصادق الذي لا يقول إلا حقًا، ولا يتكلم إلا بعلم. تثبّت قبل أن تنشر، وفكّر قبل أن تنحاز، وانصر المظلوم دون أن تظلم، فالعدل لا يتجزأ.
ولا تجعل هواك يقودك، فليس كل ما وافق شعورك حقًا، ولا كل ما خالفك باطلًا، بل الحق ما وافق الميزان ولو خالف نفسك.
والزم باب الله، فالقرب منه ليس هروبًا من الواقع، بل نورًا تهتدي به وسط الظلام، وسكينة تحفظ قلبك من الانكسار، فالقلب إذا ثبت بالله لم تُضلّه الطرق، ولم تُفسده الفتن.
واعلم أنك قد لا تدرك كل الحقيقة، وقد تخفى عليك أمور كثيرة، لكن الله لا يسألك أن تعلم كل شيء، بل يسألك أن تكون صادقًا فيما تعلم، عادلًا في حكمك، نقيًا من الهوى، رحيمًا في قلبك.
فاشتغل على قلبك قبل رأيك، فإن الفتن امتحان قلوب قبل أن تكون امتحان عقول وفى النهاية، ليس الثبات أن ترى الطريق واضحًا دائمًا، بل أن تمشي إلى الله ولو كان كل شيء حولك مُربكًا. فمن وجد الله لم تضل به الطرق، ومن استنار قلبه لم تُطفئه الفتن.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.