جماعة الإخوان والوطن: صراع الانتماء بين العقيدة والجغرافيا

بقلم الدكتور : حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئى بجامعة عين شمس

الجماعة والوطن:
كانت فكرة الخلافة الإسلامية وغزو العالم بالسلاح لتحقيق أستاذية العالم، وتخطي الحدود الجغرافية والتخوم الأرضية هي الأفكار الأساسية للمرشد الأول للجماعة والتي تطورت بعد ذلك داخل الجماعة، فنجد مثلاً في كتاب ظلال القرآن لسيد قطب قوله: أن الوطن ليس أكثر من قطعة طين (ص5)، ويرى أن جنسية البلد التي يحميها الإنسان بأنها نتن عصبية النسب، ويفرق بين انتماء المسلم لدينه وانتمائه لوطنه، ويرى استحالة الجمع بينهما في قلب المسلم، بل يدعو إلى عدم القتال دفاعاً عن الوطن فيقول: أن المسلم لا يقاتل لمجد شخصي، ولا لمجد بيت، ولا لمجد دولة، ولا لمجد أمة، ولا لمجد جنس، وإنما يقاتل في سبيل الله)) (ص707)

وهذا راجع لفكرة الحاكمية والتي تعني في فكر سيد قطب إلى أن البلاد تنقسم إلى دار حرب ودار إسلام، وأن المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات جاهلية مثلها مثال المجتمع الجاهلي قبل قدوم الرسول (ص) ومن هنا يأتي التفكير بدار الحرب وبالتالي لا يجب الدفاع عنها وحمايتها، وامتدادا لهذا الفكر جاءت وثيقة خيرت الشاطر عام 2005 بعنوان فتح مصر، وهل هذا يعني أن مصر غير مسلمة أو كافرة؟ ثم جاءت مقولة المرشد السابق مهدي عاكف “طظ في مصر”، كما يقول عبد الجواد ياسين في كتابه مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة “هو أحد كوادر جماعة الإخوان في الثمانينيات”:

أن الوطنية مبدأ وتصور جاهلي، ويرى أن شعارات الوطنية المعاصرة، ومصر فوق كل شيء، والقومية العربية، كل ذلك شعارات جاهلية معاصرة (ص178) وفي ضوء ذلك يرى محمد بديع المرشد في حديث صحفي سبق زيارة د/ مرسي للسودان: أن قضية حلايب وشلاتين لا تهمنا سواء كانت تابعة للسودان أو لمصر!، وفي نفس يوم زيارة الرئيس مرسي للسودان تخرج صحيفة الحرية والعدالة بخريطة لمصر خالية من حلايب وشلاتين وتبعيتها للسودان، ثم يخرج متحدث باسم الرئيس السوداني بقوله أن د/ مرسي وعد بترك حلايب وشلاتين للسودان، هذا فضلاً عن قضية الأنفاق وحماس، وهنا يجب أن نعود إلى نظرة الرسول والقرآن للوطن فنرجع إلى ما تعرض له (ص) من إنكار لدعوته وظلم وعدوان هو و أصحابه فاضطر (ص) للهجرة خارجها مع أصحابه فناجى مكة لحظة الهجرة قائلاً:

عن أبي هريرة، والله إنك لخير أرض الله وأحب أرضٍ إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك. ورواه الدارمي أيضاً، وابن عبد البر في التمهيد.

وظل حبه لوطنه حتى عاد إليه فاتحاً وغافراً لكل من ظلمه، ويقول (ص) {من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد}، والقرآن الكريم يعطي للوطن مكانة كبيرة، بل أن جزاء من يحاربون الله ورسوله أن ينفوا من أرضهم، ولذلك كان النفي أو الطرد من الوطن يعتبر من أشد أنواع العقاب، وشبه الخروج من الوطن بالموت فيقول الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾(سورة النساء – أية 66).

وقال تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(سورة المائدة – الأية 33)، ومن هنا فالخروج عن الوطن مثل القتل أو الصلب أو تقطيع الأيدي والأرجل.

وقال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾(سورة البقرة – الأية 84). ومن هنا يتضح الفارق في معنى وقيمة الوطن عند الله وسوله وعند الجماعة وبالتالي يتضح ضعف المرجعية الدينية للجماعة.

وبعد ليس هناك تعارض بين حب الوطن والعقيدة، فالعقيدة والدين داخل كل إنسان ويجب أن يعيش ويتصرف وفقاً لدينه وعقيدته في كل سلوك، وحب الله ورسوله في قلب المواطن البسيط، وحب الوطن مرتبط بحب الجد والأب والأم وسنوات الطفولة وقبر الأهل والأحباب والدار، ولكن قضية الخلافة والوطن قضية أخرى، لأن الوطن بيتنا الكبير الذي نعيش فيه وهو بيت الجد والأب والابن وهو واقع نعيشه، لكن الخلافة حلم سياسي نتفق ونختلف عليه، ولكن الوطن حضن وبيت الجميع ليس عليه خلاف، والوطن يضم أخوة مسيحيين وفصائل إسلامية مختلفة، ولكن الخلافة مشروع فصيل واحد، والوطن حاضر ومستقبل فهل نهدر الحاضر والمستقبل لمجرد حلم فصيل

بل أن فكرة عدم احترام الحدود الجغرافية والتخوم الأرضية فكرة خطيرة، فهل من حق كل مسلم مثلاً أن يذهب للسعودية ويعيش فيها، وإلى أي بلد بترولي آخر مثلاً، فأين حرمة الحدود والأوطان، وهل من حق الفلسطينيين أن يتركوا أرضهم لليهود ويأتوا يعيشون في سيناء؟ ومن هنا فالمشاريع أو الأحلام السياسية مسألة خلافية، ولكن الأوطان ليست محل خلاف ثم هذا الصراع نحو حلم الخلافة إلى أي شيء يستند، وعلى الجميع الرجوع لتاريخ الخلافة الإسلامية ويرى كم هي السنوات المضيئة في عمر الخلافة الإسلامية بعد الخلفاء الأربعة أو الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز، فمعظم تاريخ الخلافة تشوبه المشاكل، بل أنه في ظل دولة الخلافة استعمرت هذه الدول الإسلامية وقسمت ما بين استعمار انجليزي وفرنساي وإيطالي تحت راية الخلافة الإسلامية. ومن هنا أهمية الرجوع للقرآن وسنة نبينا لنعرف قيمة الأوطان بوجه عام،

 اتهامات الحكومة لإخوان حسن البنا في الأربعينات :
في رسالة المرشد الأول “قضيتنا” في يناير 1949 كانت رداً على قرار حل جماعة الاخوان المسلمين في الأربعينات، حيث يعرض المرشد الأول نماذج من المظالم الواقعة على الإخوان المسلمين ويمكنه تلخيصها في الآتي:

1. اعتقال ما لا يقل عن ألف شخص من الإخوان في القاهرة والأقاليم وهؤلاء المعتقلين يرى المرشد الأول أنهم ليسوا متهمين في شيء ويعذبون أشد العذاب.

2. الفصل والنقل والتشريد من العمل والدراسة.

3. مصادرة الأموال الخاصة بالإخوان وشركاتهم.

4. التفتيش والرقابة والإزعاج (ص ص 759 – 762).

ورغم أن المرشد يقول أن الاعتقالات بدون تهم يعود في نفس الرسالة ويفند أهم التهم الموجهة للجماعة وتتلخص في ا لآتي:

1. اتهام الجماعة بالإرهاب وارتكاب جرائم بجانب تهم التدريب على صنع القنابل والمفرقعات وأعمال إرهابية.

2. تخزين واستخدام الأسلحة والذخائر والمفرقعات.

3. ارتكاب حوادث الانفجارات في محلات اليهود في مصر.

4. اتهام الجماعة بقتل الخازندار وهنا يقول المرشد الأول بوضوح أن الإخوان كانوا أشد الناس أسفاً لقتل الخازندار الذي حكم على الجماعة.

5. ونفى المرشد أيضاً مسئولية الجماعة عن حادث قتل النقراشي وهو الذي حل الجماعة.

6. حادث تفجير المحكمة.

7. خطابات تهديد إلى بعض المسئولين الذين يختلفون مع الجماعة.

8. تهمة الانحراف عن الدين لأغراض سياسية

9. تهمة العمل على قلب نظام الحكم (ص ص 759 – 771).

وينفي المرشد كل هذه التهم ويبرر هذه التهم بأنها ترجع إلى ضغوط خارجية ضد الجماعة مع فشل داخلي بالإضافة لفشل الحكومة في قضيتي فلسطين والسودان مع وجود أصابع خفية تسئ للجماعة (ص 773 – 774).

وهناك عدة ملاحظات على ما سبق يمكن تلخيصها في الآتي:

1. ما أشبه الليلة بالبارحة فمعظم هذه الاتهامات تكررت بعد ذلك في كل العصور السابقة ومع كل الحكام تقريباً إلى الآن!

2. والسؤال لماذا يتكرر ذلك مع جماعة الإخوان ولا يحدث مثلاً مع الجماعة الصوفية… هل لعدم تدخل الجماعة الصوفية في السياسة مثلاً؟ أم لعدم لجوئها للعنف؟ أم ماذا؟.

3. إن المرشد الأول ينكر تماماً مسئولية الجماعة عن العنف والإرهاب ثم يعد ذلك بعد ثبوت أدلة تورط أعضاء من الجماعة في القتل والإرهاب، قال المرشد كلمته الشهيرة {ليسوا إخوان – وليسوا مسلمين} وهنا السؤال هل كان المرشد لا يعلم أن أعضاء من تنظيمه الخاص هو الذي قام بذلك؟ وتلك مشكلة أخرى.

4. التساؤل الأخير كل هذه الاتهامات والاعتقالات كانت في الأربعينات فلماذا يقتصر حزب الحرية والعدالة في هجومه على الستين عاماً الماضية وتحديداً بعد ثورة 1952، فهل كانت الأوضاع قبل 1952عدالة وديمقراطية وسلام وتنمية؟ ومن الذى قتل حسن البنا؟

وفي الختام فإن مراجعة كل هذه الوقائع تفسر وحدها الكثير والكثير ولا تحتاج لتعليق، والأهم من ذلك هو مراجعة النفس بصدق بحثاً عن الحق وصحيح الإيمان والاسلام والنجاة من الضلال والمضللين وفى الختام كل إنسان مسؤول أمام ربنا وعلى الجميع المراجعة (فمن يعمل مثقال ذرة خير يرى ومن يعمل مثقال ذرة شر يرى) الزلزلة 7 و8

و علينا جميعا أن نتقى الشبهات واللهم أرنا الحق حقا وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه والله الموفق لما فيه الخير.