القلم في القرآن
25 مارس، 2026
العقيدة والصفات
بقلم / الدكتور : محمود حسن محمود
ادارة التحرير والترجمة والنشر بالمجلس الاعلى للشئون الاسلامية
يعد القلم من أقوى المؤثرات في قلب الحقائق أو تزيينها وفي سرد الوقائع أواخفائها وهو أداة التقييم والمحاسبة (أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد )(المجادلة/٦)
و “القلم” من أعظم المخلوقات وأكثرها دلالة في القرآن الكريم، وقد ورد ذكره صراحة في سورة “القلم” التي افتُتحت بحرف النون والقسم به. إن الحديث عن القلم في القرآن هو حديث عن أداة العلم، وعن بداية الخلق، وعن تسجيل الأعمال، وعن كرامة الإنسان.
فأقسم الله بالقلم في سورة “ن”
وافتتح الله تعالى به السورة “ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” (القلم: 1). وعظم المقسم عليه من عظم المقسم.ولأن القلم قد ذكرله المفسرون عدة معانٍ منها:
القلم الأول: هو القلم الذي خلقه الله تعالى، فأمره فكتب مقادير الخلائق وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم في “اللوح المحفوظ”. وهذا ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة” (رواه أبو داود والترمذي).
وفي هذا دلالة على أن علم الله الأزلي محفوظ مسطور، وأن لكل شيء في هذا الكون نظامًا مكتوبًا محكمًا لا يتغير إلا بمشيئة الله.
و القلم بمعنى آلة الكتابة: وهو أداة العلم والتعلم، وقد أقسم الله بها لبيان فضلها وشرفها، فهي التي حفظت به العلوم، وضبطت الشرائع، ونقلت المعارف عبر الأجيال.”وَمَا يَسْطُرُونَ”: يمكن أن يكون المقسم به هو نفس القلم، وما يسطرون من كتاباتهم. فهي أقوى دلالة على شرف الكتابة والعلم، لأن الله أقسم بفعلهما معًا. قال الإمام الشافعي رحمه الله: “لو أنزل الله تعالى كتابًا بعد القرآن ما أنزل إلا القسم بالقلم”.
ثانيًا: القلم في بداية سورة العلق (أول ما نزل)
في أول الوحي، نزل قوله تعالى: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (العلق: 1-5).
هذا الربط المباشر بين خلق الإنسان وتعليمه بالقلم هو من أعظم الإشارات في القرآن:
· تكريم الإنسان: فالله تعالى لم يخلق الإنسان جسدًا فقط، بل كرمه بالعقل، وجعل التعليم بالقلم وسيلة لتحقيق هذا التكريم.
· الانتقال من “العلق” إلى “القلم”: خلق الإنسان من علق (طور الضعف) ثم علمه بالقلم (طور القوة والعلم والتمدن). إنه انتقال من المادة إلى المعنى، ومن الجهل إلى الحضارة.
· القلم سبب للكرامة الإلهية: قال تعالى “وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ” ثم علل ذلك بأنه “عَلَّمَ بِالْقَلَمِ”. فكرامة الله للإنسان تتحقق بتعليمه الكتابة التي بها حفظ الدين والدنيا.
ثالثاً: القلم في سياق الكتابة والعدالة:
ورد القلم ضمن سياق كتابة الديون والمعاملات في أطول آية في القرآن (آية الدين في سورة البقرة: 282)، قال تعالى: “وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ”.وهنا يحمل القلم دلالة عظيمة أخرى:· توثيق الحقوق: القلم هو ضمان العدالة بين الناس، وهو الذي يمنع النزاع ويحفظ الحقوق.
· الأمانة: الكاتب مؤتمن على ما يكتب، وهذا يرفع من مكانة من يتقن هذه الصنعة ويؤديها بالعدل والأمانة.
رابعاً: القلم في الآخرة (الكتب والأعمال)
يرتبط القلم بمصير الإنسان في الآخرة، فهناك “كتاب” يُسطر فيه كل شيء:· قال تعالى: “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” (الإسراء: 13-14).
· وهناك “الصحف” التي تطير بأعمال العباد، و “الكتاب المبين” الذي أحصى كل شيء. فكل هذه دلالات على أن القلم هو أداة الحساب والجزاء، وأن لا شيء يضيع عند الله.
خامساً: دلالات وحكم من ذكر القلم
1. شرف العلم: القلم هو رمز العلم، والإسلام جعل العلم فريضة، وأول ما أمر به نبيه هو “اقرأ”، ثم ربطه بالقلم. فمنزلة العلماء الذين ورثوا الأنبياء وحرروا الأقلام في خدمة الدين عظيمة.
2. التحذير من القلم الفاسد: كما أن القلم أداة خير، فهو قد يكون أداة شر إذا استخدم لنشر الفساد والضلال والكذب. فالقرآن يحذر من “الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله” (آل عمران: 78).
3. القلم والحرية: كان سجن القلم أشد أنواع السجن في التاريخ، لأن من يسيطر على القلم يسيطر على الأفكار. لذلك كانت معركة الإسلام الأولى مع الجاهلية هي معركة القراءة والكتابة، حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم فداء أسرى بدر من المشركين تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
4. الخلود: القلم هو السبيل لخلود الأعمال. فمن ترك علمًا أو كتابًا نافعًا، كان له صدقة جارية بعد موته. ومن كتب باطلاً، جرى عليه وزره.قال تعالى ( إنا نحن نحي الموتى ونكتب ماقدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين)(يس ١٢)
ولو لم يكن للقلم مكانة ما إتخذوه أداة للتحكيم في اختيار كفالة الصفية المصطفاة أم روح الله السيدة مريم عليها وعلى ابنها وأنبياء الله ورسله الصلاة والسلام قال تعالى (وماكنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون)(آل عمران /٤٤)
بل إن القلم قد دخل التاريخ البشري من أوسع أبوايه منذ الحضارة الفرعونية فما كان التقويم التاريخي قبل الميلاد إلا منذ أن اخترع المصريون القدماء الكتابة ودونوا بأقلامهم على الجدران أعظم حضارة ولولا القلم ما عرفت البشرية شيئا عن تلك الحضارة العريقة.
وخلاصة القول :
إن القلم في القرآن هو أداة الخلق والتقدير، وأداة التعليم والتكريم، وأداة التوثيق والعدل، وأداة الحساب في الآخرة. إنه رمز النور الذي يخرج الإنسان من ظلمات الجهل والعلَق إلى نور العلم والمعرفة. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني في حديثه الذي يلخص مكانة القلم وأهله، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليسمع بالعبد يتعلم العلم في المسجد فيغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإن الله ليسمع بالعبد يقرأ العلم في بيته فيغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإن القلم ليجري على ما هو كائن، وإن العبد ليتعلم العلم فيغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر” (رواه الطبراني).
إنه قلم القدر، وقلم العلم، وقلم العدل، وقلم الخلود، وهو من أعظم آيات الله في هذا الكون.