التوسل المشروع بين إجماع الأئمة وهجوم المتطرفين
23 مارس، 2026
شبهات حول قضايا التصوف

بقلم د : أحمد عبدالفتاح عبدالرازق
دفاعًا عن خطيب عيد الفطر المبارك في مسجد المشير طنطاوي، الذي دعا الله بقوله: “اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها”، وتعرض لهجمة شرسة من تيارات متطرفة تريد إقصاء ذكر آل البيت من ذاكرة الأمة ولسانها، ونبيّن في هذه المقالة أن هذا الدعاء من صميم التوسل المشروع الذي جرى عليه عمل الأمة قرونًا طويلة، وأن الهجمة عليه تكشف عن فكر متطرف يخالف إجماع المذاهب الأربعة، ويحارب كل من يخالف آراءه المتشددة، ويحاول تفريق الأمة تحت شعارات التوحيد الزائفة، ونعرض أدلة علمية موثقة من كلام الأئمة الأربعة وأقوال المحققين في مشروعية التوسل بالنبي وآل بيته، ونكشف عن خطأ من أنكر ذلك وخالف إجماع الأمة.
المحتويات
1. قراءة في مشهد خطبة العيد
2. حقيقة الدعاء – بين الفهم الصحيح والتحريف المتعمد
3. منزلة آل البيت – عليهم السلام – في الكتاب والسنة
4. التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم -آل البيت- رضي الله عنهم – في ضوء المذاهب الأربعة
5. كشف الوجه القبيح للفكر المتطرف
6. الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول بجواز التوسل:
7. خطورة منهج التكفير والتشدد
8. دفاعًا عن خطيب العيد – إنصاف الرجال من مكارم أخلاق الرجال
9. رسالة ونصيحة إلى كل مسلم غيور على دينه
10. الخلاصة
1. قراءة في مشهد خطبة العيد
في صبيحة عيد الفطر المبارك، وقف خطيب مسجد المشير طنطاوي ليرفع أكف الضراعة إلى الله، داعيًا لهذا الوطن العزيز. وفي دعائه قال: “اللهم يا رب بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك” [انظر: تغطية صلاة العيد، مسجد المشير طنطاوي، 2026].
هذا الدعاء الذي خرج من قلب مؤمن محب لآل بيت النبوة، تعرض لهجمة شرسة على منصات التواصل الاجتماعي، اتهم فيها الخطيب بالشرك والبدعة والضلال، ونُسبت إليه أقوال لم يقلها، وحُمّلت كلماته ما لا تحتمل.
فما الذي حدث؟
لقد كشفت هذه الهجمة عن وجه قبيح لفكر متطرف يتربص بكل من يذكر آل البيت بخير، ويريد إقصاء ذكرهم من ذاكرة المسلمين ولسانهم. هؤلاء المتطرفون لا يكتفون بمحاربة من يتوسل بالنبي ﷺ، بل تعدوا ذلك إلى محاربة من يذكر فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وأباها سيد المرسلين، وبعلها سيد الوصيين، وبنيها سيدي شباب أهل الجنة.
ونسأل: أين هم من قول الله تعالى: ﴿قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ ﴾ [الشورى: 23] ؟!
2. حقيقة الدعاء – بين الفهم الصحيح والتحريف المتعمد
إن الدعاء الذي قاله الخطيب: “اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها” هو دعاء لله وحده، توسلًا إلى الله بحق هؤلاء الكرام الذين هم أطهر أهل بيت على وجه الأرض، والمتوسل بهم إنما يتوسل بمحبتهم التي أوجبها الله، وبمنزلتهم التي رفعهم الله بها، لا يعبدهم ولا يدعوهم من دون الله.
يقول العلامة الشيخ محمد بن علوي المالكي رضي الله عنه: “التوسل بالصالحين هو أن يتوسل العبد إلى الله بحبهم وطاعتهم ومنزلتهم عند الله، لا أن يدعوهم من دون الله. وهذا مما لا خلاف فيه بين المحققين”[ انظر: مفاهيم يجب أن تصحح، ص 58 وما بعدها].
ويقول العلامة الشيخ محمد زكي إبراهيم رضي الله عنه: “حقيقة التوسل: أن العبد يذكر بين يدي ربه منزلة نبيه أو وليه، فيقول: يا رب، إن هذا نبيك وصفيك، وقد أنعمت عليه بالنبوة والكرامة، فأسألك بحق هذه المنزلة أن تفعل بي كذا. فهو لا يسأل النبي ولا الولي، وإنما يسأل الله بحقهم” [انظر: إبراهيم: إتحاف السادة المتقين، 3/ 256].
فأين الشرك في هذا؟
وأين البدعة؟
إنه قلب سليم ولسان ذاكر يتوسل إلى ربه بأحب خلقه إليه.
3. منزلة آل البيت – عليهم السلام – في الكتاب والسنة
قبل أن نخوض في مسألة التوسل، لابد أن نستحضر منزلة آل البيت الكرام.
أولاً: في القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَیۡتِ وَیُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِیرا﴾ [الأحزاب: 33]
قال الإمام الطبري – رحمه الله – في تفسيره: ” عن أَبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ -رَضِيَ الله عَنْهُ – وَحَسَنٍ – رَضِيَ الله عَنْهُ – وَحُسَيْنٍ – رَضِيَ الله عَنْهُ – وَفَاطِمَةَ – رَضِيَ الله عَنِهَا-»” [جامع البيان في تأويل القرآن:مؤسسة الرسالة،ط1 2000 م، 20/263]
وقال الله تعالى: ﴿قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِی ٱلۡقُرۡبَىٰۗ ﴾ [الشورى: 23]
قال الإمام الطبري – رحمه الله -:”لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به، والنصيحة التي أنصحكم ثوابًا وجزاءً، وعوضًا من أموالكم تعطوننيه (إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى). ” [جامع البيان، 21/ 526].
وجاء في تفسير الثعلبي:” معناه إلّا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب، ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، الّذين أمر الله تعالى بمودتهم.، …. عن ابن عباس، قال: لما نزلت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟، قال: «علي وفاطمة وأبناءهما» [مجمع الزوائد: 7/103]” [الكشف والبيان عن تفسير القرآن: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1 2002،8/310]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»[مسند الامام أحمد:11104]
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عزوجل. هُوَ حَبْلُ اللَّهِ. مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى. وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ». وَفِيهِ: فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا. وَايْمُ اللَّهِ! إِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الْعَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ. ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا. أَهْلُ بَيْتِهِ أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده”. [صحيح مسلم : 2408]
عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ؛ كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» [ رواه الترمذي (3788) وقال: حديث حسن غريب].
فهل بعد هذه النصوص يعقل أن يشنع على من يتوسل بحقهم ويتقرب إلى الله بمحبتهم؟!
4. التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم -آل البيت- رضي الله عنهم – في ضوء المذاهب الأربعة
مما لا شك فيه الاعتقاد بأنه ليس بيننا وبين الله واسطة فالله مطلع علينا يسمع ويستجيب سبحانه وتعالى ولكنه تعالى اباح لنا ابتغاء الوسائل اليه فقال سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِی سَبِیلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة: 35] ، وعَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«الْوَسِيلَةُ دَرَجَةٌ عِنْدَ اللهِ لَيْسَ فَوْقَهَا دَرَجَةٌ، فَسَلُوا اللهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي الْوَسِيلَةَ » [مسند الامام أحمد:11783].
ولأننا تميزنا عن غيرنا من الأمم اننا لا نحتاج الى الواسطة غير أنه لا مانع من ابتغاء الوسيلة، وعليه فقد قد قرر أئمة المذاهب الأربعة جواز التوسل بالنبي- صلى الله عليه وسلم – وبالصالحين، ومن باب أولى التوسل بآل بيت رسول الله ﷺ.
المذهب الحنفي:
قال الإمام حسام الدين السغناقي المتوفى 711هـ: “وأسترحمه عند مضيق حالي وإسلامي، مستشفعًا بنبي الرحمة، وكاشف الغمة محمد صلى الله عليه وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار”. [الكافي شرح البزدوي: (1/ 137)]
قال الإمام كمال الدين ابن الهُمام المتوفى 861هـ فيما يفعله الزائر عند القبر الشريف: “ويسأل الله تعالى حاجته متوسلًا إلى الله تعالى بحضرة نبيه عليه الصلاة والسلام، وأعظم المسائل وأهمها: سؤال حسن الخاتمة والرضوان والمغفرة، ثم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة فيقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة، يا رسول الله أسألك الشفاعة، وأتوسل بك إلى الله في أن أموت مسلمًا على ملتك وسنتك”[فتح القدير: (3/ 181)]
قال العلامة ابن عابدين رحمه الله في رد المحتار:” والتوسل بآل البيت جائز، بل هو من أفضل أنواع التوسل، لمكانتهم عند الله” [ رد المحتار، دار الفكر، بيروت، 1415هـ، 3/ 213].
وقال: “وكذا يقول أسير الذنوب جامع هذه الأوراق راجيًا من مولاه الكريم، متوسلًا بنبيِّه العظيم، وبكل ذي جاه عنده تعالى أن يمن عليه كرمًا وفضلًا بقبول هذا السعي والنفع به للعباد، في عامة البلاد، وبلوغ المرام، بحسن الختام، والاختتام، آمين”. [حاشية ابن عابدين: (1/ 78)]
وقال نور الدين ملا علي القاري الحنفي في شرح المشكاة: “وقد كان العلماء يتوسلون بالصالحين ويستسقون بذكرهم” [مرقاة المفاتيح، 5/ 234]
المذهب المالكي:
نقل القاضي عياض قول الإمام مالك رحمه الله للخليفة المنصور العباسي: ” فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم) الآيَةَ”.[ الشفاء بتعريف حقوق المصطفى:2/41]
وقال ابن الحاج المالكي في «المدخل»: “فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار، ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم”[المدخل، 2/ 45].
المذهب الشافعي:
قال الإمام الشافعي رحمه الله في ديوانه المشهور:
آلُ النَّبِيِّ ذَرِيعَتِي * وَهُمْ إِلَيْهِ وَسِيلَتِي
أَرْجُو بِهِمْ أُعْطَى غَدًا * بِيَدِ الْيَمِينِ صَحِيفَتِي [ديوان الشافعي، ص 48].
وقال الإمام تقي الدين السبكي :”اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك من الأمور المعلومة لكل ذي دين”[ انظر: شفاء السقام، ص 124]
المذهب الحنبلي:
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي ﷺ في دعائه” [نقله ابن تيمية في القاعدة الجليلة، ص 92].
“وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّلِ بِالصَّالِحِينَ وَنَصُّهُ) فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ يَتَوَسَّلُ (بِالنَّبِيِّ – ﷺ -) فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ.” [كشف القناع:دار الفكر ببيروت، 2/73]
وقال ابن مفلح الحنبلي ف : “ويجوز التوسل بصالح، وقيل: يستحب” [الفروع، مؤسسة الرسالة، 1424هـ، 3/ 245].
وقال المرداوي الحنبلي:”يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب” [المرداوي: الإنصاف، 2/ 456].
فهل بعد هذا الإجماع من المذاهب الأربعة يبقى مكان لمن يقول إن التوسل بآل البيت شرك أو بدعة؟!
5. كشف الوجه القبيح للفكر المتطرف
الهجمة التي تعرض لها خطيب العيد ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء من منهج متطرف يهدف إلى:
أولاً: إقصاء ذكر آل البيت من ذاكرة الأمة
هؤلاء المتطرفون يريدون أن يمحوا من ذاكرة المسلمين محبة آل البيت، ويحاربون من يذكرهم بخير، ويتهمون من يتوسل بهم بالشرك والبدعة. وهذا مخالف صريح لنص القرآن الذي أوجب مودتهم.
يقول شيخ مشايخنا العلامة عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله: “إن محبة آل البيت ليست بدعة ولا ضلالة، بل هي من أصول الإيمان، ومن فروض المودة التي أوجبها الله في كتابه. فمن أنكر محبتهم فقد خالف نص القرآن” [انظر: الغماري: إتحاف الأكياس].
ثانيًا: محاربة المذاهب الفقهية الأربعة
هؤلاء المتطرفون لا يكتفون بمحاربة آل البيت، بل يحاربون المذاهب الأربعة نفسها، ويتهمون أئمتها بالبدعة والضلال إذا خالفوا آراءهم. وقد قال يقول الشيخ ابن تيمية في كتابه ” قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ” عند الكلام على قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } ، فابتغاء الوسيلة إلى الله سبحانه وتعالى إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه ، وهذا التوسل بالإيمان به وبطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطناً وظاهراً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته في مشهده ومغيبه لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه ولا يعذر من الأعذار ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا بالتوسل به وبطاعته وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق ، … ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً .”
6. الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول بجواز التوسل:
“سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن قولهم في الاستسقاء : [ ( لا بأس بالتوسل بالصالحين ) وقول أحمد : ( يتوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – خاصة ) مع قولهم : إنه لا يستغاث بمخلوق ] ؟
فقال: فالفرق ظاهر جداً ، وليس الكلام مما نحن فيه ، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين ، وبعضهم يخصه بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه ، فهذه المسألة من مسائل الفقه ، وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور من أنه مكروه ، فلا ننكر على من فعله ، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد ” [فتاوى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في مجموعة المؤلفات القسم الثالث ص ٦٨ التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ] .
“وهذا يدل على جواز التوسل عنده غاية ما يرى أنه مكروه في رأيه عند الجمهور ، والمكروه ليس بحرام فضلاً عن أن يكون بدعة أو شركاً”.[المالكي : مفاهيم يجب أن تصحح:ص39]
بل إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتبرا ممن يكفر المتوسلين
وقد جاء عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته الموجهة لأهل القصيم الاستنكار الشديد على من نسب إليه تكفير المتوسل بالصالحين ، وقال :” إن سليمان بن سحيم افترى على أموراً لم أقلها ، ولم يأت أكثرها على بالي ، فمنها : أني أكفر من توسل بالصالحين ، وأني أكفرالبوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وأني أحرق دلائل الخيرات .
وجوابي عن هذه المسائل : أني أقول سبحانك هذا بهتان عظيم” .وجاء أيضاً تأييد قوله هذا في رسالة أخرى له بعثها إلى أهل المجمعة يقول فيها : “إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها ، منها ما هو من البهتان الظاهر ، وهو قوله : أني أكفر من توسل بالصالحين ، وأني أكفر البوصيري إلى آخر ما قال ، ثم قال : وجوابي فيها أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم” .[انظر: الرسالة الأولى والحادية عشرة من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب القسم الخامس ١٢ وص ٦٤] .
فأين هذا الكلام من أتباعه الذين يكفرون من يتوسل بآل البيت؟
ثالثًا: تفريق الأمة تحت شعارات التوحيد الزائفة
هؤلاء يرفعون شعار التوحيد، لكنهم في الحقيقة يفرقون الأمة ويكفرون من خالفهم، حتى وصل بهم الحال إلى تكفير العلماء الأعلام كالإمام الشوكاني والإمام السبكي والإمام الشعراني
قال الإمام السبكي رحمه الله: “إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله، وصار به بين أهل الإسلام مُثله” [السبكي: شفاء السقام، ص 124]
رابعًا: تحريف النصوص وتأويلها على أهوائهم
هؤلاء يحرفون معنى التوسل، ويزعمون أنه دعاء لغير الله، مع أن المتوسل لا يدعو إلا الله وحده. ويحرفون حديث الأعمى وحديث عمر مع العباس ليوافقوا أهواءهم، ويضعفون الأحاديث الثابتة إذا خالفت مشربهم.
7. خطورة منهج التكفير والتشدد
إن أخطر ما في هذه الهجمة هو منهج التكفير الذي يمارسه هؤلاء المتطرفون، فهم لا يكتفون بمخالفة العلماء، بل يتهمون بالشرك والكفر من خالفهم في مسائل الاجتهاد.
وقد حذر العلماء من هذا المنهج الخطير، قال الإمام السبكي رحمه الله:”ولا ينكر في مسائل الاجتهاد، ومن أنكر على مسلم قولًا أو فعلًا في مسائل الخلاف فقد خالف الإجماع”[ شفاء السقام: ص 156]
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: “ليس لأحد أن ينكر على أحد فيما هو محل اجتهاد، وإنما الإنكار فيما أجمع عليه” [الشاطبي: الاعتصام، 2/ 267].
وهؤلاء المتطرفون يخالفون هذا الأصل العظيم، ويكفرون من يتوسل بآل البيت، مع أن المسألة محل خلاف بين الأئمة، والراجح فيها الجواز، بل الاستحباب.
8. دفاعًا عن خطيب العيد – إنصاف الرجال من مكارم أخلاق الرجال
نحن إذ ندافع عن خطيب العيد، إنما ندافع عن منهج الأزهر الشريف، وعن محبة آل البيت التي هي من صميم الإيمان، وعن حق العلماء في أن يتكلموا دون أن يتعرضوا للهجوم والتكفير.
هذا الخطيب لم يأت بجديد، بل قال ما قاله علماء الأمة قبله، ودعا بما دعا به السلف الصالح، فلماذا هذه الهجمة؟ ولماذا هذا التطاول؟ ولماذا هذا التكفير؟
إنها والله مؤامرة يحاول فيها المتطرفون فرض رأيهم بالقوة والتكفير، وإقصاء كل من يخالفهم، حتى لو كانوا علماء أزهر أجلاء.
9. رسالة ونصيحة إلى كل مسلم غيور على دينه
وبعد، فإن هذه الهجمة على خطيب العيد وآل البيت تكشف عن وجه قبيح لفكر متطرف يريد أن يفصل الأمة عن تاريخها، ويقطع صلتهم بآل بيت نبيهم، ويحارب كل من يخالفهم في آرائهم المتشددة.
ونحن نقول لهؤلاء:
● آل البيت أطهر أهل بيت على وجه الأرض، ومحبتهم فريضة، والتوسل بهم مشروع.
● المذاهب الأربعة على جواز التوسل، فلماذا تخالفونها؟
● العلماء الأعلام كالشافعي والسبكي والمالكي أجازوا التوسل، فلماذا تكفرون من يقول بقولهم؟
ونوصي إخواننا المسلمين:
● تمسكوا بحب آل البيت، فإنه من صميم الإيمان.
● لا تلتفتوا إلى هؤلاء المتطرفين الذين يريدون تفريق الأمة.
● احترموا العلماء واجتنبوا التكفير في مسائل الخلاف.
● تذكروا أن الله قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ فَرَّقُوا۟ دِینَهُمۡ وَكَانُوا۟ شِیَعا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِی شَیۡءٍۚ ﴾ [الأنعام: 159]
نسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها، وأن يحمي علماءها من كل سوء، وأن يرد كيد المتطرفين في نحورهم.
﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوف رَّحِیمٌ﴾ [الحشر: 10]
10. الخلاصة
الهجمة الشرسة التي تعرض لها خطيب العيد في مسجد المشير طنطاوي بسبب دعائه: “اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها”، تكشف عن فكر متطرف يريد إقصاء ذكر آل البيت من ذاكرة الأمة ولسانها، ويحارب المذاهب الفقهية الأربعة، ويكفر من يخالف آراءه المتشددة.
وهذا الدعاء هو من صميم التوسل المشروع الذي أجمع عليه علماء المذاهب الأربعة، وجرى عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا، وقد ثبت من القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الأئمة جواز التوسل بالصالحين وآل البيت، بل استحبابه. والتوسل بآل البيت ليس شركًا ولا بدعة، بل هو من محبتهم التي أوجبها الله في كتابه، وعلى المسلمين أن يحذروا من فتنة التكفير والتشدد التي تفرق الأمة وتفسد الدين.