تغريبُ الروحِ وفراغُ الوعي : صرخةٌ في وجهِ الانهيارِ القِيَمي
24 مارس، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم: سيد الرشيدي (روائي ومؤرخ)
من خلال لقاءاتي المستمرة مع جيل الشباب، وقربي من هواجسهم وأفكارهم، استوقفتني ظاهرةٌ غريبة تثيرُ القلق في نفس كل غيورٍ على هذا الوطن وتاريخه؛ وهي حالة “التناقض الصارخ” والاعتراض غير المبرر على عاداتنا وتقاليدنا المصرية الأصيلة. إننا أمام جيلٍ يبدو وكأنه يعيشُ في وطننا بجسده، بينما تسكنُ روحه وعقله ثقافاتٌ مستوردةٌ شوهت معالم شخصيته.
أولاً: سطوة “السوشيال ميديا” والاستلاب الثقافي.
لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من وسائل للاتصال إلى “معامل للترزي السري” الذي يفصل للشباب قيماً لا تناسب قامتنا الحضارية. فبات التقليد الأعمى هو السيد؛ تجد التناقض الفج في الملبس الذي لا يحمل هوية، وفي لغةٍ هجينةٍ ضاعت فيها فصاحة اللسان المصري، وصولاً إلى النظرة الساخرة لكل ما هو “جاد” و”أصيل” مما تربينا عليه في بيوتنا الصعيدية والريفية والقاهرية العريقة.
ثانياً: غيابُ القدوة.. وانهيارُ الاحترام.
إنَّ أشدَّ ما يؤلمني كمؤرخٍ روائي يرصدُ أخلاق الأمم، هو تآكلُ قيم “احترام الكبير” و*”توقير المعلم”*. لقد كانت هذه القيم هي العمود الفقري للمجتمع المصري؛ فالمعلمُ كان رسولَ علمٍ ووالداً روحياً، والكبيرُ كان مرجعاً للحكمة وميزاناً للحق. أما اليوم، فالثقافة المستوردة عززت “الفردية” المتطرفة التي تجعل الشاب يرى في نصيحة الكبير قيداً، وفي هيبة المعلم حاجزاً، مما أوجد فراغاً ثقافياً موحشاً.
ثالثاً: السينما الهابطة.. رصاصةٌ في قلبِ الوعي.
ولا يمكننا أن نعفي الفن من هذه المسؤولية؛ فقد ساهمت “السينما الهابطة” التي انتشرت في الآونة الأخيرة في تصدير نماذج “البلطجي” و”الخارج عن القانون” كأبطالٍ شعبيين. هذه النوعية من الأفلام لم تكتفِ بهدم الذوق العام، بل قدمت للشباب لغةً مبتذلة وسلوكاً فجاً، وزرعت في عقولهم أنَّ “الفهلوة” والتطاول هما أقصر الطرق للنجاح، مما طمس معالم القدوة الحقيقية التي كان يجسدها العالم والأديب والمفكر.
رابعاً: كلمةٌ للتاريخ
إنَّ الهوية المصرية ليست ثوباً نخلعه متى شئنا، بل هي نتاج تراكم حضاري بدأ من الفراعنة ومرَّ بالعصر الإسلامي والأزهر الشريف وصولاً إلى عصرنا الحديث. وما نراه اليوم من “شوشرة” فكرية هو سحابة صيف يجب أن نواجهها بالعودة إلى “الثقافة الجادة”؛ تلك الثقافة التي تعيد للكلمة وزنها، وللمعلم هيبته، وللعادات المصرية جلالها.
يا شبابنا، لا تجعلوا من أنفسكم “صدىً” لثقافاتٍ لا تشبهكم. عودوا إلى أصولكم، وانظروا في تاريخ قبائلكم وعائلاتكم ، لتدركوا أنَّ العزة لا تأتي بالتقليد، بل بالأصالة والثبات على القيم التي صنعت مجد هذا البلد