خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ ( جَرَائِمُ التَّحَرُّشِ الإِلِكْتُرُونِيِّ )
للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْز
بِتَارِيخِ 8 شَوَّال 1447هـ / 27 مَارِس 2026م
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ وَبَرَأَ، وَخَلَقَ المَاءَ وَالثَّرَى، وَأَبْدَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَرَأَ، لَا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ:
وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي***** * وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ***** كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَطْهَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ… فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 102]. عِبَادَ اللَّهِ: (((جَرَائِمُ التَّحَرُّشِ الإِلِكْتُرُونِيِّ))) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
❖ أَوَّلًا: الإِنْتَرْنِتُ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ.
❖ ثَانِيًا: التَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ خِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ.
❖ ثَالِثًا: عِلَاجُ التَّحَرُّشِ الإِلِكْتُرُونِيِّ.
❖ رَابِعًا وَأَخِيرًا: الِانْتِبَاهَ الِانْتِبَاهَ عَلَى أَطْفَالِنَا مِنَ الأَلْعَابِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ جَرِيمَةٍ شَنْعَاءَ بَشِعَةٍ، جَرِيمَةٍ تَقْتُلُ الرُّوحَ قَبْلَ أَنْ تَفْتِكَ بِالْجَسَدِ، جَرِيمَةٍ بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ الْكَلِمَةُ مِنْ مَعْنًى أنها التَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ، خَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْتَشَرَ فِيهِ التَّحَرُّشُ بِصُورَةٍ مُخْزِيَةٍ بَصِفَةٍ عَامَّةٍ، وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ بِصِفَةٍ خَاصَّة، وَخَاصَّةً وَأَنَّ الإِنْتَرْنِتَ وَمَوَاقِعَ التَّوَاصُلِ سَهَّلَتْ عَلَيْنَا الْحَرَامَ، وَسَهَّلَتْ عَلَيْنَا الأَعْرَاضَ، وَسَهَّلَتْ عَلَيْنَا مَوَاقِعَ الرَّذِيلَةِ، وَسَهَّلَتْ عَلَيْنَا الْمَعْصِيَةَ بِجَمِيعِ صُوَرِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَنَسِيَ الْجَمِيعُ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَيَرَاهُ، وَنَسِيَ الْجَمِيعُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَخَاصَّةً وَأَنَّ مِنْ أَخْطَرِ الْجَرَائِمِ الْمُعَاصِرَةِ الَّتِي أَخَذَتْ تَنْخُرُ فِي جَسَدِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتُؤَرِّقُ ضَمَائِرَ الْعُقَلَاءِ؛ جَرِيمَةَ التَّحَرُّشِ الإِلِكْتُرُونِيِّ، ذَلِكَ السُّلُوكُ الشَّنِيعُ الْبَشِعُ الْمُنْحَرِفُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَعَمُّدُ إِيذَاءِ الْآخَرِينَ وَالنَّيْلُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَعْرَاضِهِمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَانْتَشَرَتِ الصَّفَحَاتُ الْوَهْمِيَّةُ لِلنَّيْلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَاصَّةً وَتِلْكُمُ الْمَوَاقِعُ جَاءَتْ إِلَيْنَا بِالْمَجَّانِ؛ لِتُضَيِّعَ الْعُقُولَ، لِتُخْرِبَ الْأَفْهَامَ، لِتُفْسِدَ الْأَخْلَاقَ، لِتَهْدِمَ الْقِيَمَ وَالْمَبَادِئَ، فَكَثُرَ الْانْحِرَافُ، وَكَثُرَتْ مَوَاقِعُ الْفِتَنِ وَالرَّذِيلَةِ، وَانْتَشَرَ سُوءُ الْأَخْلَاقِ، وَانْتَشَرَتِ الْجَرَائِمُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَانْتَشَرَتِ الإِبَاحِيَّةُ، وَانْتَشَرَتِ الدِّيَاثَةُ بِصُورَةٍ مُخْزِيَةٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَيَا لَيْتَنَا حَوَّلْنَا تِلْكُمُ الْمَوَاقِعَ إِلَى دَعْوَةٍ إِلَى الإِسْلَامِ، وَإِلَى عِبَادَةِ الْوَاحِدِ الدَّيَّانِ، وَإِلَى نَفْعِ شَبَابِ الإِسْلَامِ، وَتَعْلِيمِ الْبَنَاتِ أُمُورَ الدِّينِ الْعَظِيمِ، لَكِنْ خَرَجَ رَاعِي الأُسْرَةِ التَّافِهُ؛ لِيُعْرِضَ مَفَاتِنَ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ أَجْلِ جَمْعِ اللَّايْكَاتِ وَجَمْعِ الأَمْوَالِ، وَانْتَشَرَتِ التَّرِينْدَاتُ التَّافِهَةُ لِلتَّافِهِينَ وَالتَّافِهَاتِ. وَخَاصَّةً وَإِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَصْبَحَتْ مَعَاوِلَ هَدْمٍ لِلْقِيَمِ وَالأَخْلَاقِ، وَأَصْبَحَ التَّافِهُونَ وَالْفَاسِقُونَ قُدْوَاتٍ، كَمَا قِيلَ: نَحْنُ نَشْغَلُ أَوْقَاتَنَا بِمُتَابَعَةِ فَرَاغِ الآخَرِينَ وَتَفَاهَتِهِمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
مَتَى يَبْلُغُ الْبُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ ****** إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُ
❖ أَوَّلًا: الإِنْتَرْنِتُ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: شَرُّ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هُمْ الَّذِينَ يَسْتَغِلُّونَ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى، وَيَخُونُونَهَا، وَيَسْتَخْدِمُونَهَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، هَؤُلاءِ يُعَذَّبُونَ أَنْفُسَهُمْ بِعُقُوبَةِ اللهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طـه: 124-126]. وَكَيْفَ لَا؟ وَنِعَمُ اللهِ جَلَّ وَعَلَا تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ، فَمَنْ شَكَرَ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ رَأَيْتَهُ عَبْدًا مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ، قَرِيرَ الْعَيْنِ، رَاضِيًا عَنْ رَبِّهِ أَتَمَّ الرِّضَا، مَلَأَ قَلْبَهُ حُبًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَرَجَاءً فِيهِ، وَيَقِينًا فِي رَحْمَتِهِ، وَاسْتَبْشَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]؛ لِأَنَّ الشُّكْرَ لِلَّهِ تَعَالَى يُعَقِّلُ النِّعْمَةَ الْمَوْجُودَةَ، وَيَسْتَجْلِبُ النِّعْمَةَ الْمَفْقُودَةَ.
وَمِنْ جُمْلَةِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْنَا نِعْمَةٌ الإِنْتَرْنِتُ، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ النَّاسُ يُعَانُونَ مِنْ قِلَّةِ التَّوَاصُلِ بَيْنَهُمْ، وَصُعُوبَةِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَوَاقِعِ الْمُهِمَّةِ، وَتَحْصِيلِ الْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ لِحَيَاتِهِمْ، أَصْبَحَتِ الْأُمُورُ أَكْثَرَ تَيْسِيرًا وَعَوْنًا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْحَدِيثَةِ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَتَابُعِ نِعَمِهِ وَآلَائِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحَ الْعَالِمُ بِمَا فِيهِ مِنْ قَارَّاتٍ وَدُوَلٍ وَمُدُنٍ، كَالْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ شَبَكَاتِ الْإِنْتَرْنِتِ، وَانْتِشَارِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ النَّاسِ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا اخْتِبَارٌ وَابْتِلاءٌ، سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ: ﴿ لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40].
وَأَجْهِزَةُ التَّوَاصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ بِحَدِّ ذَاتِهَا نِعْمَةٌ، وَلَكِنَّهَا، وَبِكُلِّ أَسَفٍ، انْقَلَبَتْ إِلَى نِقْمَةٍ عِندَ أَكْثَرِ النَّاسِ، حَيْثُ سَهَّلَتْ عَلَيْهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ تَعَالَى بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ تَعَالَى، حَتَّى صَارَتْ سَبَبًا فِي انْهِيَارِ الْبُيُوتِ، وَمِنْ خِلَالِهَا فَاحَتَّ رَوَائِحُ الْفَضَائِحِ، وَهُتِكَتِ الْأَعْرَاضُ، وَاخْتُرِقَتِ الْحُرُمَاتُ، وَتَحَوَّلَتْ أَجْهِزَةُ التَّوَاصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ إِلَى نِقْمَةٍ، وَأَيِّ نِقْمَةٍ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَبِنِعْمَةِ أَجْهِزَةِ التَّوَاصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ الَّتِي اسْتُخْدِمَتْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، بَكَتْ عُيُونُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، وَجُرَّ الْعَارُ عَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَقُهِرَتِ الزَّوْجَاتُ وَالْأَزْوَاجُ، وَنُشِرَتِ الْخَبَائِثُ، وَطُلِّقَتِ الْكَثِيرُ مِنَ الزَّوْجَاتِ، وَطَلَبَتِ الْكَثِيرُ مِنَ النِّسَاءِ الطَّلَاقَ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَالإِنْتَرْنِتُ صَلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ بِحَسَبِ مُسْتَخْدِمِهِ، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ اسْتَخْدَمَهُ فَأَحْسَنَ اسْتِخْدَامَهُ فِي نَشْرِ الْخَيْرِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِإِخْلَاصٍ وَصِدْقٍ، وَإِيصَالِ الْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ وَتَبَادُلِ الْمَعْلُومَاتِ النَّافِعَةِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالتَّوَاصُلِ مَعَ الْأَصْدِقَاءِ، حَتَّى أَصْبَحَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ النَّاسِ دَاعِيًا إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْمَقَاطِعِ وَالرَّسَائِلِ وَالْكِتَابَاتِ وَالْمَجْمُوعَاتِ الَّتِي أُنْشِئَتْ لِهَذَا الْغَرَضِ النَّبِيلِ، فَكَانَ دَاخِلًا فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:33].
وَفِي الْمُقَابِلِ فَقَدِ اسْتَخْدَمَهُ آخَرُونَ فَأَسَاءُوا اسْتِخْدَامَهُ؛ إِذْ جَعَلُوهُ مَطِيَّةً لِنَشْرِ الرَّذَائِلِ، وَحِرَابًا فِي وَجْهِ الْفَضَائِلِ، وَوَسِيلَةً لِبَثِّ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ، وَنَقْلِ الْمَعْلُومَاتِ الْخَاطِئَةِ، وَتَبَادُلِ الْمَقَاطِعِ وَالْمَوَاقِعِ الْمُجَرَّمَةِ، وَتَنَاقُلِ الصُّوَرِ الْفَاضِحَةِ وَالْمُسَابَقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، كَمَا اسْتَخْدَمُوهُ فِي التَّحَرُّشِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَإِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالنِّيلِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَالْمُوَحِّدَاتِ، كَمَا اسْتَخْدَمُوهُ لِلتَّرْوِيجِ لِلْبَاطِلِ وَالشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَالْوَقِيعَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ وَالْمُنْكَرِ بَيْنَ الْعِبَادِ. وَمَعَ أَنَّ تِلْكَ الْوَسَائِلَ وَالْبَرَامِجَ فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ وَالْعِلْمِ الْوَفِيرِ، إِلَّا أَنَّ اسْتِخْدَامَهَا دُونَ انْضِبَاطٍ بِضَوَابِطِ الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ قَدْ يَجْلِبُ لِصَاحِبِهَا الشَّرَّ الْمُسْتَطِيرَ؛ فَكُلُّ مَا تَخُطُّهُ يَدُ الْإِنْسَانِ، أَوْ تَرَاهُ عَيْنُهُ، أَوْ يَتَلَفَّظُ بِهِ اللِّسَانُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ وَمُجَازًى بِهِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس:12].
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى***** * وَيَبْقَى الدَّهْرَ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ ***** يَسُرُّكَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ
وَكَمْ مِنْ زَلَّةٍ وَقَعَ بِهَا بَعْضُ مُسْتَخْدِمِي تِلْكَ الْبَرَامِجِ أَوْرَثَتْ أَصْحَابَهَا نَدَمًا وَحَسْرَةً! وَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ لَمْ يَتَدَبَّرْهَا قَائِلُهَا أَوْرَدَتْهُ مَوَارِدَ الْهَلَكَةِ وَالْخُسْرَانِ! فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، لِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ -أَوْ قَالَ- عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ].
وَكَيْفَ لَا؟
وَثَمَّةَ فِتْنَةٌ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ فِي الْخَلَوَاتِ، حِينَمَا يَخْلُو الْمَرْءُ بِالْهَاتِفِ فِي الزَّوَايَا الْخَالِيَاتِ، فَيَنْتَهِكُ الْحُرُمَاتِ، وَيُشَاهِدُ الْمُحَرَّمَاتِ، مُسْتَخِفًّا بِأَوَامِرِ اللَّهِ، غَيْرَ آبِهٍ بِنَوَاهِيهِ، نَاسِيًا مَا تَجْرُهُ تِلْكَ الْمَنَاظِرُ مِنْ أَوْبِئَةٍ وَأَمْرَاضٍ، وَانْتِهَاكٍ لِلْأَعْرَاضِ، وَضِيَاعٍ لِلْأَعْمَالِ وَالْأَوْقَاتِ، وَذَهَابٍ لِلْحَسَنَاتِ. فَعَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا». قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
وَكَيْفَ لَا؟
وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ لِكُلِّ جَدِيدٍ، وَحَرِصَةٌ عَلَى كُلِّ مُخَالَفَةٍ لِلشَّرْعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:53]، فَيَبْتَعِدُ عَن كُلِّ مَوْقِعٍ تُعْرَضُ فِيهِ مُخَالَفَاتٌ شَرْعِيَّةٌ، وَعَنْ كُلِّ مُنْتَدًى يُثَارُ فِيهِ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ الْبَذِيءُ، وَيَنْأَى بِنَفْسِهِ عَنِ الصُّوَرِ الْفَاضِحَةِ وَاللَّقَطَاتِ الْمُثِيرَةِ، فَإِذَا نَأَى بِنَفْسِهِ عَن ذَلِكَ حَفِظَ إِيمَانَهُ وَنَفْسَهُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ…وَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَنْسَاقَ وَرَاءَ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَخُطُوَاتِهِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا بَعُدَ الْمُسْلِمُ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَوَقَعَ فِي مَعْصِيَتِهِ، سَوَّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ الْمَزِيدَ مِنَ الشَّرِّ وَالْبَاطِلِ، فَأَوْرَدَهُ الْمَهَالِكَ وَأَخَذَ بِيَدِهِ إِلَى طَرِيقِ الضَّلَالِ. وَصَدَقَ اللهُ تَعَالَى إِذْ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:186]، وَقَالَ جل وعلا﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:6].
ولِلَّهِ دُرُّ الْقَائِلِ:
إِنِّي بُلِيتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا … إِلَّا لِأَجْلِ شَقَاوَتِي وَعَنَائِي
إِبْلَيْسَ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى … كَيْفَ الْخَلاَصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي
❖ ثَانِيًا: التَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ خِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: التَّحَرُّشُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ آفاتٌ مِنْ آفَةِ الإِنْسَانِ، مَدْخَلٌ كَبِيرٌ لِلشَّيْطَانِ، مُدَمِّرٌ لِلْقَلْبِ وَالأَرْكَانِ، وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ وَوَبَاءٌ خُلُقِيٌّ كَبِيرٌ، وَبَاءٌ خُلُقِيٌّ كَبِيرٌ مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِدِمَارِهَا.
وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ انْتِهَاكٌ لِلأَعْرَاضِ، وَخَدْشٌ لِلْحَيَاءِ، وَمُضِيعٌ لِلْمَرْؤَةِ، وَعُدْوَانٌ عَلَى الْكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.
وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٥].
وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَأَيُّ إِيذَاءٍ جَسَدِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ شَدِيدٌ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأَحْزَابِ: ٥٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأَعْرَافِ: ٣٣]. وَمِنَ الْفَوَاحِشِ، أَيُّهَا الأَخْيَارُ، التَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ، وَالْمُسْلِمُ الْحَقِيقِيُّ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ إِيذَائِهِمْ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ فِي الْوَاقِعِ أَوْ عَبْرَ الصَّفَحَاتِ الْوَهْمِيَّةِ عَلَى مَوَاقِعِ الإِنْتَرْنِتِ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رَوَاهُ مُسْلِم]. وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ انْتِهَاكٌ لِلأَعْرَاضِ وَتَعَدٍّ عَلَى خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ وَتَرْوِيعٌ لِلآمِنِينَ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [رَوَاهُ مُسْلِم].
وَعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. فَالْمُسْلِمُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْ شُرُورِهِ وَأَذَاهُ، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ.
وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ يُسَاعِدُ فِي إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، وَتَرْوِيجِ الْفَسَادِ، وَإِغْرَاءِ النُّفُوسِ بِالْمُنْكَرِ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ عِيدًا شَدِيدًا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النُّورِ: ١٩].فَكَيْفَ بِمَنْ يَبُثُّهَا أَوْ يُرَوِّجُ لَهَا أَوْ يُعِينُ عَلَى انْتِشَارِهَا؟ إِنَّهَا مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَكُلُّ مَنْ نَشَرَ شَرًّا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ، حَمَلَ وَزْرَهُ وَوِزْرَ مَنْ تَبِعَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النَّحْلِ: ٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٣]
وَالتَّحَرُّشُ الإِلِكْتُرُونِيُّ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأَحْزَابِ: ٦٠-٦٢]. وَالْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ وَالْمُتَفَحِّشَ» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ]. وَقَالَ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ]. وَمِنْ أَخْطَرِ صُوَرِ التَّحَرُّشِ الإِلِكْتُرُونِيِّ: الِابْتِزَازُ الإِلِكْتُرُونِيُّ، حَيْثُ يَسْتَغِلُّ ضُعَفَاءُ النُّفُوسِ الثِّقَةَ أَوِ الْغَفْلَةَ، فَيُهَدِّدُونَ بِنَشْرِ صُوَرٍ أَوْ رَسَائِلَ، لِيُوَقِّعُوا الضَّحِيَّةَ فِي الْحَرَامِ، أَوْ لِيَسْتَنْزِفُوا مَالَهَا وَكَرَامَتَهَا، وَهَذِهِ جَرِيمَةٌ مُرَكَّبَةٌ، تَجْمَعُ بَيْنَ الظُّلْمِ وَالْخِيَانَةِ وَالإِيذَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غَافِر: ١٩].
❖ ثَالِثًا: عِلَاجُ التَّحَرُّشِ الإِلِكْتُرُونِيِّ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: التَّحَرُّشُ دَاءٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّهُ دَاءٌ، فَمَا مِنْ دَاءٍ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ إِلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ إِلَّا الْمَوْتَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا الْهَرَمَ، لِحَدِيثِ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ الْهَرَمِ». وَعِلَاجُ التَّحَرُّشِ الإِلِكْتُرُونِيِّ فِي نِقَاطٍ سَرِيعَةٍ:
مُرَاقَبَةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: فَأَيْنَ الْمَفَرُّ عِنْدَمَا تُنْشَرُ الأَسْرَارُ، أَيُّهَا الأَخْيَارُ؟!﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يُونُس: ٦١]. إِنَّنَا فِي زَمَانٍ قَدْ سَهُلَ فِيهِ الْوُصُولُ إِلَى الْمَعَاصِي، وَقَرُبَ فِيهِ الدَّانِيُّ مِنَ الْقَاصِيِّ، وَأَصْبَحَ الإِنْسَانُ بِوَسَاطَةِ شَاشَتِهِ يَدُورُ الْعَالَمَ وَهُوَ فِي غُرْفَتِهِ، وَهَذَا -وَاللَّهِ- الامْتِحَانُ الْكَبِيرُ فِي مُرَاقَبَةِ نَظَرِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، فَأَخْبِرْنِي مَا هُوَ نَصِيبُكَ -أَيُّهَا الْحَبِيبُ- مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الْمَائِدَة: ٩٤].
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ***** خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً***** وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
ضَعْ أَهْلَكَ مَكَانَ الْمُتَحَرِّشِ بِهَا: فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُئْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: «مَهْ مَهْ»، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ».
قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ». قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ] وَاحْذَرْ دَعْوَةَ النَّاسِ عَلَيْكَ؛ فَأَهْلُ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدَ ابْنَ أَبِي وَقَاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَعَزَلَهُ، وَكَانَ مِمَّن شَكَوْهُ افْتِرَاءً رَجُلٌ يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُونَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ». وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: «شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ»، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يُغْمِزُهُنَّ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
واتركِ الْحَرَامَ لِلَّهِ يُبَدِّلْكَ اللَّهُ لَذَّةً وَطُمَأْنِينَةً فِي قَلْبِكَ؛ فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ قَالَا: أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
وَلِيَتَذَكَّرْ كُلُّ امْرِئٍ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْهِزَةَ الَّتِي يَظُنُّهَا صَامِتَةً، سَتَنطِقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِدَةً عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٤]. فَلَا كَلِمَةٌ تُكْتَبُ، وَلَا صُورَةٌ تُرْسَلُ، إِلَّا وَهِيَ مَحْفُوظَةٌ فِي كِتَابٍ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً. فَلَا يَغُرَّنَّكَ صَمْتُ جَوَارِحِكَ الْيَوْمَ وَأَنْتَ فِي خَلَوَاتِكَ مَعَ الْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ، فَوَاللَّهِ لَتَسْمَعُنَّ كَلَامَهَا وَهِيَ تَشْهَدُ عَلَيْكَ بِتَفَاصِيلِ الْجَرَائِمِ وَالْخَطَايَا، فِي يَوْمٍ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَيُنطِقُهَا عَالِمُ الْجَهْرِ وَالْخَفِيَّاتِ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠-٢١].
لذا أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ أَنَّ ذُنُوبَ الْخَلَوَاتِ هِيَ أَصْلُ الانْتِكَاسَاتِ، وَأَنَّ عِبَادَاتِ الْخَفَاءِ هِيَ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].يَا أَصْحَابَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكُمْ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. فِيَا أَصْحَابَ الْجَوَّالَاتِ وَالصَّفَحَاتِ الْوَهْمِيَّةِ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، رَاقِبُوا اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا، الْقَائِلُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاءِ: ١]، الْقَائِلُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [الْعَلَقِ: ١٤]، الْقَائِلُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الْحَدِيدِ: ٤]، الْقَائِلُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طَهَ: ٤٦].
وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ ****** وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُّغْيَانِ
فَاسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِ الإِلَهِ وَقُلْ لَهَا ***** إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …………………… وَبَعْدُ
❖ رَابِعًا وَأَخِيرًا: الِانْتِبَاهَ الِانْتِبَاهَ عَلَى أَطْفَالِنَا مِنَ الأَلْعَابِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ!!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: الْأَوْلَادُ نِعْمَةٌ يَمُنُّ اللَّـهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيُلَاعِبُهُمْ صِغَارًا، وَيَنْفَعُونَهُ كِبَارًا (الْـمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: 46] وَلَكِنَّهُمْ مسؤولِيَّةٌ وَأَيُّ مسؤولِيَّةٍ؛ فَالْغُنْمُ بِالْغُرْمِ، وَلَيْسَ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا مُتْعَةٌ خَالِصَةٌ مِنَ الْكَدَرِ لذا وَفِّرّ كَثِيرٌ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لِأَوْلَادِهِمْ أَجْهِزَةَ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتِرُونِيَّةِ؛ مَحَبَّةً لَهُمْ، أَوْ مُكَافَأَةً عَلَى نَجَاحٍ حَقَّقُوهُ، أَوْ لِحِفْظِهِمْ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى غَيْرِ بُيُوتِهِمْ بَحْثًا عَنْهَا، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، حَتَّى صَارَتِ الْأَلْعَابُ الْإِلِكْتِرُونِيَّةُ جُزْءًا مِنْ حَيَاةِ الْأَطْفَالِ وَالشَّبَابِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ هِيَ الْـجُزْءَ الْأَهَمَّ فِي حَيَاتِهِمْ، فَمَنْعُهُمْ مِنْهَا -مَعَ عَدَمِ إِيجَادِ الْبَدَائِلِ- عَسِيرٌ جِدًّا؛ هذه الألعابُ تقومُ على إنتاجِها شركاتٌ عِملاقةٌ، برؤوسِ أموالٍ كبيرةٍ، لها بالأساسِ هدفان: الغزوُ الثقافيُّ والرِّبحُ الماديُّ. فالْأَلْعَابُ الْإِلِكْتُـرُونِيَّةُ: مِنْ أَخْطَرِ مَا يُهَدِّدُنَا أَطْفَالُنَا وَشَبَابُنَا؛ فكَثِيرٌ مِنَ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتِرُونِيَّةِ تُرَبِّي الْأَطْفَالَ وَالشَّبَابَ عَلَى الْعُنْفِ وَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالدَّمَوِيَّةِ والسرقةِ ، وَعَدَمِ الرَّحْمَةِ، وإهلاكِ الممتلكاتِ العامةِ والخاصةِ وغيرِ ذلك . وإِدْمَانُهَا يُجْهِدُ الْأَعْصَابَ وَالدِّمَاغَ، وَيُؤَدِّي إِلَى الْـخُمُولِ وَالْكَسَلِ، وَيُؤَثِّرُ عَلَى الذَّكَاءِ وَالِاسْتِيعَابِ؛ وَلِذَا يُصَابُ كَثِيرٌ مِنْ مُدْمِنِيهَا بِشُرُودٍ ذِهْنِيٍّ، وَإِنْهَاكٍ عَصَبِيٍّ، وَضَعْفٍ فِي التَّرْكِيزِ.
وهى أَلْعَابٌ تَعْزِلُ مُدْمِنَهَا عَنْ أُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، فَهُوَ مُتَسَمِّرٌ أَمَامَ الشَّاشَةِ، يَنْتَقِلُ فِيهَا مِنْ لُعْبَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَمَعَ طُولِ الْأَمَدِ يَعِيشُ مُدْمِنُهَا فِي عُزْلَةٍ عَنْ مُجْتَمَعِهِ وَوَاقِعِهِ، وَيَعِيشُ خَيَالَ اللُّعْبَةِ.
وإدمانها سَبَبٌ لِلصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّـهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْـمُتَنَافِسِينَ فِيهَا، ولا تنسى ما فيها من ضياعِ الوقتِ والعمرِ فيما لا نفعَ فيه ولا فائدةَ منه.
ومن أشد أضرار تلك الألعاب: ضِيَاعٌ لِلْأَوْقَاتِ وَمَضِيَعَةٌ للأَعْمَارِ ، أَصْحَابُهَا اَنْشَغَلُوا بِهَا عَنْ الْآخِرَةِ فَخَسِرُوا دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتَهُمْ،( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104))(سورة الكهف)، أصحابُها يَقْضُونَ جُلَّ وَقْتِ حَيَاتِهِمْ أَمَامَ الأَلْعَابِ الإلِكْتُرُونِيَّةِ، يَبْذُلُونَ لَهَا الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ مِنْ وَقْتٍ وَجُهْدٍ وَمَالٍ، وَقَدْ شَغَلَتْهُمْ عَنْ أُمُورِ حَيَاتِهِمْ وَمُجْـتَمَعِهِمْ وَعَنْ عِبَادَةِ اللهِ ذِي الْجَلالِ، فَأَينَ نِدَاءُ اللهِ لَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(المنافقون: 9)، فَلَيْسَ الْعُمُرُ الَّذِي تَقْضِيهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَتْرُوكًا لَكَ لِتَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَمَا تَشَاءُ، وَتُنْفِقَهُ دُونَ حِسَابٍ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ سَائِلُكَ عَنْ وَقْتِكَ وَمَالِكَ وَعُمُرِكَ، فَهَا هُوَ الْحَبِيبُ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:(لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْـنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ)(رواه الترمذي).
وَهَذَا يُحَتِّمُ عَلَى أَرْبَابِ الْأُسَر:ِ أَنْ يَكُونَ أَوْلَادُهُمْ أَثْنَاءَ لَعِبِهِمْ تَحْتَ أَنْظَارِهِمْ، وَأَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ أَلْعَابٍ تَحْرِفُهُمْ عَنْ دِينِهِمُ الْقَوِيمِ، وَتُفْسِدُ فِطَرَهُمُ السَّوِيَّةَ، وَتَسْطُو عَلَى أَخْلَاقِهِمْ بِالْإِفْسَادِ وَالِانْحِرَافِ. فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْـتَرْعَاهُ، حَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْـلِ بَيْتِهِ)( النسائي في السنن الكبرى بإسناد حسن)،
وعلينا أن نحذر من هذا الشرِ العظيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)(التحريم : 6). وَلا نَنْسَ أَنَّ شَغْلَ أَوْقَاتِ فَرَاغِ الأَبْنَاءِ بِمَا يَعُودُ عَلَيهِمْ بِالنَّفْعِ أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ.
وعلينا أن نكون عَوْنًا لأَبْنَائِكُمْ، وَجِّهُوهُمْ إِلى طَاعَةِ اللهِ الْغَفُورِ، وَاحْجُبُوا عَنْهُمْ مَوَاطِنَ الْفَسَادِ وَالشُّرُورِ، تَنَالُوا كُلَّ بِرٍّ وَيُجْزِلِ اللهُ لَكُمْ وَلَهُمُ الأُجُورَ، ألا إنَّ أولادَنا أمانةٌ، فلنحذرْ من خيانةِ اللهِ فيهِم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الأنفال: 27]. فأَوْلَادَنا أَمَانَةٌ فِي أَعَانِقِنَا، وَهُمْ ثَمَرَةُ فُؤَادِنا وَكَنْزُ أُمَّتِنا، وَأَغْلَى مَا نَمْلِكُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَإِن لَمْ نَسْتَدْرِكْهُمْ بِعِنَايَتِنا وَرِعَايَتِنا وَمُتَابَعَتِنا ضَاعُوا مِثْلَ مَا ضَاعَ غَيْرُهُمْ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَفَى بِالْمَرءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَن يَقُوتُ)(رواه مسلم ). فَأَوْلَادُكَ أَمَانَةٌ فِي رَقَبَتِكَ وَتَرْبِيَتُهُمْ أَمَانَةٌ سَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا حَافَظْتَ عَلَيْهِم فَقَدْ صُنْتَ الْأَمَانَةَ، وَإِذَا أَهْمَلْتَهُمْ فَقَدْ خُنْتَ الْأَمَانَةَ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضى اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (متفق عليه) .لِذَا يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ: تَحَمُّلُ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالرَّقَابَةُ الْجَادَةُ عَلَى مَا يُمَارِسُهُ الْأَوْلَادُ مِنَ الْأَلْعَابِ وَمَا يَجْلِسُونَ أَمَامَهُ مِنَ الْبَرَامِجِ وَالْمَوَاقِعِ، وَتَرْشِيدُ هَذِهِ الْأَلْعَابِ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ( أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ) (متفق عليه) .
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.
كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ
د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ@إشارة